حديث الليلة الرابعة

30 meter dahomey amazon warrior statue benin amazone in cotonou benin africa representing amazon women warriors of kingdom of dahomey
Picture of  سمية بادي
سمية بادي

مثقفة وكاتبة صحراوية، تدير مركز «لحبالية» لتقديم الخدمات الاجتماعية. تتناول في كتاباتها موضوعات اجتماعية وثقافية متنوعة، وتقدّم قراءة نقدية للواقع الثقافي والاجتماعي والهوياتي داخل المخيمات.

عن الكاتب

❝

في عينيه شيء من خيبة جيمس، الشاب النيجيري، طالب القانون الدولي، وهو يطالع صور المعتقلين السياسيين الصحراويين. أجزم أن كل كدمة، وكل جرح، أحضرا إلى ذهنه ما درس من مواد قانونية ومواثيق عالمية عن الحق والحرية، وكأن اللحظة تكشف له أن تلك القوانين كُتبت للمناهج الدراسية لا للحياة الواقعية، وشتان بين الاثنين.

وأخيرًا عدنا إلى الفندق.

هذه المرة لم أشأ أن أجازف بما تبقى لديّ من طاقة، فجلست أنتظر أن يفرغ المصعد من مستخدميه، كانت المشقة التي تكبدتها من استخدام السلالم البارحة في ذهني أكثر منها في جسدي. نحن-في الغالب -لا نتعلم إلا بعد أن ندفع الثمن، ولذلك تبدو دروس الحياة أرسخ وأبقى من تلك التي يمنحنا إياها أمهر المعلمين؛ فالحياة لا تمنح دروسها مجانًا، ولا تكتفي بأن تخبرنا بالدرس، بل تجعلنا نعيشه، ثم تتركنا نكتشف معناه وحدنا.

جلست على أريكة حمراء ذات مقعدين في بهو الفندق، بين المصعد وقاعة الطعام. كان المقعد إلى جواري خاليًا، وعلى يساري جلس بعض أفراد الوفد، منشغلين، كلٌّ بهاتفه.  أتاحت لنا شرائح الاتصال المحلية أن نبقى على صلة بالعالم الافتراضي طوال اليوم.

لم أعد أعرف، في الحقيقة، أي العالمين هو الافتراضي: ذلك الذي نجلس فيه بأجسادنا، أم ذلك الذي نحيا فيه عبر شاشاتنا؟

وبينما كنت أنتظر أن يفتح هاتفي، أخذت أتأمل البهو. لم يكن هناك شيء جديد؛ المشهد نفسه تقريبًا، باستثناء اختلافين. الأول أن أفراد الوفد كانوا يتبادلون الأماكن، بما يوحي بألفة متزايدة مع المكان، بينما بقيت أنا الشخص الوحيد الذي يلزم نفسه بالمكان ذاته.

والثاني ذلك الشاب الذي كان يجلس في زاوية عند باب المصعد، على كرسي خشبي، فرد ظهره بشكل مستقيم، ووضع يديه على ساقيه الممددتين، وعيناه معلقتان في الفراغ أمامه.

بدأت أضع الاحتمالات: ربما كان عاملًا في الفندق، لكن في أي قسم؟ ربما كان ينتظر أحدًا؛ لكن من الذي يمكن أن يأتي في هذه الساعة المتأخرة؟ ربما جاء لأمر وانتهى منه، وربما، ببساطة، لم يكن ينتظر شيئًا على الإطلاق.

وهنا بدأت الحيرة، أو بمعنى أدق، بدأ الفضول.

كم نحتاج من الوقت كي نصنع للغريب حياة كاملة من مجرد هيئة؟ نراه جالسًا فنمنحه سببًا للجلوس والانتظار، ونراه صامتًا فنخترع له أفكارًا تتنازعه، ونراه شاردًا فنخلق له همومًا تنهشه. كأن الإنسان لا يحتمل الفراغ، حتى فراغ معرفته بالآخر؛ لا بد أن يملأه بقصة.

ما الذي يدفعنا إلى مراقبة الآخرين بهذه الطريقة؟ هل يعود الأمر إلى عجزنا عن فهم أنفسنا، فنحاول تخفيف وطأة ذلك العجز بمحاولة فهم الآخرين؟

ننظر إلى وجه غريب فنبحث فيه عن شيء يشبهنا: خوف نعرفه، ووحدة ألفناها، وشرودًا سبق أن عشناه؛ كأننا نتأسى بمعاناة الآخرين، أو نبحث عن عزاء صغير في فكرة أن ما نشعر به ليس حكرًا علينا. وقد لا نكون، في الحقيقة، منشغلين بالآخر بقدر انشغالنا بأنفسنا كما تظهر لنا في مرآته.

استغليت شروده لأمعن النظر في ملامحه. شعرت أنني عهدت وجهًا قريبًا من قبل، فأخذت أفتش في جملة الوجوه التي مرّت بي خلال هذا اليوم.

في عينيه شيء من خيبة جيمس، الشاب النيجيري، طالب القانون الدولي، وهو يطالع صور المعتقلين السياسيين الصحراويين. أجزم أن كل كدمة، وكل جرح، أحضرا إلى ذهنه ما درس من مواد قانونية ومواثيق عالمية عن الحق والحرية، وكأن اللحظة تكشف له أن تلك القوانين كُتبت للمناهج الدراسية لا للحياة الواقعية، وشتان بين الاثنين.

عدّل من جلسته قليلًا، ووضع ذراعيه على صدره بشكل متعاكس. في ثانية، أجال نظره حولنا، ثم عاد إلى شروده. خمنت أنه يحمل في ذهنه السؤال نفسه الذي ألفه جيمس ورفيقه ألفريد، صانع المحتوى السياسي:

من أنتم؟

ومن نحن؟ هل لهذا السؤال إجابة أصلًا، أم أنه من تلك الأسئلة التي يُراد لصاحبها أن يعجز عن الإجابة عنها؟

 نصهر الجميع في كلمة واحدة: «نحن»، لكن ذلك الانصهار الذي يبدو جميلًا في ظاهره قد يتحول أحيانًا إلى اختزال للذات وإلغاء للفروق التي تجعل لكل إنسان حكايته وفرادته.

لم نعد أنا وأنت وهو، بل أصبحنا «نحن»؛ أو «انتم »لكن أي «نحن»   هذه و أي «أنتم»؟

تحرك الشاب من جديد، وجرّ كرسيًا آخر، وضع عليه ساقه اليسرى مثنية إلى أعلى، ثم أسند عليها ذقنه دون أن يغير في ملامحه.

لا أعتقد أن الفتى بلغ ذلك العمق الذي توحي به نظراته؛ إنه أبسط من جيمس. رأيت فيه شيئًا من عفوية إيمانويل، فتى جوز الهند، عندما رأيناه يذود الناس عن شاحنة بيع ثمرة جوز الهند، بعد أن ورد الوافدون مرة واحدة عليها. جئته لاحقًا، دون استحياء، أطلب منه المتبقي من مالي، فأشار إليّ بالعودة بعد ساعة.

في خمس ثوانٍ التقت أعيننا؛ سحب هو بصره خجلًا، وأبقيته أنا فضولًا. إنه وجه ماريو، الفتى الساذج الذي اندفع إلى الحفل الموسيقي، محاولًا افتعال المتعة والاستمتاع، قبل أن يتحول هو نفسه إلى جزء من عرض لم يختره.

لكن ماريو ثرثار من الدرجة الأولى، وهذا صامت بالمطلق.

قيل لنا إن الموسيقى، مثل الابتسامة، لغة يفهمها الجميع، لكن ربما هناك أماكن أخرى تصبح فيها لغة الصمت والعزلة هي اللغة المشتركة. فحين تصمت عن حقك، قد يُفهم صمتك ضعفًا، وحين تصمت عن قضية ما، قد يُفهم صمتك تواطؤًا أو رضا. لكن ماذا لو لم يكن الصمت اختيارك أصلًا؟ ماذا لو كان قرارًا اتخذه غيرك عنك؟

دفع الكرسي وعاد جالسًا بظهر مستقيم، كأنه تمثال دينى ، جسده حاضرًا في المكان، لكن شيئًا ما فيه بدا بعيدًا.

تذكرت ماريو مرة أخرى؛ حين تعطلت آلة الموسيقى في السهرة، اضطر القائمون عليها إلى البحث عن خطة بديلة حتى لا يفقدوا من تبقى من الجمهور، ولم يجدوا غير ماريو/الإنسان، نعم، أصبح الإنسان «الخطة ب» حين تعجز الآلة. شاب ثمل، بنصف وعي، وجد نفسه فجأة على خشبة المسرح، فاستُغلت حالته العابرة لسد فراغ العرض.

 الإنسان ذاته يشعر بعدم جدواه في هذا الزمن، فيقاوم بطريقته و يسخر من ذلك ، يمنح الجسد من خلال الحضور و التواجد،  ويضن بالروح و العقل.

الحفل الموسيقى الذي عدنا منه توا ،على جنبات أرضيته كنا شعوبا و قبائل،وعلى فحواه رهط قليل ،فضّل بعض الشباب كرة القدم، وانشغلت شهرزاد بسرد فصل جديد من الحكاية الطويلة، واختار الباعة السعي وراء ما يمكن أن يزيد غلة اليوم، بينما أُجبرنا نحن على عدّ الوقت تنازليًا. كل واحد كان في مكانه، وإن بدا الجميع في المكان نفسه.

أطلق الشاب تنهيدة، ثم التفت نحو المصعد كأنه ينتظر قادمًا.

رباه! هل هو خضر الصوفي الحديث الذي أنشد ابن الفارض ونحن نستمع إلى موسيقى قبائلية دون أن أعرف سبب استحضاره في تلك اللحظة تحديدا؟ أم دياري؟ أم أبو بكر؟ لا أدري. ربما كان كل هؤلاء؛ وجهًا واحدًا تتقاسمه أجساد عدة، تتغير ملامحه قليلًا بفعل الظروف، لكن شيئًا عميقًا فيها يظل واحدًا.

و قد نكون نحن- في الحقيقة- هكذا بالنسبة إلى الآخرين أيضًا.  لا يرون منا إلا الملابس، ولون البشرة، وطريقة الجلوس، وفي أحسن الأحوال الاسم.

نختزل الإنسان في مظهر خارجي، ونستثني كل ما هو أعمق من حدود نظرنا؛ لا نطيل النظر، ولا نعيده مرة أخرى.

عاد الشاب إلى شروده، وعدت أنا إلى محاولة سبر أعماقه ، جسده ثابتًا، لكن روحه بدت لي في مكان آخر. أين يمكن أن تكون روح إنسان يجلس أمامك ولا تعرف شيئًا عما يدور داخله؟ ربما كان يفكر في شخص، أو في امرأة، أو في عمل، أو في مال، أو في بيت، أو في مستقبل لا يعرف كيف سيأتي. وربما لم يكن يفكر في شيء محدد على الإطلاق، وإنما كان عالقًا في تلك المنطقة الغامضة بين التفكير والشرود.

اجزم  أن التوهان ليس بالضرورة أن تضيع الطريق؛ ربما التوهان الحقيقي أن تمضي في الطريق وأنت لا تعرف إلى أين تريد أن تصل.

فكرت أنه قد وقع تحت خطر ما، فلاذ بهذا الركن، في زمن لم تعد فيه المخاوف تأتي دائمًا من الأشياء التي نعرفها؛ أحيانًا نخاف من الآخر لمجرد أنه آخر، أصبح لكل موقف نواجهه سيناريوهات كاملة من التوقعات وردود الفعل قبل أن يحدث حتى.

أذكر يومًا كانت هناك سيارة تتبعني في أحد شوارع مخيماتنا. خلال لحظات قليلة سطرت في رأسي قصة كاملة: سرقة، مطاردة، شرطة، هروب، واحتمالات لا تنتهي. ثم اكتشفت أنني أنا من كنت أعيق طريق السيارة؛ و السائق يمشي ببطء، منتظرًا أن أفسح له المجال، و قد يكون على الأرجح، خائفًا مني بالقدر نفسه الذي كنت خائفة منه.

خشيت من شيء لم يحدث. وهذا أيضًا شكل من أشكال التوهان: أن يعيش الإنسان داخل احتمال، ويستجيب له كما لو كان حقيقة. نحن لا نتعب فقط مما يحدث لنا، بل مما يمكن أن يحدث. نعيش جزءًا كبيرًا من حياتنا في المستقبل، نخاف مما لم يقع، ونندم على ما وقع، وننسى الشيء الوحيد الذي يحدث فعلًا: هذه اللحظة.

لهذا يصعب على الإنسان أن يكون حاضرًا؛ فالحاضر ضيق جدًا على كل هذه الأفكار.

فتح المصعد. خرج بعض الناس، ودخل آخرون. كم يشبه المصعد الحياة ، يصعد وينزل، يستقبل ويودع، يفتح بابه ثم يغلقه، يحمل أشخاصًا لا يعرف بعضهم بعضًا، يجمعهم لدقائق في مساحة ضيقة، ثم يفرقهم، كل واحد إلى وجهته.

أليس هذا ما نفعله طوال حياتنا؟ نلتقي بأشخاص في طوابق مختلفة من أعمارنا، نقضي معهم بعض الوقت، ثم ينفتح الباب ويذهب كل واحد في اتجاه. بعضهم ننساه، وبعضهم ينسانا، وبعضهم يظل معنا حتى بعد أن يغادر.

جلس شخص آخر إلى جواري وسألني عن كلمة سر شبكة الإنترنت في البهو. أمليتها عليه.

كلمة «السر». سلاح العصر-نعم  هي هكذا-،  تقي بها نفسك من فضول جليسك،و تجنبك ثرثرته و تمنعه من الإنشغال بك .

 بها  أيضا تضبط علاقاتك الإنسانية،فليس كل شخص يملك حق الدخول، وليس كل من يطرق الباب نفتح له.

 الإنسان، كلما تقدم به العمر، أدرك أن الوحدة ليست دائمًا غياب الآخرين، وأن كثرة الداخلين إلى حياته قد يكون أحيانًا شكلا آخر من أشكال الضياع.

تذكرت امرأة من بوركينا فاسو. قالت لي يومًا إن الإنسان اليوم لا يفتقد الطعام والشراب والملابس بقدر ما يفتقد أخيه الإنسان، وربما يفتقد نفسه أكثر. ظلت عبارتها ترافقني.

نحن محاطون بالبشر أكثر من أي زمن مضى؛ لدينا مئات الأرقام في هواتفنا، ومئات الأصدقاء والمتابعين، ومحادثات لا تنتهي، ورسائل  تصلنا حتى ونحن نائمون. ومع ذلك، يمكن للإنسان أن يغلق هاتفه، ويغلق باب غرفته، ويجلس وحده، فيكتشف أن كل تلك الكثرة لم تمنحه بالضرورة رفيقًا واحدًا.

 الوحدة ليست ألا يكون حولك أحد؛ الوحدة أن لا تجد أحدًا تصل إليه، حتى لو كان العالم كله على بُعد ضغطة زر. و أشد منها أن لا تجد نفسك؛ أن تعيش سنوات وأنت تنتقل من مكان إلى آخر، ومن شخص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، ثم تتوقف فجأة وتسأل: ماذا أريد أنا؟

ذلك هو التوهان الذي يخيفني أكثر. ليس أن تضيع في شارع؛ فالشارع يمكن أن يعيدك إليه أحد، لكن أن تضيع داخل نفسك، ولا تعرف أي الطرق يقود إليك.

رفعت عيني إلى الشاب. كان لا يزال جالسًا. ولا زال أحاول  إدراك كنهه ، و معرفة لما كان هناك، لا  أعرف  إن كان قد لاحظني أصلًا، لكنني أدركت أنني كنت أراقبه لأنني رأيت فيه شيئًا أعرفه جيدًا: إنسانًا يجلس وسط الناس، ولا نعرف إلى أين تأخذه أفكاره. وربما كان هو أيضًا ينظر إليّ بالطريقة نفسها.

 لكل منا قصة كاملة في رأسه، بينما الآخر لا يرى سوى شخص جالس إلى جواره. وهذه، ربما، إحدى أكثر صور الوحدة قسوة: أن يحمل كل إنسان عالمًا كاملًا داخله، ولا يستطيع أحد أن يراه.

فتح المصعد . هذه المرة دخلت. انغلق الباب، وصعد المصعد. أما الشاب، فبقي في الأسفل. لا أعرف إلى أين ذهب بعد ذلك، وهل  سيظل جالسًا في المكان نفسه بعد أن أغادر، لكنني، وأنا أصعد، فكرت أن الإنسان لا يقضي حياته في البحث عن الطريق بقدر ما يقضيها في محاولة إقناع نفسه بأنه لم يضل الطريق.

وربما نحن جميعًا، في مكان ما، جالسون قرب مصعد لا نعرف إلى أي طابق سيأخذنا؛ ننتظر، ونتظاهر بأننا نعرف، ثم نركب حين يفتح الباب.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top