إذا كان المؤتمر القادم للبوليساريو يريد أن يكون أكثر من مجرد محطة لتجديد القيادة وتكرار الشعارات، فعليه أن يبدأ من السؤال الأصعب:
لماذا وصلت الأوضاع السياسية والعسكرية والاجتماعية إلى ما هي عليه اليوم؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات التي راكمتها السنوات؟ فهل الأزمة تُعالج بإخفائها، وتُحل بإعادة إنتاج الأدوات والوجوه نفسها التي ساهمت في إدارتها؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى مزيد من النقاش، وإنما إلى جرأة المصارحة.
لماذا لم تُسند مهمة إعداد التشخيص الاستراتيجي للمؤتمر إلى مركز الدراسات الاستراتيجية الصحراوي مدعما بما يختارمن كفاءات وطنية في استطاعتها قراءة التحولات الداخلية، الإقليمية والدولية؟
ومن هنا يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحًا ألم يكن من الأجدى أن تتولى نخبة من القدرات الداخلية والخارجية، إعداد دراسة مستقلة وشاملة، تستمع إلى القاعدة الشعبية والشباب والمثقفين والكفاءات والمنتقدين والمعارضين أينما كان تواجدهم الجغرافي، ثم تضع أمام المؤتمر صورة صريحة للواقع، بنجاحاته وإخفاقاته، بدل أن تظل عملية التحضير محصورة في لجنة تنتمي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المنظومة نفسها التي أوصلت الى الأزمة؟
فاللجنة الوطنية تستطيع أن تحضّر للمؤتمر من الناحية الإجرائية، لكن التشخيص الاستراتيجي شيء آخر. إنه يحتاج إلىعقل نقدي يستطيع أن يسأل القيادة عن خياراتها، وأن يضع أمامها الاحتمالات التي قد لا ترغب في سماعها.
فكيف يمكن لمن شارك في صناعة القرار أن يكون في الوقت نفسه الحكم على نتائج ذلك القرار؟
المؤتمر الذي يخشى الأسئلة الصعبة لن ينتج حلولًا جديدة. والمؤتمر الذي يُطلب فيه من الجميع الاصطفاف خلف القرارات قبل تفكيكها ودراستها بالعمق، قد يحقق وحدة شكلية، لكنه لن يحقق بالضرورة وحدة حقيقية قائمة على الاقتناع.
وهنا تحديدًا ينبغي التمييز بين وحدة الصف ووحدة الصمت
وحدة الصف قوة عندما تقوم على الاقناع والحوار والقدرة على الاختلاف داخل البيت الواحد، لكنها تتحول إلى عبء عندما يصبح الصمت شرطًا للانتماء، ويصبح النقد خروجًا عن الصف، وتتحول المصارحة إلى تهمة.
فهل تستطيع البوليساريو أن تميز بين وحدة الصف ووحدة الصمت، وبين جرأة المصارحة والنفاق والتزلف، وبين الدفاع عن القضية والدفاع عن المواقع؟
إن القاعدة الشعبية لا تحتاج إلى من يقول لها إن كل شيء يسير على ما يرام، بل تحتاج إلى قيادة تمتلك شجاعة الاعتراف بما لم تنجح فيه. والشباب لا يحتاجون إلى خطب عن الصمود بقدر ما يحتاجون إلى أن يروا أفقًا سياسيًا واجتماعيًا واضحًا لمستقبلهم.
لذلك، فإن المؤتمر القادم ينبغي ألا يكون مؤتمرًا لتجديد الأشخاص بقدر ما يجب أن يكون مؤتمرًا لتجديد المشروع، ومراجعة الاستراتيجية، واستعادة الثقة.
فالخروج من الأزمة لا يبدأ من انتخاب قيادة جديدة أو الإبقاء على القيادة القديمة، وإنما يبدأ من تشخيص صادق للأزمةومن لا يملك شجاعة مواجهة أخطائه، لن يملك شجاعة صناعة مستقبله.
وفي النهاية، لم يعد أمام المؤتمر ترف تأجيل الأسئلة. فإما أن يمتلك شجاعة في مراجعة الخيارات التي أثبت الواقع محدوديتها، وإعادة الاعتبار للكفاءة والمؤسسات والرقابة والمشاركة؛ وإما أن يتحول المؤتمر نفسه إلى جزء من المشكلة.
لقد حان الوقت لكي تكون مصلحة القضية فوق مصلحة القيادة، والمؤسسات فوق الأشخاص، والحقيقة فوق المجاملة. فالمؤتمر الذي لا يغيّر طريقة التفكير لن يغيّر الواقع، والقيادة التي ترفض أن تُسائل نفسها ستجد نفسها، عاجلًا أم آجلًا، أمام واقع يفرض عليها الأسئلة بطريقة أكثر قسوة.
هذه ليست دعوة إلى التشكيك، بل إلى إنقاذ وحدة الصف من أن تتحول إلى وحدة الصمت؛ وليست دعوة إلى التخفيف بما قدمته القيادة، بل إلى جعلها أقوى بالمحاسبة والمصارحة؛ وليس انتقاصا من الجبهة، بل دفاعًا عنها من خطر الجمود.
فإما أن يكون المؤتمر بداية مراجعة تاريخية تفتح آفاقا جديدة، أو يكون مجرد حلقة أخرى في مسلسل تأجيل الأزمة. وفي هذه اللحظة بالذات، لم يعد التأجيل خيارًا آمنًا. وللحديث بقية.




