المناطق المحتلة من الصحراء الغربية...

 الارض.. التاريخ والجغرافيا.. واقع الاحتلال المغربي، سياساته، وتبعاته على الأرض والإنسان.

نبذة

المناطق المحتلة من الصحراء الغربية تضم المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة: العيون. في هذه المناطق المحتلة توجد غالبية الموارد الطبيعية، كما تشمل مناطق ذات مناخ قاسٍ وأخرى ذات مناخ أكثر اعتدالاً.

التمييز بين المناطق المحتلة والمناطق المحررة هو تمييز دقيق، لأن الصحراء الغربية قد قُسّمت بواسطة أطول جدار عسكري في العالم، يبلغ طوله 2700 كيلومتر. ويُعرف باسم “جدار العار”، ويفصل هذا الجدار بين الأمة الصحراوية وشعبها وعائلاتها. الجدار مليء بالألغام بشكل كثيف، حيث يُقدّر عدد الألغام الأرضية فيه بنحو 7 ملايين لغم، إلى جانب كمية غير محددة من مخلفات الحرب المتفجرة والذخائر العنقودية.

أغلب العائلات الصحراوية تعيش مفككة؛ نصفها في المناطق المحتلة من الصحراء الغربية والنصف الآخر في مخيمات اللاجئين. استغرقت معظم العائلات عقودًا حتى تتمكن من اللقاء مجددًا بعد الاحتلال المغربي عام 1975، وذلك بسبب الحرب أولًا، ثم نتيجة الانفصال المادي الذي فرضه جدار العار. كثير من الشباب الصحراويين لم يسبق لهم أن رأوا أو تعرفوا على أقاربهم، أو حتى على إخوتهم. هذا التشتت والانقسام يهددان الهوية الوطنية للشعب الصحراوي.

الواقع والحياة في المناطق المحتلة قاسية وصعبة الوصول والفهم، لأن الجزء الأكبر من الأراضي محظور تمامًا على المراقبين ووسائل الإعلام الدولية، وقد وُصفت بأنها “ثقب أسود للأخبار ومنطقة محظورة على الصحفيين”.

في المناطق المحتلة، تجاهلت السلطات المغربية بناء مؤسسات التعليم العالي، مثل الجامعات والمعاهد. وهذا أجبر الطلاب الصحراويين على الدراسة في جامعات داخل المغرب القاري، حيث يتعرضون غالبًا للتمييز. إضافة إلى ذلك، يعاني المواطنون الصحراويون في المناطق المحتلة من معدلات بطالة مرتفعة وتهميش اجتماعي واقتصادي. يواجه الشباب الصحراوي تمييزًا عند محاولتهم دخول سوق العمل، وحتى عند حصولهم على وظائف، فإنها تكون في الغالب منخفضة الأجر ويُحرمون فيها من أبسط حقوقهم كعمال. علاوة على ذلك، يتمتع المستوطنون المغاربة في الأراضي المحتلة بالأولوية في فرص العمل وتولي المناصب الإدارية.

انتفاضة الاستقلال

انتفاضة الاستقلال أو الانتفاضة الصحراوية الثانية أو انتفاضة مايو أو انتفاضة العيون هي ناشط صحراوي لسلسلة من الاضطرابات والمظاهرات التي اندلعت في مايو 2005 بعد الانتفاضة الصحراوية الأولى في الأجزاء التي يسيطر عليها المغرب من الصحراء الغربية وجنوب المغرب.

بدأت المظاهرات في 21 مايو 2005 في العيون، بعد أن قامت الشرطة بتفريق أفراد الشرطة بعنف احتجاجا على نقل سجين صحراوي متهم بتجارة المخدرات وإهانة النظام الملكي المغربي إلى سجن في أغادير، مما أدى إلى مزيد من المظاهرات خلال الأيام القليلة التالية.

وامتدت الاحتجاجات بنهاية مايو إلى مدن أخرى في الصحراء الغربية، مثل السمارة والداخلة، ورافقتها مظاهرات طلاب صحراويين يعيشون في مدن مغربية مثل أكادير والدار البيضاء وفاس ومراكش والرباط.

قامت وحدات الأمن العام المغربية بقمع الاضطرابات، على الرغم من اندلاع بعض المظاهرات اللاحقة المؤيدة للاستقلال، وفي 30 أكتوبر 2005، سُجلت أول حالة وفاة عندما توفي حمدي لمباركي البالغ من العمر 31 عامًا بعد ما أكدت منظمات حقوق الإنسان بسبب وحشية الشرطة أثناء اعتقاله.

وكان أكثر من مائة من المتظاهرين الصحراويين المؤيدين للبوليساريو من قبل السلطات المغربية من قبل حقوق الإنسان الدولي، وتم سجن ما يقرب من ثلاثين متظاهرًا ونشطاء حقوقيين صحراويين معروفين ، ومن بينهم السجين السياسي السابق علي سالم تامك (الذي لم يشارك مباشرة في أي مظاهرات، ولكن تم اعتقاله عند عودته من الخارج)، والناشط الحقوقي محمد المتوكل، وأميناتو حيدر التي جهزت لها حملة دولية للإفراج عنها والتب وقع عليها 178 عضوًا في البرلمان الأوروبي، والتي رشحت لجائزة ساخاروف.

وفي 14 ديسمبر 2005، حكم على 14 صحراويا وناشطًا في مجال حقوق الإنسان من المؤيدين للاستقلال، بمن فيهم النشطاء المذكورون أعلاه ومعظم القادة السياسيين الصحراويين المؤيدين للبوليساريو، بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات من قبل المحكمة، بتهمة الإخلال بالنظام العام، والانتماء إلى جمعيات غير قانونية، والتحريض على الاضطرابات، وإلحاق الأضرار بالممتلكات العامة وأعمال الشغب.

حيث نفت الاتهامات منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وقد أعربتا عن قلقها البالغ إزاء المحاكمات، مشيرة إلى تقارير عن تعرض بعض السجناء للتعذيب وسوء المعاملة في وقت سابق.

ردود الفعل الدولية

أبدت العديد من منظمات حقوق الإنسان الدولية اهتمامًا بالانتهاكات المزعومة للمتظاهرين الصحراويين، وطالبت منظمة العفو الدولية بفتح تحقيق في عمليات التعذيب للسجناء، ودعت إلى محاكمات عادلة والإفراج عن السجناء السياسيين، وأيضاً هيومن رايتس ووتش وغيرها.

فرض المغرب قيودًا على وصول الصحفيين والدبلوماسيين إلى المنطقة، زاعمًا أن نشطاء البوليساريو يستخدمون وجودهم العلني لإثارة المزيد من أعمال الشغب، ومُنعت بعثات استقصائية من دول أوروبية من دخول الإقليم، بما في ذلك عدة وفود برلمانية رفيعة المستوى وسفراء أجانب لدى المغرب، وطرد العديد من الصحفيين الأجانب، ولكن أيضًا مراسلي الجزيرة، بعد إجراء مقابلات مع المتظاهرين، ومُنع آخرون من زيارتها.

وفي نوفمبر 2005، أغلقت السلطات المغربية عددا من مواقع الإنترنت المؤيدة للاستقلال أو المؤيدة للبوليساريو، وقد أدانت منظمة مراسلون بلا حدود ذلك باعتباره مثالاً على الرقابة على الإنترنت.

صوت 98 برلماني في البرلمان الأوروبي، ضد قرار أكتوبر 2005 الذي “يأسف” لطرد الصحفيين الذين كانوا يغطون الانتفاضة وطالب “بالإفراج الفوري” عن السجناء السياسيين.

مخيم اگديم إيزيك

صرخة شعبية هزّت العالم

ap101108118908 01

يُعتبر مخيم اگديم إيزيك، الذي أُقيم في أكتوبر 2010 على بُعد حوالي 15 كيلومتراً جنوب شرق مدينة العيون المحتلة، أكبر حركة احتجاجية عرفتها الصحراء الغربية منذ بداية الاحتلال المغربي سنة 1975. شكّل المخيم حدثاً غير مسبوق في تاريخ النضال الصحراوي، حيث جمع أكثر من 20 ألف صحراوي جاؤوا من مختلف المدن والقرى، للمطالبة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

بدأت فكرة المخيم كمبادرة سلمية من مجموعة شبان صحراويين نصبوا خيامهم للمطالبة بحقوق أساسية، مثل الحق في العمل، والسكن، والعيش الكريم، ووقف التهميش الذي يطال السكان الصحراويين. ومع اتساع رقعة المخيم، تحوّل إلى رمز للوحدة والصمود، ولفت أنظار العالم إلى قضية الصحراء الغربية من زاوية جديدة، حيث كان التركيز على المطالب الاجتماعية، لكن مع مرور الوقت، برز البُعد السياسي بشكل واضح، إذ ربط المشاركون بين تلك المطالب وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

الاقتحام وأحداث العنف
في 8 نوفمبر 2010، قامت قوات الاحتلال المغربي باقتحام المخيم بالقوة، مستخدمةً مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما أدى إلى وقوع اشتباكات عنيفة وسقوط ضحايا وإصابات في صفوف الصحراويين، إلى جانب اعتقالات واسعة. وقد تم تفكيك المخيم بالكامل، لكن صداه ظل يتردّد محلياً ودولياً باعتباره نقطة تحوّل في مسار النضال الصحراوي.

أعقبت الأحداث حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من المشاركين في المخيم، حيث تم تقديمهم لمحاكمات وُصفت من قِبل المنظمات الحقوقية الدولية بأنها غير عادلة، شابتها انتهاكات خطيرة لحقوق الدفاع، واعتماد الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب.

قائمة أبرز المعتقلين وأحكامهم:
الحسين الزاوي: السجن المؤبد.

محمد البشير بوتنگيزة: السجن المؤبد.

عبد الجليل العروسي: السجن المؤبد.

سيدي عبد الجليل لفقير: السجن المؤبد.

العربي البكاي البكاي: السجن المؤبد.

النعمة الأسفاري: السجن المؤبد.

عبد الله التوبالي: 20 سنة سجناً.

الحسين البشير ابريكة: 30 سنة سجناً.

محمد بوريال: 30 سنة سجناً.

الديش الضافي: 30 سنة سجناً.

العربي زيو: 30 سنة سجناً.

محمد خونا بن الحي: 20 سنة سجناً.

محمد التهليل: 20 سنة سجناً.

الشيخ بنكا: 30 سنة سجناً.

السالك البطل: 20 سنة سجناً.

البشير خدا: 20 سنة سجناً.

هذه الأحكام أثارت استنكاراً واسعاً من قِبل منظمات حقوقية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، التي أكدت أن المحاكم اعتمدت على محاضر الشرطة دون أدلة مادية، وتجاهلت شكاوى التعذيب.

1480396261.izik1 1024x559

أثر المخيم على القضية الصحراوية: أصبح مخيم اگديم إيزيك رمزاً للصمود والاحتجاج السلمي في الصحراء الغربية، وأعاد تسليط الضوء على جوهر الصراع، ليس فقط من منظور حق تقرير المصير، بل أيضاً من خلال إبراز الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للقضية. وصف الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي المخيم بأنه “بداية الربيع العربي”، في إشارة إلى كونه نموذجاً مبكراً لانتفاضات الشعوب في المنطقة.

أصبح مخيم اگديم إيزيك علامة فارقة في مسار النضال الصحراوي، ليس فقط لأنه كشف حجم الاحتقان الاجتماعي، بل لأنه مثّل لحظة وعي جماعي بضرورة الربط بين المطالب المعيشية والحق في تقرير المصير.
كما اعتبره باحثون كالمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي “الشرارة الحقيقية للربيع العربي”، إذ سبق اندلاع الاحتجاجات في تونس بأكثر من شهرين، وأعطى نموذجًا لعصيان مدني واسع النطاق.

بعد أكثر من عقد على تفكيكه، لا يزال مخيم اگديم إيزيك حاضرًا في ذاكرة الصحراويين كرمز للوحدة الشعبية والإصرار على الكرامة. قصص المشاركين، وأسماء المعتقلين، وصور الخيام المنصوبة في الصحراء، تحوّلت إلى أيقونة للنضال السلمي في وجه الاحتلال، وإلى دليل على أن الحقوق تُنتزع بالصمود والإرادة الجماعية.

ورغم مرور أكثر من عقد على تفكيكه، لا يزال مخيم اگديم إيزيك حيّاً في ذاكرة الصحراويين كحدث مفصلي، يجسد وحدة الصف والمطالبة بالحقوق، ويعكس إرادة شعب لا يساوم على كرامته.

Scroll to Top