لمعلمين: حين تتحول الحرفة إلى طبقة

قراءة أنثروبولوجية مبسطة في الحرفة، والحماية، والزواج الداخلي، والوصمة داخل مجتمع البيظان

يعتمد هذا المقال في إطاره النظري الأساسي على دراسة الباحثة مارييلا فيلاسانتي سيرفيلو حول فئة “لمعلمين” في المجتمع البيظاني، المنشورة سنة 2004 بعنوان: “يعملون ليأكلوا، ويأكلون ليعملوا”. وتُعد هذه الدراسة من أهم الأعمال الأنثروبولوجية التي تناولت “لمعلمين” بوصفهم موضوعًا مستقلًا داخل المجتمع البيظاني.

لا يقدّم هذا المقال دفاعًا عن فئة اجتماعية بعينها، ولا محاكمة للمجتمع، بل يحاول فهم “لمعلمين” بوصفهم مدخلًا لقراءة أوسع في الحرفة، والتنقل، والحماية، والزواج الداخلي، والطبقية داخل مجتمع البيظان.

مُعدّ التحليل

أعدّ هذا المقال التحليلي أحمد علين محمد سالم، مدون واعلامي، صحراوي مهتم بقضايا الثقافة والهوية والذاكرة الاجتماعية في الصحراء الغربية. يشتغل من خلال منصة انتماء على مقاربة القضايا الصحراوية بلغة هادئة تجمع بين الذاكرة الشعبية والأدوات المعرفية الممكنة، سعيًا إلى فهم المجتمع من داخله، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو القراءات الاختزالية.

gemini generated image imz160imz160imz1

قد يطرح القارئ سؤالًا مشروعًا: لماذا نعود اليوم إلى الحديث عن لمعلمين؟

يصبح هذا السؤال أكثر وجاهة حين نلاحظ أن كثيرًا مما كُتب أو قيل عن هذه الفئة ظل محصورًا بين الدفاع عنها أو تبرير موقعها الاجتماعي، أو إعادة ترديد الصور الشعبية القديمة عنها. أما هذا المقال، فلا يسعى إلى الدفاع ولا إلى الإدانة، بل يحاول أن يقدّم قراءة أنثروبولوجية مبسطة تساعد على فهم ظاهرة أوسع: الجماعات الجوالة المتخصصة داخل مجتمع البيظان.

فـ“لمعلمين” لم يكونوا مجرد حرفيين بالمعنى الضيق للكلمة. لقد صنعوا أدوات الحياة اليومية، المادية والرمزية، ورافقوا المجتمع في حلّه وترحاله. صنعوا ما احتاجه الناس في الخيمة، والرحل، والحلي، والحديد، والجلد، والخشب، وأدوات العيش. ومع ذلك، تحولت هذه الفئة في الذاكرة الاجتماعية إلى موضوع للوصم، والريبة، والاستهزاء.

من هنا يبدأ السؤال الأعمق: كيف أدّت هذه الفئة دورًا ضروريًا داخل المجتمع، ثم وُضعت في الوقت نفسه في موقع اجتماعي أدنى؟ وكيف ساهمت منظومة تقليدية قائمة على التخصص والتراتبية في إنتاج هذا الموقع؟ وهل تكشف حالة “لمعلمين” شيئًا من بنية الطبقية داخل مجتمع البيظان، بما في ذلك المجتمع الصحراوي؟

لا يهدف هذا المقال إلى تقديم حكم نهائي، بل إلى فهم الظاهرة من داخلها، اعتمادًا على أدوات علمية طوّرها باحثون في الأنثروبولوجيا لدراسة هذا النوع من الجماعات. ومن بين أهم هذه الأدوات مفهوم الجماعات الجوالة المتخصصة، كما طوّره باحثون مثل أبارنا راو و ميشيل بوليغ، وهو مفهوم يساعدنا على فهم جماعات تعيش داخل مجتمعات أكبر، وتقدّم لها سلعًا وخدمات ضرورية، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على حدود اجتماعية خاصة، مثل التخصص المهني، والزواج الداخلي، والحركة أو الانتشار، وعلاقات الحماية والولاء.

وقد اعتمدنا في هذه القراءة، بصورة أساسية، على الدراسة الأنثروبولوجية المهمة للباحثة مارييلا فيلاسانتي سيرفيلو، المعنونة: “يعملون ليأكلوا، ويأكلون ليعملوا”، والمنشورة سنة 2004، وهي من الدراسات القليلة التي تناولت “لمعلمين” بوصفهم موضوعًا مستقلًا داخل مجتمع البيظان، لا مجرد إشارة عابرة ضمن الحديث عن التراتب الاجتماعي.

كما نستحضر، في الخلفية العامة، بعض الكتابات الإثنوغرافية عن المجتمع الصحراوي والبيظاني، ومنها كتاب “دراسات صحراوية” لخوليو كارو باروخا، لا بوصفه مرجعًا متخصصًا في “لمعلمين”، بل باعتباره أحد الأعمال المبكرة التي حاولت وصف المجتمع الصحراوي التقليدي وبنيته الاجتماعية.

سنحاول، إذن، أن نجيب عن أسئلة تشغل كثيرين، بمن فيهم أبناء هذه الفئة أنفسهم: من هم “لمعلمين”؟ كيف تحولت الحرفة إلى هوية اجتماعية؟ ما معنى الزواج الداخلي في هذا السياق؟ كيف اشتغلت علاقات الحماية والانتشار؟ ولماذا أنتج المجتمع حول هذه الفئة صورًا رمزية مثل الخوف، والوصم، والغرابة؟

هذه الأسئلة لا تخص “لمعلمين” وحدهم، بل تفتح بابًا أوسع لفهم الطبقية في مجتمع البيظان، وكيف تتحول الوظيفة الاجتماعية، مع الزمن، إلى مكانة متوارثة، ثم إلى صورة راسخة في الذاكرة الجماعية.

14163 200

ليست الحرفة في هذا السياق مجرد عمل يدوي، بل مفتاح لفهم بنية اجتماعية كاملة؛ فمن خلالها نرى كيف تتحول الحاجة اليومية إلى وظيفة، ثم تتحول الوظيفة إلى هوية متوارثة، ثم تصبح هذه الهوية طبقة اجتماعية وذاكرة مثقلة بالوصم والرموز.

ما هي الجماعات الجوالة المتخصصة؟

قبل الحديث عن “لمعلمين” بوصفهم فئة اجتماعية داخل مجتمع البيظان، من الضروري أن نتوقف عند مفهوم أنثروبولوجي يساعدنا على فهم هذه الظاهرة بعمق أكبر: الجماعات الجوالة المتخصصة.

هذا المفهوم لا يقصد كل جماعة بدوية أو متنقلة. فالمجتمع البيظاني، في جزء كبير من تاريخه، كان مجتمعًا بدويًا رعويًا يعرف الحل والترحال. لكن “الجماعات الجوالة المتخصصة” شيء آخر. إنها جماعات صغيرة نسبيًا، تعيش داخل مجتمعات أكبر منها، وتكسب عيشها من تقديم خدمات أو صناعة سلع يحتاجها الآخرون، مثل الحدادة، والصياغة، وصناعة الجلود، والموسيقى، والصيد، والوساطة، وإصلاح الأدوات.

ظهرت ملامح هذا المفهوم في دراسات متعددة تناولت جماعات مثل الغجر، والحدادين المتنقلين، والموسيقيين، والحرفيين الجوالين. غير أن الباحثة أبارنا راو صاغته بوضوح كمقولة تحليلية في بداية الثمانينيات، ثم رسخته في كتاب جماعي صدر سنة 1987 بعنوان “البدو الآخرون”. بعد ذلك جاء الباحث ميشيل بوليغ ليختبر قابلية هذا المفهوم في السياق الإفريقي، وخاصة في المجال الصحراوي والساحلي.

وتوضح الباحثة مارييلا فيلاسانتي أن بوليغ قدّم معالجة مهمة لهذا المفهوم في إفريقيا، حين أشار إلى وجود جماعات إفريقية وصحراوية تستجيب، بدرجات مختلفة، لثلاث خصائص أساسية: العيش من بيع السلع والخدمات بدل إنتاج الغذاء، والحركة أو الانتشار، والزواج الداخلي. وضمن هذا السياق ذكر بوليغ، داخل المجتمع البيظاني، فئتين أساسيتين: لمعلمين وإيكاون.

أول هذه الخصائص أن هذه الجماعات لا تعيش أساسًا من إنتاج الغذاء، كما هو حال الرعاة أو المزارعين، بل من بيع السلع والخدمات. فهي لا تملك بالضرورة قطعانًا كبيرة، ولا أراضي واسعة، ولا سلطة قبلية مباشرة، لكنها تملك معرفة مهنية يحتاجها المجتمع. إنها تصنع، وتصلح، وتزين، وتتوسط، وتنقل، وتؤدي أدوارًا لا يستطيع غيرها القيام بها.

في السياق البيظاني، يمكن تقريب هذه الفكرة من خلال صورة “خيمة الصانع” داخل لفريك. فوجود خيمة “لمعلم” وسط الجماعة لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان يعكس حاجة يومية إليه: من إصلاح الأدوات، وصناعة الرحل، والاشتغال على الحديد والجلد والخشب، إلى أداء بعض أدوار الوساطة والخدمة الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، كان هذا الوجود يمنحه نوعًا من الحماية الرمزية والاجتماعية، لأنه مرتبط بجماعة تحتاجه وتضمن له موقعًا داخلها.

أما الخاصية الثانية فهي الحركة أو الانتشار. والمقصود هنا ليس الحركة العشوائية، بل الحركة المرتبطة بالحاجة الاجتماعية. فهذه الجماعات تنتقل أو تنتشر حيث توجد الحاجة إلى خدماتها. قد ترافق قبائل أو أسرًا بعينها، وقد تستقر قربها، وقد تتحرك بين فضاءات مختلفة، لكنها في كل الحالات تبقى مرتبطة بشبكة من العلاقات التي تضمن لها الحماية، والعمل، والاعتراف.

ومن هنا يمكن فهم ظاهرة وجود عائلات من “لمعلمين” مرتبطة بأكثر من قبيلة أو منتشرة بين عدة فروع اجتماعية. فالانتماء هنا لا يُفهم دائمًا من زاوية النسب وحده، بل من زاوية الحاجة والوظيفة والحماية. فقد تحتاج كل جماعة أو فريك إلى “معلم” أو أكثر، بحسب نوع الخدمات المطلوبة، لأن الحرف نفسها ليست واحدة: فهناك من يختص بالحديد، ومن يشتغل بالجلد، ومن يعمل في الخشب، ومن يصوغ الحلي، ومن يجمع بين أكثر من مهارة.

أما الخاصية الثالثة فهي الزواج الداخلي. وهذا لا يعني دائمًا وجود منع مطلق للزواج من خارج الجماعة، بل يعني وجود ميل اجتماعي قوي إلى الزواج داخلها. وهنا يتحول الزواج إلى وسيلة لحفظ الحدود الاجتماعية والمعرفة المهنية معًا. فالحرفة لا تنتقل فقط عبر التدريب، بل عبر العائلة، والاسم، والانتماء، والذاكرة.

وفي حالة “لمعلمين”، لا يمكن اختزال الزواج الداخلي في رفض النبلاء وحدهم تزويج بناتهم لهذه الفئة. فالصورة أكثر تعقيدًا. في بعض الحالات، نجد أيضًا تحفظًا داخل أسر من “لمعلمين” تجاه تزويج بناتهم خارج الجماعة، ليس دائمًا بسبب الإقصاء، بل أحيانًا بسبب الإحساس بأن ذلك قد يكون تنازلًا اجتماعيًا غير متوازن. ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه النقطة بحذر، لأنها ليست قاعدة عامة، ولا تنطبق على جميع الأسر أو المراحل التاريخية.

من هنا نفهم أن “الجماعات الجوالة المتخصصة” ليست مجرد جماعات مهنية. إنها جماعات تعيش في منطقة وسطى: ليست خارج المجتمع، لكنها ليست مندمجة فيه بالكامل. يحتاجها الناس، لكنهم يضعونها على مسافة. يتعاملون معها يوميًا، لكنهم يميزونها اجتماعيًا. وهذا بالضبط ما يجعلها مدخلًا مهمًا لفهم الطبقية داخل المجتمعات التقليدية.

وعندما نطبق هذا المفهوم على “لمعلمين”، سنجد أننا لا نتحدث عن حدادين فقط، بل عن جماعة أدت وظائف مادية ورمزية داخل المجتمع البيظاني، وامتلكت معرفة حرفية متوارثة، وارتبطت بعلاقات حماية وانتشار، وحافظت غالبًا على زواج داخلي جعل المهنة تتحول، مع الزمن، إلى هوية اجتماعية.

لماذا ينطبق هذا المفهوم على “لمعلمين”؟

عندما ننقل مفهوم الجماعات الجوالة المتخصصة من مستواه النظري إلى مجتمع البيظان، نجد أن “لمعلمين” يقدمون مثالًا واضحًا على هذا النوع من الجماعات. فهم لم يكونوا مجرد أفراد يمارسون حرفة، ولا مجرد “حدادين” كما تختصرهم بعض الترجمات، بل كانوا جماعة ذات وظيفة اجتماعية واقتصادية واضحة، ولها موقع مخصوص داخل النظام التقليدي.

تنبّه مارييلا فيلاسانتي إلى أن ترجمة كلمة M’allemîn إلى “الحدادين” ترجمة غير دقيقة، لأنها تحصر هذه الفئة في الاشتغال بالحديد فقط، بينما كان عملهم أوسع من ذلك بكثير. فقد اشتغلوا بالحديد، والخشب، والجلد، والذهب، والفضة، وصناعة الحلي، والرحال، وبعض أدوات الخيمة والحياة اليومية. لذلك تفضل الباحثة وصفهم بـ“الحرفيين” بدل “الحدادين”، لأن هذا الوصف أقرب إلى حقيقة أدوارهم داخل المجتمع.

وهذه الملاحظة مهمة، لأن اختزال “لمعلم” في الحدادة شائع في الخطاب الاجتماعي، بل يحضر أحيانًا حتى في الخطاب الديني الذي يحاول الدفاع عن هذه الفئة من خلال الاستشهاد بالآيات التي تذكر الحديد، أو بالإشارة إلى النبي داود عليه السلام بوصفه نبيًا ارتبطت قصته بالحديد والصنعة. غير أن هذا النوع من الدفاع، على أهميته في سياقه، يبقى أقرب إلى الاستشهاد الأخلاقي منه إلى التحليل الاجتماعي. فالقضية لا تتعلق بإثبات شرف الحدادة فقط، بل بفهم موقع “لمعلمين” داخل بنية اجتماعية أوسع.

ومن هنا يصبح المصطلح نفسه جديرًا بالتأمل. فـ“لمعلم” في اللسان الحساني قريب من معنى المعلّم: صاحب الصنعة، وصاحب الخبرة، ومن يعرف ما لا يعرفه غيره. ولذلك فإن ربط الكلمة بجذر العلم والمعرفة يفتح فهمًا أوسع من ربطها بالحديد وحده. صحيح أن الحدادة كانت جزءًا أساسيًا من عملهم، ولا يمكن فصلها عن صورتهم الاجتماعية، لكن حصرهم فيها يظلم تعدد وظائفهم. “لمعلم” لم يكن فقط من يطرق الحديد، بل من يمتلك معرفة تقنية متوارثة تمكّنه من تحويل المادة الخام إلى شيء نافع: الحديد إلى أداة، والخشب إلى رحل أو وعاء، والجلد إلى متاع، والفضة إلى حلي، والمعرفة إلى خدمة.

وهذه نقطة مركزية في مقالنا، لأن اختزال “لمعلم” في الحدادة فقط يجعلنا نفقد البعد الاجتماعي الأوسع لدوره. فـ“لمعلم” لم يكن مجرد صانع أداة، بل كان جزءًا من شبكة الحياة اليومية. كان حاضرًا في الخيمة، وفي الفريك، وفي السفر، وفي الزواج، وفي الزينة، وفي إصلاح السلاح، وفي صناعة ما يحتاجه الناس في معاشهم وتنقلهم. وفي الذاكرة المحلية، لم يكن بعيدًا كذلك عن فضاءات الكلام والمعرفة والحكمة، لأن الحرفة في المجتمعات التقليدية لا تنفصل دائمًا عن التجربة، والذاكرة، والقدرة على الوساطة وفهم الناس.

ولا نعرف على وجه الدقة متى ظهر هذا المصطلح في المجال البيظاني، لكن الواضح أنه يرتبط بمعنى أوسع من مجرد الحدادة. كما أن استعمال صيغ قريبة من “المعلّم” في مجتمعات عربية أخرى للدلالة على صاحب الصنعة أو الحرفة يؤكد أن الكلمة تحمل في أصلها معنى المهارة والمعرفة، لا معنى العمل اليدوي وحده. ومع ذلك، ينبغي أن نبقى حذرين: فالمقال لا يحتاج إلى حسم أصل الكلمة تاريخيًا، بقدر ما يحتاج إلى بيان أن المعنى الاجتماعي للمصطلح أوسع من الترجمة الشائعة له.

من هنا نفهم أن قيمة “لمعلم” لم تكن في الحرفة وحدها، بل في كونه صاحب معرفة لا يستغني عنها المجتمع. ففي فضاء بدوي لا توجد فيه ورشات مستقلة، ولا أسواق دائمة، ولا مؤسسات تقنية، يصبح وجود الحرفي داخل الجماعة أو قريبًا منها ضرورة عملية. إنه الشخص الذي يستطيع أن يصنع ويصلح ويبتكر بحسب الحاجة، وأن يكيّف معرفته مع تغير الأدوار والظروف. فليس كل “معلم” مختصًا في الجلود، ولا كلهم مختصون في الخشب أو الحلي أو الحديد؛ بل تتوزع المهارات وتتراكم داخل العائلات بحسب التجربة والحاجة والمجال.

لكن هذه الضرورة لم تمنحه بالضرورة مكانة مساوية لمكانة النبلاء أو أصحاب السلطة القبلية. وهنا تظهر المفارقة التي تشكل قلب الموضوع: كان المجتمع يحتاج “لمعلمين”، لكنه في الوقت نفسه وضعهم داخل مرتبة اجتماعية مختلفة. لم يكونوا خارج المجتمع، لكنهم لم يكونوا في مركزه الاعتباري. كانوا قريبين من الناس بحكم الحاجة اليومية، وبعيدين عنهم بحكم التراتب الاجتماعي.

وتؤكد فيلاسانتي أن “لمعلمين” لم يكونوا خارج النظام القبلي البيظاني، كما قد توحي بعض التصورات. فهم كانوا ينتسبون إلى قبائل أو يرتبطون بها عبر علاقات حماية وولاء، وكان النبلاء يتحدثون عنهم بوصفهم “معلمينا”. غير أن هذا الانتماء لم يكن يساويهم دائمًا ببقية أفراد القبيلة من حيث المكانة. لقد كانوا داخل القبيلة، لكنهم داخلها من موقع وظيفي واجتماعي مخصوص.

وهذا بالضبط ما يجعلهم قريبين من مفهوم الجماعات الجوالة المتخصصة. فهذه الجماعات لا تعيش في عزلة تامة، ولا تذوب بالكامل في المجتمع الأكبر. إنها تحتاج إلى المجتمع كما يحتاج إليها. تقوم العلاقة بين الطرفين على تبادل غير متكافئ: الحرفي يقدم المعرفة والخدمة، والمجتمع يمنحه الحماية والعمل والاعتراف، لكنه لا يمنحه دائمًا المكانة نفسها.

لذلك، حين نقرأ “لمعلمين” من خلال هذا المفهوم، نفهم أن المسألة ليست مجرد مهنة. إنها علاقة اجتماعية كاملة تجمع بين الحرفة، والحماية، والزواج الداخلي، والانتشار، والوصم. فالطبقية هنا لا تبدأ فقط من احتقار المجتمع للحرفي، بل من الطريقة التي حوّل بها المجتمع الحرفة إلى هوية، والهوية إلى مرتبة، والمرتبة إلى صورة اجتماعية متوارثة.

بهذا المعنى، لا يساعدنا مفهوم الجماعات الجوالة المتخصصة على فهم “لمعلمين” وحدهم، بل يساعدنا على فهم جانب عميق من بنية المجتمع البيظاني نفسه: كيف احتاج المجتمع إلى فئات متخصصة كي تستمر الحياة اليومية، وكيف جعل هذا التخصص، مع الزمن، أساسًا للتمييز الاجتماعي في الوقت نفسه.

الحرفة داخل المجتمع البدوي: الحاجة قبل الوصمة

لفهم موقع “لمعلمين” داخل مجتمع البيظان، لا يكفي أن ننظر إلى الحرفة بوصفها عملًا يدويًا فقط. يجب أن نضعها داخل فضائها الأصلي: مجتمع بدوي رعوي، يعيش في الخيمة، ويتنقل بين المجال والماء والكلأ، ويحتاج في كل تفاصيل حياته إلى أدوات تُصنع وتُصلح وتُكيَّف مع ظروف الصحراء القاسية. في مثل هذا الواقع، لا يكفي أن يعرف الإنسان الطريق والماء والماشية، بل يحتاج أيضًا إلى من يفهم المادة، ويطوّع الطبيعة، ويستغل مواردها القليلة من أجل البقاء والتكيف.

في هذا السياق، لم تكن الصنعة ترفًا ولا مهنة ثانوية، بل كانت جزءًا من شروط الحياة نفسها. فالرحل من دونها يجعل ركوب الإبل صعبًا ومضرًا بالإنسان والحيوان معًا. والخيمة من دون أدواتها لا تقاوم الشمس والرياح. وأدوات الحلب من دونها يختل جانب من الغذاء اليومي. والسلاح من دونها لا دفاع ولا صيد. أما الحلي، والأواني، والجلود، وأدوات الخشب والحديد، فلم تكن مجرد أشياء، بل أساسيات ضرورية وامتدادًا مباشرًا للحياة اليومية. ومن يصنع هذه الأشياء أو يصلحها لا يكون خارج المجتمع، بل في قلب حاجته العملية؛ لأنه، بمعنى من المعاني، يساهم في صناعة شروط الحياة لمجتمع يبحث عنها في فضاء قاسٍ ومحدود الموارد.

تورد مارييلا فيلاسانتي، اعتمادًا على أوصاف إثنوغرافية سابقة، أن “لمعلمين” اشتغلوا في مجالات متعددة: الحديد، والخشب، والفضة، والذهب، والجلد، وصناعة الرحال، وأدوات الخيمة، والحلي، وغيرها من لوازم الحياة البدوية. وهذا ما يجعل ترجمتهم إلى “حدادين” وحدها قاصرة؛ لأن الحرفة عندهم لم تكن مرتبطة بمادة واحدة، بل بمعرفة تقنية واسعة ومتعددة. 

هنا تظهر أهمية “لمعلم” بوصفه صاحب معرفة لا يستغني عنها المجتمع. ففي عالم لا توجد فيه ورشات ثابتة، ولا مصانع، ولا أسواق دائمة، يصبح وجود الحرفي داخل الفريك أو قريبًا منه ضرورة. إنه من يحوّل المادة إلى أداة: الحديد إلى سكين أو وسيلة عمل، والخشب إلى رحل أو وعاء، والجلد إلى متاع، والفضة إلى حلي. بهذا المعنى، كانت الحرفة معرفة عملية مرتبطة بالحياة، لا مجرد مهنة معزولة.

لكن المفارقة أن هذا الدور الضروري لم يمنح “لمعلمين” مكانة اجتماعية مساوية لأهمية عملهم. فقد كان المجتمع يحتاجهم يوميًا، لكنه في الوقت نفسه وضعهم داخل مرتبة أدنى من مراتب النسب والشرف والسلطة. وهنا نقترب من جوهر الإشكال الطبقي: ليست المشكلة أن الحرفي بلا وظيفة، بل أن وظيفته الضرورية نفسها وُضعت داخل نظام اجتماعي يميز بين من “يعمل بيده” ومن يُنسب إلى الشرف أو القيادة أو الحماية. فالعمل اليدوي لم يمنح أصحابه، داخل هذا السلم الرمزي، شرفًا أو سلطة بقدر ما حشرهم في زاوية ارتبطت غالبًا بنقيض تلك الصفات.

في المجتمع التقليدي، لم تكن قيمة العمل تُقاس دائمًا بمقدار ضرورته، بل بموقعه داخل سلّم الشرف الاجتماعي. فهناك أعمال ضرورية للحياة، لكنها لا تمنح أصحابها مكانة عالية. وهناك أدوار رمزية، مثل النسب، والحماية، والزعامة، والوجاهة، تمنح صاحبها اعتبارًا أكبر، حتى لو لم تكن مرتبطة بإنتاج مباشر. من هنا يمكن فهم كيف عاش “لمعلم” داخل مفارقة دائمة: قريب من الناس بحكم الحاجة، بعيد عنهم بحكم المكانة.

ولعل صورة “خيمة الصانع” داخل الفريك تساعد على تقريب هذه المفارقة. فوجودها يعني أن المجتمع لا يستطيع الاستغناء عن صاحبها. لكنها في الوقت نفسه تكشف أن حضوره كان حضورًا وظيفيًا محددًا. فهو داخل الجماعة، لكنه ليس داخلها بالطريقة نفسها التي يوجد بها الشيخ أو المحارب أو صاحب النسب. هو جزء من الحياة اليومية، لكنه ليس بالضرورة جزءًا من مركزها الاعتباري.

بهذا المعنى، لم تكن الحرفة عند “لمعلمين” مجرد إنتاج مادي، بل كانت علاقة اجتماعية كاملة. فكل أداة تُصنع أو تُصلح تفتح علاقة بين الحرفي ومن يحتاج إليه. وكل خدمة يقدمها تعيد تأكيد حاجته إلى المجتمع وحاجة المجتمع إليه. غير أن هذه العلاقة لم تكن متساوية دائمًا، لأنها جرت داخل نظام هرمي سابق عليها، يحدد لكل فئة مكانتها وحدودها وأدوارها.

ومن هنا يصبح الحديث عن “لمعلمين” حديثًا عن الطريقة التي نظّم بها المجتمع التقليدي حاجاته. فقد احتاج إلى من يصنع، ومن يحارب، ومن يرعى، ومن يغني، ومن يعلّم، ومن يتوسط، لكنه لم يضع كل هذه الأدوار في مرتبة واحدة. وحين يتحول الدور إلى موقع، والموقع إلى هوية، والهوية إلى مرتبة متوارثة، تبدأ الحرفة في الخروج من كونها مجرد عمل، لتصبح علامة اجتماعية.

لذلك، فإن فهم الحرفة داخل المجتمع البدوي هو الخطوة الأولى لفهم الوصمة لاحقًا. فالوصم لم يأتِ لأن “لمعلمين” كانوا خارج المجتمع، بل لأنهم كانوا داخله من موقع خاص: موقع الضرورة غير المتساوية. احتاجهم المجتمع، لكنه لم يساوهم بمن يملك رموز الشرف والسلطة. ومن هذه المسافة بين الحاجة والمكانة، بدأت تتشكل الصور الاجتماعية التي التصقت بهم عبر الزمن.

نعم. هذا هو القسم التالي بالمنهج الجديد: نأخذ الفكرة من الدراسة، ثم نبني التحليل بصوت المقال، مع أمثلة محلية واضحة دون ادعاء أنها واردة في المصدر نفسه.

الحماية والانتشار: داخل المجتمع ولكن على مسافة

إذا كانت الحرفة تفسر حاجة المجتمع إلى “لمعلمين”، فإن علاقات الحماية والانتشار تفسر موقعهم داخله. فهذه الفئة لم تكن، كما قد يتبادر إلى الذهن، تعيش خارج المجتمع البيظاني أو على هامشه المطلق. كانت داخله، تتحرك معه، وتستقر قربه، وتخدم حاجاته اليومية. لكنها كانت داخله من موقع خاص، لا يشبه موقع النبيل أو الشيخ أو المحارب أو صاحب السلطة القبلية.

تنبّه مارييلا فيلاسانتي إلى هذه النقطة بوضوح حين ترفض اعتبار “لمعلمين” خارج النظام القبلي البيظاني. فهم، بحسب تحليلها، كانوا يرتبطون بقبائل أو أسر معينة عبر علاقات حماية وولاء، وكان النبلاء يتحدثون عنهم بوصفهم “معلمينا”، كما كان “لمعلمين” أنفسهم ينتسبون إلى قبائل محددة. غير أن هذا الانتماء لم يكن يلغي الفارق في المكانة، بل كان ينظمه داخل علاقة اجتماعية معقدة.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الجماعات الجوالة المتخصصة: فهي لا تعيش منفصلة تمامًا عن المجتمع الأكبر، ولا تذوب فيه بالكامل. إنها تحتاج إلى جماعة تحميها وتوفر لها مجال العمل، والجماعة تحتاج إليها لتوفير خدمات لا يستطيع غيرها أداءها. لذلك تقوم العلاقة بين الطرفين على نوع من التبادل، لكنه تبادل غير متكافئ: “لمعلم” يقدم الصنعة والخدمة والمعرفة، بينما تمنحه القبيلة أو الفريك الحماية، والاعتراف، وفرصة الوجود داخل المجال الاجتماعي.

في هذا السياق، لا ينبغي أن نفهم الحماية بمعناها الأمني فقط. الحماية هنا أوسع من ذلك. إنها علاقة تحدد من يحق له أن يقيم قرب الجماعة، ومن يحق له أن يخدمها، ومن يضمن سلامته، ومن يمنحه الاعتراف داخل شبكة النسب والولاء. فـ“لمعلم” قد لا يكون من صميم النسب المؤسس للقبيلة، لكنه يصبح جزءًا من فضائها الاجتماعي بحكم الوظيفة والحاجة والعلاقة المستمرة.

ولهذا يمكن فهم وجود “خيمة الصانع” داخل الفريك أو قريبًا منه بوصفه صورة اجتماعية دالة. فهي ليست مجرد مكان للعمل، بل علامة على علاقة كاملة: علاقة حاجة، وحماية، وقرب، ومسافة في الوقت نفسه. فالناس يحتاجون إلى الصانع يوميًا، لكنه لا يدخل بالضرورة في مركز المكانة نفسه الذي يحتله صاحب النسب أو السلطة. إنه قريب من الحياة اليومية، لكنه بعيد عن مركز الشرف الرمزي.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم ظاهرة انتشار بعض أسر “لمعلمين” بين أكثر من قبيلة أو فريك. فحين تكون الحرفة جزءًا من شروط البقاء، يصبح وجود الحرفي ضرورة لكل جماعة. وقد تحتاج جماعة إلى من يشتغل بالحديد، وأخرى إلى من يحسن العمل في الجلد، وثالثة إلى من يصوغ الحلي أو يصلح السلاح أو يصنع الرحل. لذلك لا ينبغي أن نقرأ انتشار “لمعلمين” من زاوية النسب وحده، بل من زاوية الحاجة الاجتماعية كذلك. فحيث توجد الحاجة، يوجد الصانع؛ وحيث يوجد الصانع، تنشأ علاقة حماية واعتراف.

هذا لا يعني أن “لمعلمين” كانوا بلا انتماء، ولا يعني أيضًا أن انتماءهم كان مطابقًا لانتماء النبلاء. بل يعني أنهم كانوا يعيشون داخل شكل خاص من الانتماء: انتماء وظيفي واجتماعي، يقوم على الخدمة والحاجة والحماية، أكثر مما يقوم على المساواة الكاملة في الرتبة. وهذا ما يجعل موقعهم ملتبسًا: فهم ليسوا غرباء تمامًا، وليسوا مندمجين بالكامل؛ إنهم داخل المجتمع، لكن على مسافة منه.

هذه المسافة هي التي ستصبح لاحقًا أرضًا خصبة لإنتاج الصور الاجتماعية والوصم. فكلما كانت الفئة قريبة من الناس في الحياة اليومية، لكنها بعيدة عنهم في المكانة، نشأ نوع من التوتر الرمزي حولها. يحتاجها المجتمع، لكنه يضعها في مرتبة أدنى. يستدعيها في كل تفاصيل العيش، لكنه يحافظ على حدود فاصلة بينها وبين فئات الشرف والسلطة.

من هذه الزاوية، لا تكون الحماية مجرد علاقة بين قوي وضعيف، بل آلية من آليات تنظيم الطبقية. فهي تمنح “لمعلمين” مكانًا داخل المجتمع، لكنها في الوقت نفسه ترسم حدود ذلك المكان. تسمح لهم بالوجود، لكنها لا تجعل وجودهم مساويًا لوجود الفئات العليا. تمنحهم الاعتراف، لكنها لا تمنحهم دائمًا المكانة.

وهذا ما يجعل فهم الحماية والانتشار ضروريًا لفهم الطبقية في مجتمع البيظان. فالطبقية هنا لا تقوم فقط على الاحتقار المباشر، بل على شبكة من العلاقات اليومية التي تبدو طبيعية: من يحمي من؟ من يخدم من؟ من يحتاج إلى من؟ ومن يملك حق تحديد مكان الآخر داخل الجماعة؟

من خلال “لمعلمين” نرى أن المجتمع التقليدي لم يكن يقوم على العزل الكامل بين الفئات، بل على قرب منظم ومسافات محسوبة. كانت الفئات تعيش معًا، لكنها لا تعيش بالرتبة نفسها. تتبادل المنافع، لكنها لا تتبادل المكانة بالضرورة. وهذا هو جوهر المفارقة: لقد كان “لمعلم” جزءًا من المجتمع، لكن المجتمع حرص على أن يبقى هذا الجزء في موضع محدد، قريبًا من الحاجة، بعيدًا عن مركز الشرف.

القسم التالي هو محور أساسي، لأنه يشرح كيف لا تبقى الحرفة “عملًا” فقط، بل تتحول عبر الزواج والاسم والذاكرة إلى هوية اجتماعية متوارثة.

الزواج الداخلي: حين تتحول الحرفة إلى هوية

من أهم الخصائص التي تساعد على فهم “لمعلمين” ضمن مفهوم الجماعات الجوالة المتخصصة مسألة الزواج الداخلي. والمقصود بالزواج الداخلي هنا ليس دائمًا وجود قانون صارم يمنع الزواج من خارج الجماعة، بل وجود ميل اجتماعي قوي إلى الزواج داخلها، بحيث يصبح الزواج وسيلة لحفظ الحدود بين الفئات، لا مجرد علاقة عائلية عادية.

تتعامل مارييلا فيلاسانتي مع الزواج الداخلي بوصفه إحدى الخصائص الأساسية التي تجعل “لمعلمين” قريبين من نمط الجماعات الجوالة المتخصصة. فهي تشير إلى أن هذه الفئة، مثل غيرها من الجماعات الحرفية أو الموسيقية في مجتمعات الصحراء والساحل، تميل إلى الزواج داخل جماعتها، مع بقاء بعض الاستثناءات ممكنة. وهذا مهم، لأن المسألة لا تتعلق بانغلاق كامل، بل بقاعدة اجتماعية عامة تسمح بفهم استمرار الفئة عبر الزمن.

في الظاهر، قد يبدو الزواج الداخلي مسألة تخص العائلة أو النسب فقط. لكنه في حالة “لمعلمين” أعمق من ذلك. فهو يرتبط بالحرفة، وبالمعرفة، وبالمكانة، وبالصورة الاجتماعية. فحين يتزوج أبناء الجماعة من داخلها غالبًا، تنتقل الحرفة داخل البيت نفسه، وتنتقل معها اللغة المهنية، وأسرار الصنعة، وطريقة التعامل مع الزبائن، والعلاقة بالقبائل، وحتى الصورة التي يحملها المجتمع عن هذه الفئة.

بهذا المعنى، لا تنتقل الحرفة عبر اليد فقط، بل عبر العائلة. فالطفل لا يتعلم الصنعة في مدرسة أو مؤسسة، بل يراها في البيت، وفي الخيمة، وفي الورشة الصغيرة، وفي حركة الأب أو الأم، وفي الأدوات، وفي الأحاديث اليومية. ومن هنا تصبح الحرفة جزءًا من الذاكرة العائلية. لا تعود مجرد مهارة يمكن تعلمها في أي مكان، بل تصبح معرفة مرتبطة باسم، وبيت، ونسب اجتماعي.

وهنا تبدأ المهنة في التحول إلى هوية. فالمجتمع لا يرى “لمعلم” فقط من خلال ما يصنعه، بل من خلال الاسم الذي يحمله، والعائلة التي ينتمي إليها، والزواج الذي يعقده، والمكانة التي ورثها. وحين يصبح الاسم نفسه علامة اجتماعية، لا يعود الفرد قادرًا على الخروج بسهولة من الصورة التي بناها المجتمع حول جماعته، حتى لو تغيّرت مهنته أو تعليمه أو ظروفه.

من هذه الزاوية، يساعدنا الزواج الداخلي على فهم كيف تتحول الحرفة إلى طبقة. فالطبقية هنا لا تنشأ فقط لأن هناك من يحتقر الحرفي، بل لأنها تُعاد إنتاجها عبر الزواج، والقرابة، والاسم، والحدود الاجتماعية. أي أن المجتمع لا يكتفي بأن يقول إن هذه الفئة تمارس حرفة معينة، بل يجعل الحرفة مرتبطة بجماعة محددة، ثم يجعل الجماعة نفسها مرتبطة بمكانة محددة.

ولا ينبغي أن نفهم هذا الأمر من جهة واحدة فقط. فالحديث الشائع يركز غالبًا على رفض بعض فئات النبلاء تزويج بناتهم من “لمعلمين”، وهذا صحيح في سياقات كثيرة، لكنه لا يشرح الصورة كلها. ففي بعض الحالات، نجد أيضًا داخل أسر من “لمعلمين” نوعًا من التحفظ تجاه الزواج خارج الجماعة، خاصة حين يُنظر إلى هذا الزواج بوصفه علاقة غير متوازنة اجتماعيًا أو تنازلًا عن موقع داخلي يحفظ للجماعة تماسكها وكرامتها. وهذه النقطة لا يمكن تعميمها على كل الأسر ولا على كل الأزمنة، لكنها تذكرنا بأن الزواج الداخلي ليس دائمًا نتيجة إقصاء من الخارج فقط، بل قد يكون أحيانًا آلية دفاع داخلية أيضًا.

هنا يجب أن نفرق بين أمرين: الوصم الخارجي والحماية الداخلية. فالوصم الخارجي يجعل الجماعة موضوعة في مرتبة أدنى داخل السلم الاجتماعي، أما الحماية الداخلية فتجعلها تحاول الحفاظ على تماسكها، ومعرفتها، وذاكرتها، وربما كرامتها أيضًا. وفي حالة “لمعلمين”، قد يكون الزواج الداخلي قد اشتغل في الاتجاهين معًا: فرضته التراتبية الاجتماعية من الخارج، ورسخته الحاجة إلى حفظ الجماعة من الداخل.

كما أن الزواج الداخلي يرتبط مباشرة بالمعرفة الحرفية. فكثير من الصنائع التقليدية كانت تقوم على أسرار مهنية لا تُنقل بسهولة إلى الغرباء. العمل في الحديد، والجلد، والفضة، والحلي، والرحال، وأدوات الخيمة، لا يحتاج إلى قوة اليد فقط، بل يحتاج إلى خبرة متراكمة، وذوق، وذاكرة تقنية، ومعرفة بالمواد وبحاجة الناس. لذلك كان من الطبيعي أن تحرص الجماعة على إبقاء هذه المعرفة قريبة من أبنائها وبناتها.

وللنساء هنا موقع لا ينبغي تجاهله. فحين نتحدث عن “لمعلمين”، لا نتحدث عن الرجال وحدهم. فالدراسة تشير إلى أن النساء داخل هذه الفئة اشتغلن في مجالات مهمة مثل الجلود، والخياطة، والنسيج، والصباغة، وبعض الأعمال المرتبطة بزينة النساء والحياة المنزلية.  وهذا يعني أن انتقال المعرفة لم يكن أبويًا فقط، بل كان يمر أيضًا عبر الأمهات والجدات والنساء اللواتي حملن جانبًا أساسيًا من الصنعة والذوق والخبرة.

من هنا يصبح الزواج الداخلي أكثر من مجرد عادة اجتماعية. إنه آلية تحفظ ثلاثة أشياء في الوقت نفسه: المعرفة، والحدود، والمكانة. يحفظ المعرفة لأن الصنعة تنتقل داخل البيت. ويحفظ الحدود لأن الجماعة تظل متمايزة عن غيرها. ويحفظ المكانة، سلبًا أو إيجابًا، لأنه يعيد إنتاج الموقع الاجتماعي نفسه عبر الأجيال.

لكن هذه الآلية نفسها تحمل مفارقة قاسية. فهي من جهة تحافظ على تماسك الجماعة ومعرفتها، ومن جهة أخرى قد تساعد على تثبيت الصورة التي صنعها المجتمع عنها. فكلما ظل الزواج داخليًا، ازداد وضوح حدود الجماعة في نظر الآخرين. وكلما ازدادت الحدود وضوحًا، أصبح من السهل تحويلها إلى تراتبية ووصمة.

لذلك، لا يمكن فهم الزواج الداخلي عند “لمعلمين” باعتباره تفصيلًا عائليًا بسيطًا. إنه أحد المفاتيح الأساسية لفهم كيف تحولت الحرفة إلى هوية، وكيف تحولت الهوية إلى طبقة، وكيف ظلت هذه الطبقة حاضرة في الذاكرة الاجتماعية حتى بعد تغير كثير من شروط الحياة القديمة.

بهذا المعنى، يكشف لنا الزواج الداخلي أن الطبقية ليست دائمًا قرارًا مباشرًا أو قانونًا مكتوبًا. أحيانًا تتكون الطبقية من عادات يومية تبدو طبيعية: من يتزوج من؟ من يرفض من؟ من يُعد مناسبًا؟ من يُعد خارج الدائرة؟ ومع الزمن، تتحول هذه الاختيارات إلى نظام اجتماعي كامل، يعيد إنتاج نفسه باسم العادة، والنسب، والكرامة، وحفظ الجماعة.

من الطبقة إلى الوصمة: كيف تُصنع الصور الاجتماعية؟

بعد أن تتحول الحرفة إلى موقع اجتماعي، والموقع إلى مرتبة، تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا: مرحلة إنتاج الصورة. فالمجتمع لا يكتفي دائمًا بوضع فئة ما في مرتبة أدنى، بل يحيطها أيضًا بمجموعة من الصفات والحكايات والأمثال التي تجعل تلك المرتبة تبدو طبيعية أو مفهومة أو موروثة. ومن هنا تبدأ الوصمة.

في حالة “لمعلمين”، لا ينبغي أن نتعامل مع الصفات التي ألصقها بهم المخيال الشعبي بوصفها حقائق عنهم، بل بوصفها مادة اجتماعية تحتاج إلى قراءة. فالجبن، والشراهة، والمجون، والعلاقة بالجن أو السحر، ليست أوصافًا بريئة ولا محايدة، بل هي رموز تكشف الطريقة التي نظر بها المجتمع إلى هذه الفئة، وكيف حاول تفسير موقعها المختلف داخله.

تولي مارييلا فيلاسانتي أهمية كبيرة لهذا الجانب. فهي لا تدرس “لمعلمين” فقط من خلال أعمالهم أو مكانتهم، بل من خلال الخطاب الذي أنتجه نبلاء البيظان حولهم. وهذا فرق أساسي. فالدراسة لا تسأل: هل كانت هذه الصفات صحيحة؟ بل تسأل: لماذا احتاج المجتمع إلى إنتاجها؟ وما علاقتها بموقع “لمعلمين” داخل نظام التراتب؟

أول هذه الصور هي صورة الجبن. في مجتمع يرفع من قيمة الشجاعة، والحماية، والقدرة على الدفاع، ويجعل من أخلاق المحارب جزءًا من الشرف، يصبح كل من لا يدخل هذا المجال معرضًا لأن يوصف بنقيضه. لكن “لمعلم” لم يكن يؤدي دور المحارب أصلًا. لم يكن موقعه الاجتماعي قائمًا على القتال أو الغزو أو حماية المجال بالسلاح، بل على الصنعة، والخدمة، والوساطة، وإصلاح ما يحتاجه الناس. لذلك قد يكون وصفه بالجبن تعبيرًا عن خروجه من أخلاق المحارب أكثر مما هو وصف حقيقي لشخصيته.

بهذا المعنى، لا نقرأ “الجبن” كصفة نفسية، بل كحكم اجتماعي صادر من منظومة تمجّد نمطًا معينًا من الرجولة والشرف. فحين يصبح المحارب هو معيار الكمال، يصبح غير المحارب ناقصًا في عين هذا المعيار، حتى لو كان يؤدي وظيفة أخرى لا تقل ضرورة لاستمرار المجتمع.

أما صورة الشراهة أو الارتباط المبالغ فيه بالأكل، فهي بدورها تحتاج إلى تفكيك. عنوان دراسة فيلاسانتي نفسه، “يعملون ليأكلوا، ويأكلون ليعملوا”، يحيل إلى مثل أو تصور اجتماعي يربط “لمعلمين” بدائرة العمل والأكل. غير أن قراءة هذا المعنى حرفيًا ستكون ظالمة. فالمقصود أعمق من الطعام نفسه. إنه يعكس نظرة مجتمع يمجد الاستغناء والكرم والوجاهة إلى فئة تعيش من العمل اليومي، ومن بيع الخدمات، ومن طلب المقابل على الصنعة.

في هذا السياق، تصبح “الشراهة” تعبيرًا رمزيًا عن علاقة الحرفي بالطلب والحاجة. فـ“لمعلم” لا يعيش من النسب ولا من السلطة ولا من الغزو ولا من الرعي وحده، بل من عمل يقدمه للآخرين، ومن مقابل ينتظره منهم. وهذا الوضع، داخل سلم شرف تقليدي، يمكن أن يتحول بسهولة إلى صورة ساخرة: شخص يعمل ليأكل، ويأكل ليواصل العمل. لكن خلف هذه السخرية تختبئ حقيقة اجتماعية أعمق: احتقار العمل المأجور أو الخدمة حين يؤديها من لا يملك مكانة عليا.

أما العلاقة بالجن أو السحر، فهي من أكثر الصور حضورًا وتعقيدًا. لا يمكن فهم هذه الصورة دون النظر إلى طبيعة الحرفة نفسها. فـ“لمعلم” يشتغل بالنار، والحديد، والجلد، والخشب، والفضة، والذهب. يغيّر شكل المواد، ويحوّل الصلب إلى أداة، والخام إلى شيء نافع أو جميل. وفي المجتمعات التقليدية، كل معرفة مغلقة لا يفهمها الجميع قد تتحول إلى مجال للريبة. فمن يعرف ما لا يعرفه الناس يصبح قريبًا، في المخيال، من السر. ومن يقترب من السر قد يُربط بالعالم الخفي.

لذلك، فإن ربط “لمعلمين” بالجن أو السحر لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حقيقة عنهم، بل بوصفه طريقة شعبية لتفسير معرفة تقنية لم تكن متاحة للجميع. فالحرفة، حين تكون موروثة ومغلقة داخل عائلات محددة، تتحول في نظر الآخرين إلى معرفة غامضة. وهذا الغموض، داخل الثقافة الشعبية، قد يأخذ شكل الخوف من الجن أو الاعتقاد في القدرة على التأثير الخفي.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: المجتمع يحتاج إلى معرفة “لمعلم”، لكنه يخاف منها في الوقت نفسه. يحتاج إلى النار التي يسيطر عليها، وإلى الحديد الذي يطوعه، وإلى الحلي التي يصوغها، لكنه يحوّل هذه المعرفة إلى سبب للريبة. وهذا يبين كيف يمكن للمعرفة، حين توجد خارج مركز الشرف والسلطة، أن تُقرأ لا بوصفها علمًا، بل بوصفها غرابة.

أما صورة المجون، فيجب التعامل معها بحذر أكبر. فالمقال لا يعيد ترديدها كحقيقة، ولا يبررها، بل يحاول فهم كيف نشأت. “لمعلمين” كانوا، بحكم موقعهم، قريبين من تفاصيل الحياة اليومية، ومن البيوت، ومن النساء والرجال، ومن مناسبات الزواج والزينة، ومن نقل الرسائل أو التوسط في بعض العلاقات. هذا القرب من المساحات الخاصة والحساسة قد يجعل المجتمع يحمّلهم صفات أخلاقية ملتبسة.

فالوسيط، في المجتمعات التقليدية، يؤدي أدوارًا لا يستطيع صاحب المكانة العليا أداءها مباشرة. يدخل حيث لا يدخل غيره، يسمع ما لا يسمعه غيره، وينقل الكلام بين أطراف لا تريد الظهور في الواجهة. ومن هنا قد يتحول دوره العملي إلى موضوع للريبة الأخلاقية. لا لأن الوسيط فاسد بالضرورة، بل لأن موقعه يجعله قريبًا من مناطق اجتماعية حساسة.

إذن، حين ننظر إلى الجبن، والشراهة، والجن، والمجون، لا نكون أمام صفات عشوائية. كلها مرتبطة بموقع “لمعلم” داخل المجتمع. فالجبن مرتبط بخروجه من معيار المحارب. والشراهة مرتبطة بعمله المأجور وحاجته إلى المقابل. والجن مرتبطون بسر الحرفة والنار والمعرفة المغلقة. والمجون مرتبط بدوره كوسيط قريب من الحياة الخاصة. بهذا المعنى، الوصمة ليست خرافة منفصلة عن الواقع، بل قراءة اجتماعية منحازة لموقع اجتماعي ملتبس.

ومن المهم هنا أن نقول إن تفكيك الوصمة لا يعني إنكار وجود الحكايات الشعبية أو الأمثال أو الصور المتداولة. بالعكس، هذه المادة مهمة لأنها تكشف طريقة تفكير المجتمع. لكنها لا تصلح وحدها للحكم على الناس. فالأمثال لا تقول الحقيقة دائمًا؛ أحيانًا تقول ما يريد المجتمع أن يصدقه عن فئة ما، حتى يحافظ على المسافة بينها وبين غيرها.

لذلك، فإن التعامل الجاد مع هذه الصور لا يكون بإعادة ترديدها، ولا بمجرد رفضها، بل بفهم وظيفتها. لماذا استمرت؟ من استفاد من استمرارها؟ كيف ساعدت على تثبيت مكانة معينة؟ وكيف جعلت التراتب يبدو كأنه نابع من “طبيعة” الفئة نفسها، لا من النظام الاجتماعي الذي وضعها في تلك المرتبة؟

هنا تكمن خطورة الوصمة: أنها تحوّل الموقع الاجتماعي إلى صفة شخصية. فبدل أن يقال إن “لمعلم” وُضع داخل موقع مهني واجتماعي محدد، يقال إنه جبان أو شره أو غريب أو قريب من الجن. وبدل أن نرى النظام الذي صنع المسافة، ننشغل بالصفات التي تبرر تلك المسافة.

بهذا المعنى، فإن تفكيك صورة “لمعلمين” هو تفكيك لطريقة المجتمع في صناعة الفوارق. فكل طبقية تحتاج إلى خطاب يبررها، وكل مسافة اجتماعية تحتاج إلى حكاية تجعلها تبدو طبيعية. وقد كانت الصور الشعبية عن “لمعلمين” جزءًا من هذه الحكاية: حكاية مجتمع احتاج إلى الحرفي، لكنه لم يرد أن يمنحه المكانة التي تناسب ضرورته.

ولذلك، لا يسعى هذا المقال إلى محو الذاكرة الشعبية، ولا إلى إنكار ما تداولته المجتمعات عن هذه الفئة، بل إلى قراءته قراءة مختلفة. فالذاكرة ليست محكمة، والأمثال ليست وثائق إدانة. إنها آثار اجتماعية تخبرنا كيف فكر الناس، وكيف صنفوا بعضهم، وكيف حولوا الحاجة إلى وصم، والوظيفة إلى هوية، والهوية إلى مرتبة.

من الذاكرة إلى الحاضر: هل تغير الواقع وبقيت الصورة؟

لا يكتمل فهم “لمعلمين” إذا توقفنا عند المجتمع التقليدي وحده. فالعالم الذي أنتج تلك الصور القديمة لم يعد كما كان. الخيمة لم تعد مركز الحياة كما كانت، والفريك لم يعد الإطار الوحيد للاجتماع، والحرفة التقليدية لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة أو العمل. الدولة الحديثة، والتعليم، والهجرة، والمدينة، والعمل الإداري، والوظائف الجديدة، كلها غيّرت شروط الحياة التي نشأت داخلها تلك الفئة.

تشير مارييلا فيلاسانتي إلى أن موقع “لمعلمين” عرف تحولات مهمة مع تغير المجتمع البيظاني، خاصة مع الاستقرار الحضري وتراجع الحياة البدوية القديمة. فقد انتقل كثير منهم إلى المدن، وتنوعت أعمالهم، ودخل بعضهم مجالات حديثة لا علاقة مباشرة لها بالصنائع التقليدية، مثل التعليم، والصحافة، والقانون، وبعض المهن الحضرية الجديدة. وهذا يعني أن الواقع الاجتماعي لم يبقَ ثابتًا كما كان في الزمن البدوي.

لكن المشكلة أن الصور الاجتماعية لا تتغير دائمًا بالسرعة نفسها التي يتغير بها الواقع. قد يتوقف الإنسان عن ممارسة الحرفة، وقد يحصل على تعليم عالٍ، وقد يهاجر، وقد يصبح موظفًا أو كاتبًا أو رجل قانون أو صاحب مشروع، لكن الذاكرة الاجتماعية قد تستمر في التعامل معه من خلال اسم العائلة أو الأصل أو التصنيف القديم. وهنا يظهر الفرق بين تغير الواقع وتغير النظرة.

في كثير من المجتمعات التقليدية، لا تموت الطبقية بمجرد تغير الاقتصاد. فقد تختفي بعض وظائفها القديمة، لكنها تبقى في اللغة، وفي النكتة، وفي الزواج، وفي التلميح، وفي طريقة السؤال عن الأصل، وفي الحساسية التي تحيط ببعض الأسماء. وهذا ما يجعل دراسة “لمعلمين” اليوم مهمة، لا لأننا نريد العودة إلى الماضي، بل لأن بعض آثار الماضي لا تزال تتحرك داخل الحاضر بأشكال جديدة.

وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة دقيقة: الحديث عن الوصمة لا يعني أن كل المجتمع يمارسها بالطريقة نفسها، ولا أن كل أبناء هذه الفئة عاشوا التجربة نفسها. هناك اختلاف بين الأسر، والمناطق، والأجيال، والقبائل، والظروف الاقتصادية، ومستويات التعليم. وهناك أيضًا علاقات احترام وصداقة ومصاهرة وتقدير لا يمكن إنكارها. لذلك لا ينبغي أن نحول المقال إلى حكم عام على مجتمع كامل، بل إلى محاولة لفهم بنية اجتماعية تركت آثارًا متفاوتة في الناس والذاكرة.

في المجتمع الصحراوي اليوم، كما في غيره من المجتمعات البيظانية، لم يعد ممكنًا فهم “لمعلمين” من خلال الحرفة وحدها. كثير من أبناء هذه الفئة لم يعودوا يمارسون الصنائع القديمة، وبعضهم دخل مجالات التعليم والسياسة والإعلام والإدارة والعمل المدني، وبعضهم يعيش خارج المجال التقليدي كله. ومع ذلك، تبقى بعض الصور القديمة حاضرة أحيانًا في العمق الاجتماعي، خاصة حين يتعلق الأمر بالزواج، أو النسب، أو السخرية، أو التصنيف غير المعلن.

وهذا يكشف أن الطبقية لا تعيش فقط في المؤسسات، بل تعيش أيضًا في الذاكرة. قد لا يعلن الناس مواقفهم صراحة، لكنهم قد يمارسونها في الاختيار، والتفضيل، والتجنب، والنكتة، وتوريث الحكايات. لذلك فإن مقاومة الطبقية لا تبدأ فقط بتغيير القوانين أو المهن، بل تبدأ أيضًا بتغيير الطريقة التي نفهم بها الماضي ونحكيه.

ومن هنا تأتي أهمية القراءة الأنثروبولوجية. فهي لا تكتفي بالقول إن المجتمع ظلم هذه الفئة أو أن هذه الفئة كانت ضرورية. بل تساعدنا على فهم كيف تشكلت العلاقة: كيف احتاج المجتمع إلى الحرفي، كيف منحه موقعًا داخله، كيف وضعه على مسافة، كيف حوّل حرفته إلى هوية، وكيف التصقت بهذه الهوية صور رمزية بقي بعضها حاضرًا حتى بعد تغير الظروف.

إن إعادة قراءة “لمعلمين” اليوم ليست مسألة تخص أبناء هذه الفئة وحدهم. إنها تخص المجتمع كله، لأنها تضعنا أمام سؤال أعمق: كيف نتعامل مع الذاكرة الاجتماعية حين تحمل داخلها ظلمًا أو وصمًا؟ هل نعيد ترديدها كما وصلتنا؟ هل نرفضها بالكامل؟ أم نقرأها باعتبارها أثرًا من آثار نظام اجتماعي قديم يحتاج إلى فهم وتجاوز؟

ربما يكون الطريق الأكثر عدلًا هو ألا نمحو الذاكرة، وألا نستسلم لها في الوقت نفسه. فالذاكرة الشعبية مادة مهمة، لكنها ليست حكمًا نهائيًا على الناس. يمكن أن نقرأ الأمثال والحكايات والصور المتداولة بوصفها وثائق عن طريقة تفكير المجتمع في زمن معين، لا بوصفها حقائق أبدية عن فئة معينة. وبهذا ننتقل من إعادة إنتاج الوصمة إلى فهم شروط نشأتها.

كما أن إعادة الاعتبار لا تعني صناعة أسطورة مضادة. فلا نحتاج إلى تحويل “لمعلمين” إلى فئة مثالية كي ننصفهم، ولا إلى إنكار كل ما في الذاكرة الشعبية كي ننتقدها. يكفي أن نعيد وضع الأشياء في سياقها: هذه فئة أدت أدوارًا ضرورية، حملت معرفة تقنية، عاشت داخل علاقات حماية وزواج داخلي وانتشار، ثم وُضعت داخل مرتبة اجتماعية أقل من أهميتها الفعلية. ومن هذه المفارقة خرج كثير من الالتباس.

إن السؤال الذي يجب أن يهمنا اليوم ليس فقط: ماذا قيل عن “لمعلمين”؟ بل: لماذا قيل؟ ومن قاله؟ وفي أي نظام اجتماعي نشأ؟ وما الذي بقي منه اليوم؟ بهذه الأسئلة يصبح المقال محاولة للفهم، لا للمرافعة. ويصبح الحديث عن “لمعلمين” مدخلًا لفهم المجتمع الصحراوي والبيظاني في إحدى أكثر طبقاته حساسية وتعقيدًا.

في النهاية، قد يكون أكبر تحول نحتاجه ليس في الماضي نفسه، لأنه مضى، بل في طريقة قراءتنا له. فالإنصاف لا يبدأ دائمًا من تصحيح الصورة فقط، بل من كشف الآلية التي صنعتها. وحين نفهم كيف تحولت الحرفة إلى طبقة، والطبقة إلى وصمة، والوصمة إلى ذاكرة، يصبح بإمكاننا أن نفتح بابًا جديدًا للحديث عن المجتمع، لا من أجل إدانته، بل من أجل تحريره من بعض الصور التي ورثها دون أن يراجعها.

المصادر والمراجع

المصدر الأساسي

Villasante Cervello, Mariella.
“They Work to Eat and They Eat to Work: The M’allemîn Craftsmen and Theoretical Considerations on Classifications and Discourse among the Mauritanian Bidân Nobility.”
نُشرت الدراسة ضمن كتاب:
Customary Strangers: New Perspectives on Peripatetic Peoples in the Middle East, Africa and Asia، تحرير Joseph C. Berland وAparna Rao، سنة 2004.

أهمية هذا المصدر للمقال:
هو المرجع المركزي في تحليل موقع “لمعلمين” داخل المجتمع البيظاني، خاصة من حيث تصنيفهم ضمن الجماعات الجوالة المتخصصة، وعلاقتهم بالحرفة، والزواج الداخلي، والحماية، والخطاب الاجتماعي الذي أنتجه النبلاء حولهم.

مصادر نظرية حول الجماعات الجوالة المتخصصة

Rao, Aparna.
“Des Nomades méconnus: Pour une typologie des communautés péripatétiques.”
مجلة L’Homme، المجلد 25، العدد 95، سنة 1985.

أهمية هذا المصدر للمقال:
من أهم النصوص التي صاغت مفهوم الجماعات الجوالة المتخصصة كمقولة أنثروبولوجية، وميزت هذه الجماعات عن البدو الرعاة أو الفلاحين أو الصيادين.

Rao, Aparna, ed.
The Other Nomads: Peripatetic Minorities in Cross-Cultural Perspective.
Böhlau Verlag، 1987.

أهمية هذا المصدر للمقال:
رسّخ هذا الكتاب مفهوم “البدو الآخرين” أو الجماعات الجوالة المتخصصة من خلال مقارنات عابرة للثقافات، وبيّن أن هذه الجماعات تعيش غالبًا من بيع السلع والخدمات، وتميل إلى الزواج الداخلي، وتتحرك داخل مجتمعات أكبر منها.

Bollig, Michel.
“Ethnic Relations and Spatial Mobility in Africa.”
نُشر ضمن كتاب The Other Nomads، تحرير Aparna Rao، 1987.

أهمية هذا المصدر للمقال:
يفيد في نقل مفهوم الجماعات الجوالة المتخصصة إلى المجال الإفريقي والصحراوي ـ الساحلي، وهو مهم خصوصًا لأن فيلاسانتي اعتمدت عليه في توضيح قابلية المفهوم لفهم جماعات مثل “لمعلمين” و”إيكاون” داخل المجتمع البيظاني.

مصدر إثنوغرافي عن المجتمع الصحراوي

Caro Baroja, Julio.
Estudios Saharianos.
Instituto de Estudios Africanos, C.S.I.C، مدريد، 1955.

أهمية هذا المصدر للمقال:
لا يُستعمل هنا بوصفه مرجعًا متخصصًا في “لمعلمين”، بل بوصفه عملًا إثنوغرافيًا مبكرًا عن المجتمع الصحراوي التقليدي وبنيته الاجتماعية. يفيد في فهم الخلفية العامة للمجتمع الذي تشكلت داخله العلاقات القبلية والتراتبية.

مراجع مساندة يمكن العودة إليها لاحقًا

Berland, Joseph C. & Rao, Aparna, eds.
Customary Strangers: New Perspectives on Peripatetic Peoples in the Middle East, Africa and Asia.
Praeger، 2004.
وهو الكتاب الجماعي الذي نُشرت فيه دراسة فيلاسانتي عن “لمعلمين”.

مراجع إثنوغرافية وردت داخل دراسة فيلاسانتي، ويمكن الرجوع إليها لاحقًا عند توسيع المقال أو إعداد ملف بحثي مستقل، مثل:
Jean Gabus، Mokhtar Ould Hamidoun، Ahmad Baba Miské، Pierre Bonte، Abdel Wedoud Ould Cheikh.
وقد استعملتها فيلاسانتي في وصف الحرف، والمكانة، والخدمات، والتحولات الاجتماعية المرتبطة بـ“لمعلمين”.

Scroll to Top