يرى حمة عبد الفتاح، «كاتب النوستالجيا الصحراوية» كما يحلوا لنا أن نسمّيه، أن استحضار الماضي والحنين إليه لا يبدآن في احتلال حيّزهما الحقيقي في ذاكرة الإنسان إلا بعد تجاوزه عتبة الخمسين. ففي تلك المرحلة تتجلّى، في نظره، جمالية الأدب وطاقته الإبداعية من خلال استعادة الأماكن والأشخاص والتفاصيل التي عبرت حياة الكاتب. لذلك يغدو العمر عاملًا حاسمًا في تحويل الذكريات إلى مادة إبداعية.
ينحاز حمة، بصورة مطلقة، إلى مدرسة عبد الرحمن منيف، ويتخذه قدوة في الكتابة. ويقول إن أجمل ما قرأه لمنيف هو تلك الأعمال التي كتبها بعد تجاوزه سن الأربعين. ومن زاوية تتصل بالعمر وتحولاته، يرى أن الكتابة في سن مبكرة تتجه غالبًا نحو المستقبل، بينما تنحاز الكتابة في سن متقدمة إلى الماضي وتتخذه مصدرًا للإلهام. وكأن حمة يريد القول إن نقطة التقاء الماضي بالمستقبل ليست سوى الحاضر… حاضرنا جميعًا.
وتمثّل بدايات الملحمة الصحراوية ومعارك البناء الأولى، في نظره، دافعًا حقيقيًا لاستعادة الماضي؛ بما شهده من نجاحات، وما اتسم به من بساطة، وما رافقه في الوقت نفسه من معاناة وأزمات. فهو ماضٍ لا يُستعاد بوصفه زمنًا مثاليًا مكتملًا، بل باعتباره تجربة جماعية حافلة بما يستحق أن يُروى.
ينحاز حمة انحيازًا كاملًا إلى طبقة الكادحين؛ إذ يرى أن التفاصيل الصغيرة للملحمة الصحراوية هي التي صنعت نتائجها الكبرى. وقد صنع تلك التفاصيل أناس عاديون وجدوا أنفسهم في ظروف استثنائية. كما تشكّلت علاقة حمة بالثورة من داخل ظروف قاهرة، وفي مكان بعيد عن موطنه، حيث كان يحاول، رغم كل شيء، ممارسة فن البقاء، كمن يخوض حربًا يومية مع القدر.
ويشبّه حمة هؤلاء الكادحين بسيزيف في صراعه مع الآلهة التي عاقبته. وهو تشبيه بليغ؛ لأن سيزيف لا ينتصر بالتخلص من عقوبته، وإنما بوعيه الكامل بمصيره وتشبثه بالحياة. فحتى إن هوت الصخرة، فإنه يعود مرة أخرى ليدفعها نحو قمة الجبل. ليس سقوطها نهاية، بل بداية متجددة للمقاومة.
شكّل هذا المحور الأساسي لدى حمة مادة خام ثرية، متنوّعة في أشكالها ومآلاتها، لكنها متشابهة في مصائر أصحابها وعزيمتهم. فالمختل عقليًا في المخيم يقاوم كما يقاوم العقلاء البسطاء؛ والقابلة تستقبل الحياة، بينما يودّعها مغسّل الموتى. ويفضّل حمة استخدام الأسماء المستعارة التي يحملها البسطاء، لما تختزنه من رمزية جماعية داخل محيطه الصغير. ففي كل جماعة ثمة اسم حركي، وداخل كل فيلق أسماء أخرى، وحتى في المدرسة والإدارة يظل الاسم الحركي الثوري عنوانًا بارزًا، يختزل بين حروفه دلالات متعددة للرفاقية والانتماء المشترك.
يستمد الماضي جماله من نقائه وبساطته، شأنه في ذلك شأن الطفولة التي يكمن سحرها في براءتها. غير أن هذا الجمال لا يخلو من بُعد نقدي؛ إذ تنطوي استعادته على محاكمة للحظة الراهنة، وعلى مطالبة مشروعة بالعودة إلى الأصل الذي انطلقت من أجله الثورة: روح عام 1975.
وهكذا تنطلق المحاكمة السياسية للوضع الراهن من الرجوع إلى الماضي؛ لا هربًا من الحاضر، بل لاستعادة المعنى الذي ضاع في الطريق، وقياس المسافة الفاصلة بين البدايات وما انتهينا إليه.
من التصريح إلى النصوص: الذاكرة بوصفها محاكمة
تكشف قراءة النصوص الخمسة بوصفها امتدادًا لهذا التصريح أن وصف حمة بـ«كاتب النوستالجيا الصحراوية» يبدو دقيقًا، لكنه لا يحيط وحده بتجربته. حمة لا يستعيد الماضي لمجرد الحنين إليه، بل يحوّله إلى معيار أخلاقي وسياسي تُقاس به اللحظة الراهنة. عنده: الماضي محكمة، والتفاصيل أدلتها، والأفراد شهودها.
«بين الرمل والزيتون»: الذاكرة تصحّح الصورة
يكتب حمة عن فيلم حديث، لكنه يشاهده بعين مثقلة بأرشيف السبعينيات ورموزها. لذلك لا يكتفي بتقييم الصورة والإخراج، بل يبحث داخل الفيلم عن المفتاح، والملحفة، والشاي، والمسيد، والأغنية القديمة، وأسماء الأمكنة، وأنواع الطعام. هذه التفاصيل ليست زينة فولكلورية، بل علامات على صحة التمثيل ووفائه للذاكرة.
تظهر النوستالجيا بوضوح حين يقترح استبدال الأغنية المستخدمة بأغنية من تراث السبعينيات: «يا جميع العربان ثورة صحراوية…». فالماضي هنا لا يحضر بوصفه ذكرى شخصية فقط، بل بوصفه الصوت الأصلي للثورة، الذي ينبغي أن يرافق صورتها المعاصرة.
ويتجلى الأمر نفسه في اعتراضه على عنوان «بين الرمل والزيتون» واقتراحه «بين الطلح والزيتون». اقتراحه ليس مجرد تصحيح بيئي؛ فالطلح، مثل الزيتون، شجرة متجذرة في الأرض ومرتبطة بذاكرة أهلها، بينما الرمل صورة عامة ومستهلكة عن الصحراء. إنه يريد الجمع بين رمزين حيّين ومتجذرين، لا بين الزيتون وصورة سياحية فضفاضة عن الصحراء.
أما المفتاح، فيتحول من تفصيل صغير على حاسوب هناء إلى جسر بين الذاكرتين الفلسطينية والصحراوية. يلتقط حمة نجاح الفلسطينيين في تحويل مفتاح العودة إلى رمز سياسي، ثم يلتفت إلى المفتاح المربوط بملحفة الصحراويات، متحسرًا على عدم توظيفه رمزيًا. هنا لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يبحث فيه عن عناصر قابلة لإعادة الاستخدام في معركة الحاضر.
حتى الطعام يدخل في هذا الصراع الرمزي؛ فملاحظته حول الحريرة، والنشاء، ودقلة نور، وتمر المجهول ليست ملاحظة ذوقية عابرة، بل دفاع عن الحدود الثقافية للهوية. الذائقة عند حمة تصبح جزءًا من السياسة، والتفصيل اليومي يتحول إلى ساحة لمقاومة الاستحواذ والمحو.
أما حضور الأفراد، فيبدأ من بساطة العمل نفسه: مخرج، وطالبة، وكاميرا واحدة، وأسبوع واحد. لا يحتاج كسر التعتيم الإعلامي، في نظره، إلى مؤسسة ضخمة؛ يكفي فرد يمتلك موقفًا وأداة بسيطة. كما تحضر گبولة واغليلة وهناء والحاج أغظيفة بأسمائهم، لأن القضية الكبرى لا تظهر لديه إلا من خلال الأشخاص الذين يحملونها.
وفي خاتمة النص، يصنع حمة سلسلة من المقابلات: نكبة 1948 ونكبة 1975؛ تل الزعتر وبوكراع؛ صبرا وشاتيلا وأم دريكة؛ عبور بارليف وحزام الاحتلال؛ الكوفية واللثام؛ والفلسطيني والصحراوي. وبهذا لا يستعيد الماضي لذاته، بل يستخدمه لتفسير الحاضر وبناء ذاكرة مقاومة مشتركة.
«جلسات رمضانية»: استعادة الوطن داخل المنفى
إذا كان النص الأول يستدعي الماضي لتصحيح الصورة، فإن «جلسات رمضانية» يعيد بناء الوطن داخل بيت في إسبانيا. منذ عبارة «ما أحلى الرجوع إلينا» يتضح أن الرجوع المقصود ليس عودة جغرافية، بل عودة إلى الذات والذاكرة.
البيت في المهجر يتحول إلى خيمة صحراوية رمزية: دراعة المقدم، وملحفة أمة عثمان، وكؤوس الشاي، ودقلة نور، والتيشطار، ولودك، والشنين، والجلسة بالقرفصاء، والحصير، والگيطون، وصور الشهداء والعلم. يراقب حمة المشهد كأنه أمين متحف للذاكرة اليومية؛ ولذلك يأسف لأن الكاميرا لم تلتقط الحصير جيدًا، ويتمنى لو أزيل الغطاء عن طبق النشاء. فالتفصيل عنده ليس هامشيًا، بل هو الذي يمنح الصورة صدقها.
وحضور الأفراد هنا كثيف ودالّ. لا يكتفي بالإشارة إلى مقدم البرنامج، بل يسمّي المضيفين والمصورين والمركبين والنساء والأطفال. ويصف المصورين ومنجز الجنريك بـ«رجال الخفاء»، فيمنح الذين يقفون خلف الكاميرا مكانهم في الحكاية.
أما الأسماء، فلا تؤدي وظيفة تعريفية فحسب؛ إذ يتوقف عند أسماء مثل: أمة، والذهبة، والناجم، والرجوع، ويربطها بأسماء من زمن الملحمة مثل العودة، والثورية، والبنادق. الاسم عنده مستودع للذاكرة، وحروفه قد تحمل تاريخًا كاملًا.
وتحتل الطفلة الذهبة موقعًا مهمًا؛ فهي تحفظ القرآن والسيرة، وتتحدث الإسبانية والباسكية والحسانية، وتقف أمام علم تحفظ ألوانه. إنها تمثل نقطة التقاء الماضي بالمستقبل: تحمل ذاكرة الجماعة، لكنها تتحرك في عالم جديد ومتعدد اللغات.
ولهذا لا يعادي حمة الحاضر أو التكنولوجيا؛ فهو يشيد بجودة الصورة والصوت، ويقترح تطوير البرنامج إلى بودكاست صحراوي. إنه لا يريد العودة إلى الماضي تقنيًا، بل يريد استخدام أدوات الحاضر لنقل روح الماضي إلى المستقبل. ويصبح المهجر، بذلك، «ميدانًا آخر للعطاء»، لا مكانًا للاستسلام للاغتراب.
«أوراق شخصية»: السيرة الذاتية بوصفها أرشيفًا جماعيًا
هذا النص هو التطبيق الأكثر مباشرة لتصريح حمة عن العمر والذاكرة. بنيته كلها قائمة على الاسترجاع: «بعيد الانطلاقة»، «تغربنا في منتصف السبعينيات»، «لاحقًا»، «لا زلت أحتفظ بصورة…». إنه يعيد ترتيب حياته عبر المراحل التي مر بها الإعلام الصحراوي، فتتحول السيرة الشخصية إلى سجل جماعي.
تبدأ الذاكرة بالأمسيات والألعاب والحكايات، وكانت الجدات «بطلات السرد». ثم يزاحم هذا العالم البريء حضور قصص وادي الفيضة، ومأساة أم دريكة، والانطلاقة. هنا تلتقي الطفولة بالتاريخ؛ فلا يعود الماضي جميلًا لأنه خالٍ من الألم، بل لأنه يجمع البراءة والمأساة في ذاكرة واحدة.
وتبلغ النوستالجيا ذروتها في استعادة صوت «الصحراء الحرة»، الذي كان الأطفال ينتظرونه وهم موزعون بين الحنين والنعاس. الراديو ليس جهازًا فقط، بل صلة بالوطن ومعنىً للخيمة في المنفى. ثم يستعيد الإذاعة المدرسية، والجريدة الحائطية، والخط الكوفي والرقعة، والأبواب القديمة مثل «هل تعلم» و«أول من» و«أقوال مأثورة». إنه لا يتذكر الحدث الكبير وحده، بل يتذكر شكله وصوته وخطه وعناوينه.
ويظهر انحياز حمة إلى الكادحين بوضوح في صورة موسى بلال وعبد الله سيدمو، وهما يتنقلان سيرًا على الأقدام وبمسجل صغير لتغطية أنشطة محو الأمية والبراعم والسواعد. فالتاريخ الإعلامي عنده لم تصنعه الاستوديوهات والمؤسسات الكبيرة، بل أقدام تمشي، ومسجل صغير، وأيدٍ تكتب التقارير.
أما القوائم الطويلة للأسماء، فليست حشوًا كما قد تبدو لأول وهلة؛ إنها طريقة حمة في مقاومة النسيان. هو لا يقبل أن يُختزل تاريخ الإعلام في المؤسسة أو البرنامج، بل يعيد التاريخ إلى أصحابه: الطلبة، والمسرحيين، والمذيعين، والكتّاب، والمصورين، وأصحاب الأعمدة. كل اسم عنده شاهد وقطعة من أرشيف شعبي بديل.
المقارنة بالحاضر في هذا النص غير مباشرة. فحين يستعيد زمنًا كانت فيه الوسائل محدودة، بينما كان الإنتاج والحضور والمقاومة كثيفة، فإنه يضع الإعلام الراهن أمام سؤال ضمني: ماذا فعل بوسائله الحديثة؟ ولذلك تنتهي الذكرى لا بالبكاء على الماضي، بل بعبارة: «كل ذكرى والإعلام الصحراوي بألف مقاومة». الماضي هنا تكليف للحاضر، لا تعزية له.
«من سيل ولاية العيون»: ملحمة الكادحين كما وصفها حمة
هذا النص هو أقرب النصوص إلى صورة سيزيف التي تحدث عنها حمة. لا أبطال رسميين فيه، ولا خطب ولا مؤسسات في الواجهة؛ بل شيخ يفترش التراب المبتل ليترك الخيمة لعجوز قابلة وشابة تلد، ونساء يوزعن الطعام، ومقاتلون مسنون يحملون المؤن والأطفال والعجائز على ظهورهم، وفتيات يقطعن الطريق سيرًا، ورجلان يصنعان عوامة من البراميل ويغوصان ست مرات لإنقاذ ممتلكات الناس.
هنا تتحول «التفاصيل الصغيرة» فعلًا إلى صانعة للملحمة الكبرى. فالبطولة ليست قرارًا استثنائيًا، بل سلسلة أفعال بسيطة يؤديها أناس عاديون حين تضعهم الحياة أمام ظروف استثنائية.
ويجمع المشهد بين ولادة منينة وصرخة امرأة فقدت طفلها. تعلو الزغرودة، لكنها لا تلغي البكاء؛ والحياة تنتصر دون أن تنكر الموت. هذه ليست نوستالجيا سعيدة، بل ذاكرة أخلاقية تستعيد قدرة الجماعة على حماية الحياة وسط الكارثة.
ويجسد المقاتلون المسنون صورة سيزيف بصورة شبه حرفية: ينزلون من الشاحنات، ويحملون الطحين والسكر والشاي فوق ظهورهم، ويكابدون الطين والمطر والبرد، ثم يعودون لحمل الأطفال والعجائز والأثاث. وكذلك يفعل الرجلان اللذان يكرران الغوص ست مرات. إنهما لا ينتصران بإزالة الكارثة، بل بالإصرار على العمل داخلها.
المقارنة بالحاضر هنا صامتة، لكنها شديدة القوة. لا يقول حمة إن الحاضر فقد تلك الروح، بل يعرض الماضي بوصفه معيارًا ويسأل القارئ ضمنيًا: هل ما زالت هذه القدرة على التضامن والتضحية موجودة؟ ولذلك يصف النص بأنه «ورقة انسلّت من دفاتر صامدين عاشوا». إنه ينتشل أفعال هؤلاء من النسيان، مثلما انتشلوا هم ممتلكات الناس من الماء.
«وسادة صفية»: الماضي يحاكم الحاضر مباشرة
هذا النص هو الأكثر صراحة في المقارنة بين الزمنين. يبدأ من حاضر مزدحم بالإسمنت والبلاستيك والفوضى المرورية والحرارة والتجارة العشوائية والدواء مجهول المصدر والامتداد العمراني. لغته في وصف الحاضر ساخرة، سريعة وقاسية.
وسط هذا العالم تظهر خيمة صغيرة «لا تزال تقاوم»، ثم تظهر الوسادة الحمراء المكتوب عليها بالأزرق «R.A.S.D». منذ تلك اللحظة تتحول الوسادة من غرض منزلي إلى بوابة زمنية. إنها قطعة من زمن المصنع الجهوي، ومن مرحلة كانت فيها المرأة تعمل وتنتج، وكانت الأشياء اليومية تحمل اسم الدولة وألوانها ومعناها.
وتبلغ المحاكمة السياسية ذروتها في العبارة التي يصف بها ذلك الزمن بأنه زمن «لم تأكل فيه الدولة الحركة». فالمقارنة ليست بين الفقر والرفاه، وإنما بين الحركة الثورية الحية وبين المؤسسة حين تتحول إلى جهاز يستهلك روحها.
يقابل حمة الوسادة القديمة بوسادة حديثة من «جلسة كبسة خليجية»، يراها بلا حياة. إنه لا يقارن بين قطعتين من الأثاث، بل بين عالم ينتج أشياءه محليًا ويضع عليها هويته، وعالم يستورد الشكل والذائقة والرموز من الخارج.
حتى صاحبة الوسادة تحمل الزمن في جسدها؛ فقد عملت سنوات في المصنع، ثم استبدلت المسمار بالتسبيح، وابيضّ شعرها على وقع حلم العودة. هنا يتجسد تصريح حمة عن العمر والذاكرة بوضوح: الإنسان يتقدم في السن، لكن الأشياء التي صنعها تحتفظ بالشباب الأول للثورة.
وحين يتخيل فتح الوسادة، يتخيل داخلها متحفًا كاملًا: قطعًا من الملابس، وفستان طفلة من البدايات، وقميصًا من معركة أمگالا، وأزياء البراعم والمدارس. كأن الأرشيف الرسمي غائب، فيضطر الكاتب إلى بناء متحف الذاكرة داخل وسادة.
وفي نهاية النص تظهر الصبية ونتائج البكالوريا، أي المستقبل. لكنهن لم يسمعن قصة صاحبة الوسادة، ولم تدخل تجربتها ضمن برنامجهن الصيفي، بينما استمعن إلى محاضرة جاهزة من الخارج. هنا تقع القطيعة الحقيقية: ليست المشكلة أن الماضي انتهى، بل أن الحاضر فشل في نقله إلى الجيل الجديد.
نوستالجيا نقدية وذاكرة مقاومة
تكشف النصوص الخمسة أن نوستالجيا حمة تقوم على أربعة عناصر مترابطة:
الأشياء: المفتاح، والملحفة، والراديو، والمسجل، والخيمة، والوسادة، والملابس، وكؤوس الشاي، والبراميل.
الأشخاص: الجدات، والأطفال، والنساء، والعمال، والمقاتلون، والطلبة، والمصورون، وأصحاب الأسماء المنسية.
التفاصيل: الطعام، والألوان، والأغاني، وطريقة الجلوس، واللهجة، وأسماء البرامج والأماكن.
المقارنةالأخلاقية: ماذا بقي في الحاضر من بساطة البدايات، وتكافلها، وإنتاجها المحلي، ووضوح غايتها؟
حمة لا يكتب التاريخ من أعلى، بل من أسفل؛ من الخيمة والمطبخ والمدرسة والمصنع وجهاز التسجيل وأكتاف المقاتلين. والفرد عنده لا يناقض الجماعة، بل يكشفها: الطفلة الذهبة تحمل ذاكرة النساء، وصاحبة الوسادة تختزل مرحلة من بناء الدولة، والشيخ الذي تنازل عن الخيمة يجسّد أخلاق الثورة، والمصور الذي يعمل في الخفاء يمثّل الإعلام المقاوم.
ومع ذلك، فهو ليس رافضًا للحاضر ولا أسيرًا للماضي. إنه يشيد بالفيلم الجديد، وبجودة الإنتاج، وبالطفلة متعددة اللغات، ويدعو إلى إنشاء بودكاست. ما يرفضه ليس الحداثة، بل الحاضر المقطوع عن جذوره؛ الحاضر الذي يمتلك الوسائل لكنه يفقد المعنى.
لذلك يمكن وصف كتابته بأنها «نوستالجيا نقدية» أو «ذاكرة مقاومة». إنه لا يسأل: هل كان الماضي أكثر راحة؟ فهو يعرف أنه كان زمن اللجوء والسيل والحرب والفقد. لكنه يسأل سؤالًا أشد قسوة: كيف استطاع أولئك، وسط القلة والمعاناة، أن يصنعوا كل ذلك المعنى، وماذا صنعنا نحن بإمكانات الحاضر؟
وهنا تحديدًا يلتقي الماضي بالمستقبل في الحاضر؛ حاضرنا جميعًا.

