الصحراء الغربية: قضية تصفية استعمار لا تقبل المساومة

main youngpeoplefromwesternsaharatalkabouttheircauseandtheirreality 913786 114897
Picture of فاضل كمال
فاضل كمال

فاضل كمال، ممثل الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) في أستراليا. كاتب ومحلل سياسي يهتم في كتاباته بالشؤون القانونية لقضية الصحراء الغربية المحتلة. له العديد من المساهمات الإعلامية، كما له العديد من المساهمات الأكاديمية في هذا المجال.

عن الكاتب

❝

وقد حسمت محكمة العدل الدولية جانباً أساسياً من هذه المسألة في رأيها الاستشاري التاريخي الصادر في 16 أكتوبر 1975، عندما أكدت أن الأدلة المعروضة عليها لم تثبت وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمغرب أو موريتانيا من شأنها أن تؤثر في تطبيق مبدأ تقرير المصير. وهذه حقيقة قانونية لا يمكن تجاوزها بقرار يصوغه حلفاء المغرب، ولا تغييرها بفعل الضغوط الدبلوماسية أو الحسابات السياسية والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.

يناقش مجلس الأمن الدولي خلال شهر أكتوبر تطورات قضية الصحراء الغربية، تمهيداً لاعتماد قرار جديد بشأنها وتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، التي تنتهي ولايتها الحالية في 31 أكتوبر 2026.

وفي خضم هذه المناقشات، لا بد من تذكير الأمم المتحدة، ولا سيما أعضاء مجلس الأمن، بحقيقة قضية الصحراء الغربية وطبيعتها القانونية والسياسية، فهي قبل كل شيء، قضية تصفية استعمار لم تُستكمل بعد، وتتعلق بحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.

فقضية الصحراء الغربية ليست مجرد نزاع إقليمي بين طرفين يتنافسان على السيادة، ولا خلافاً حدودياً يمكن حله بتسوية وسط ترضي هذا الطرف أو ذاك. بل إنها قضية إقليم لا يزال مدرجاً على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم التي تنتظر تصفية الاستعمار، وينتظر شعبه منذ عقود أن يُمكَّن من ممارسة حقه المشروع في تقرير مستقبله بحرية.

لقد شكّل الغزو العسكري المغربي للصحراء الغربية عام 1975، وما أعقبه من احتلال لأجزاء واسعة من الإقليم، انتهاكاً صارخاً للمبادئ الأساسية التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حظر استخدام القوة للاستيلاء على أراضي الغير. ومن شأن السماح للمغرب بتكريس احتلاله من خلال صيغة للحكم الذاتي تحظى بمباركة مجلس الأمن أن يشكّل سابقة خطيرة، مفادها أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة يمكن أن يتحول، بمرور الوقت وبفعل الضغوط السياسية، إلى أمر واقع يحظى بالاعتراف الدولي.

وقد حسمت محكمة العدل الدولية جانباً أساسياً من هذه المسألة في رأيها الاستشاري التاريخي الصادر في 16 أكتوبر 1975، عندما أكدت أن الأدلة المعروضة عليها لم تثبت وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمغرب أو موريتانيا من شأنها أن تؤثر في تطبيق مبدأ تقرير المصير. وهذه حقيقة قانونية لا يمكن تجاوزها بقرار يصوغه حلفاء المغرب، ولا تغييرها بفعل الضغوط الدبلوماسية أو الحسابات السياسية والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.

ولا يحق لأي دولة، مهما بلغت قوتها ونفوذها، ولا لأي هيئة دولية، أن تفرض على الشعب الصحراوي حلاً يتعارض مع إرادته وحقه في تقرير المصير. فالشعب الصحراوي هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مستقبل وطنه، ولم يتنازل يوماً عن هذا الحق، ولم يفوّض أحداً للتصرف فيه نيابة عنه.

ومن الضروري أيضاً التذكير بالشرعية التاريخية والسياسية للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (جبهة البوليساريو). فقد تأسست الجبهة عام 1973 لمقاومة الاستعمار الإسباني، قبل أن تجد نفسها في مواجهة الاحتلال المغربي. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مكانتها التمثيلية في قرارها رقم 34/37 الصادر في 21 نوفمبر 1979، الذي وصفها بأنها ممثل شعب الصحراء الغربية، ودعا إلى مشاركتها الكاملة في البحث عن حل سياسي عادل ودائم ونهائي للقضية. ثم أكدت الجمعية العامة هذا الموقف في قرارها رقم 35/19 الصادر في 11 نوفمبر 1980، الذي دعا المغرب وجبهة البوليساريو إلى الدخول في مفاوضات مباشرة للتوصل إلى تسوية نهائية للقضية.

كما كرّست منظمة الوحدة الأفريقية، التي أصبحت لاحقاً الاتحاد الأفريقي، مكانة الجبهة طرفاً أساسياً في عملية التسوية، ولا سيما في قرار قمة أديس أبابا رقم AHG/Res.104 (XIX)، الصادر في يونيو 1983، الذي دعا المغرب وجبهة البوليساريو إلى إجراء مفاوضات مباشرة تمهيداً لوقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء حر وعادل لتقرير مصير الشعب الصحراوي.

وهذه المكانة لم تُمنح للجبهة من باب المجاملة السياسية، بل اكتسبتها من خلال نضال طويل وتضحيات جسيمة، ومن التأييد الشعبي الواسع الذي حظيت به في أوساط الشعب الصحراوي. ولا يمكن شطب هذا التاريخ، أو إلغاء دورها التمثيلي، أو استبدالها بتنظيمات أنشأتها السلطات المغربية أو تدعمها لخدمة أجندتها الاستعمارية. وأي محاولة لتجاوز جبهة البوليساريو لن تقوّض فرص السلام فحسب، بل ستشكّل أيضاً تجاهلاً لنضال الشعب الصحراوي وإرادته وتضحياته على مدى أكثر من نصف قرن.

وعندما أنشأت الأمم المتحدة بعثتها للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) عام 1991، كان الهدف واضحاً: تنظيم استفتاء يتيح للشعب الصحراوي الاختيار بحرية بين الاستقلال والاندماج في المغرب. لكن هذا الوعد لا يزال، بعد أكثر من ثلاثة عقود، حبراً على ورق. وبدلاً من مطالبة الأمم المتحدة بالوفاء بالتزاماتها وتنفيذ ما تعهدت به، يجري اليوم الحديث عن التخلي عن الاستفتاء لصالح صيغة تكرّس الأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال.

أما ما يسمى بمقترح الحكم الذاتي المغربي، فلا يمكن اعتباره بديلاً حقيقياً عن ممارسة حق تقرير المصير، ولا حلاً عادلاً لقضية تصفية استعمار. فهو يقوم أساساً على افتراض أن السيادة على الصحراء الغربية تعود إلى المغرب، رغم أن الأمم المتحدة لم تعترف له بالسيادة على الإقليم. والأسوأ من ذلك أنه يطالب الشعب الصحراوي بالتخلي مسبقاً عن خيار الاستقلال، حتى قبل الدخول في أي مفاوضات بشأن مستقبله.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين مفاوضات تهدف إلى تمكين شعب من ممارسة حقه في تقرير المصير، ومفاوضات يكون هدفها دفعه إلى الاستسلام والقبول بسيادة الدولة التي تحتل أرضه. فالأولى تستند إلى القانون الدولي ومبادئ العدالة، أما الثانية فتسعى إلى الالتفاف عليهما، وتحويل الاحتلال إلى واقع دائم، ومطالبة الضحية بالتنازل عن حقوقها لصالح من انتهكها.

وعلى مجلس الأمن أن يتذكر أن مسؤوليته، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، لا تقتصر على صون السلم والأمن الدوليين، بل تشمل أيضاً العمل وفق مبادئ العدالة والقانون الدولي. ولا يجوز أن تتحول هذه المسؤولية إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على وضع نشأ نتيجة استخدام القوة، أو إلى غطاء سياسي لحرمان شعب من حقوقه الأساسية.

وإذا ما مضى مجلس الأمن في اعتماد قرار يجعل من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد والمحدد سلفاً، فإنه سيضع مصداقيته ومصداقية الأمم المتحدة على المحك، ويقوّض المبادئ التي تأسست عليها المنظمة. وسيبعث برسالة بالغة الخطورة إلى العالم، مفادها أن الاحتلال يمكن أن يُكافأ إذا طال أمده، وأن حقوق الشعوب المستعمَرة قابلة للمساومة، وأن الدول القوية تستطيع تقرير مصير الشعوب الصغيرة وفقاً لمصالحها، حتى لو تعارض ذلك مع القانون الدولي.

ولن تقتصر تداعيات هذه السابقة على الصحراء الغربية وحدها. ففي وقت يطالب فيه المجتمع الدولي باحترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، ويرفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، لا يمكن تبرير تطبيق معايير مختلفة على الصحراء الغربية لمجرد أن المصالح السياسية والاستراتيجية لبعض الدول تقتضي ذلك. فازدواجية المعايير لا تضر بالشعب الصحراوي وحده، بل تقوّض ثقة الشعوب في الأمم المتحدة وتضعف مكانة القانون الدولي.

إن محاولة فرض ما يسمى بالحكم الذاتي المغربي على الشعب الصحراوي، خلافاً لإرادته وحقه المشروع في تقرير المصير، لن تؤدي إلى حل القضية، بل ستزيدها تعقيداً، وتقوّض الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل عادل ودائم. فالحلول المفروضة لا تصنع السلام، ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار على حساب الحقوق المشروعة للشعوب.

بل إن مثل هذه الخطوة ستكون بمثابة صبّ الزيت على النار، وقد تؤدي إلى تأجيج التوترات وتعميق حالة عدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من تحديات سياسية وأمنية جسيمة. ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد والمواجهات، وربما اتساع رقعة الحرب، وهو ما لا يخدم مصالح أي طرف. فمزيد من النزاع والحروب ليس في مصلحة الشعبين الصحراوي والمغربي، ولا شعوب ودول المنطقة، ولا المجتمع الدولي بأسره. فالمنطقة بحاجة إلى السلام والتعاون والتنمية، لا إلى مزيد من الصراعات والمواجهات.

وعلى مجلس الأمن أن يدرك أن فرض حل لا يقبله الشعب الصحراوي لن ينهي النزاع، بل قد يطيل أمده ويجعل تسويته أكثر صعوبة. فأي قرار يسعى إلى تحديد الوضع النهائي للصحراء الغربية بمعزل عن الإرادة الحرة للشعب الصحراوي سيكون، من منظور حق تقرير المصير، فاقداً للشرعية ومناقضاً لجوهر هذا الحق. ومهما كانت الصياغات الدبلوماسية التي قد تُستخدم لتبريره، فإنه لن يستطيع أن يمنح الشرعية لحل يُفرض على أصحاب الأرض دون موافقتهم.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف يمكن تسريع المفاوضات، أو كيف يمكن إقناع الشعب الصحراوي بقبول صيغة سياسية معينة، بل ما إذا كانت الأمم المتحدة مستعدة للتمسك بمبادئها والوفاء بمسؤوليتها التاريخية تجاه شعب الصحراء الغربية، أم أنها ستختار مساراً يتعارض مع تلك المبادئ، ولو كان ذلك على حساب العدالة والشرعية الدولية.

لقد انتظر الشعب الصحراوي أكثر من نصف قرن، عانى خلالها من الاحتلال و الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتهجير واللجوء، وسمع وعوداً كثيرة لم يتحقق منها إلا القليل. وليس من العدل أن يُطلب منه اليوم تقديم المزيد من التنازلات، بينما يُعفى الطرف الذي يحتل أرضه من تحمل مسؤولياته والامتثال لمقتضيات الشرعية الدولية.

لقد آن الأوان لأن يتحمل مجلس الأمن مسؤولياته، وأن يعمل على استكمال تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، بدلاً من البحث عن صيغ سياسية تبرر استمرار الاحتلال أو تمنحه شرعية يفتقر إليها. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على إنكار حقوق الشعوب، كما أن مرور الزمن لا يمنح الاحتلال شرعية، ولا يسقط حق الشعوب في الحرية والاستقلال.

إن القضية، في جوهرها، ليست معقدة كما يحاول البعض تصويرها. إنها قضية شعب له وطن، وله هوية، وله حق ثابت في أن يقرر مستقبله بحرية، بعيداً عن الإكراه والضغوط والإملاءات الخارجية.

فمستقبل الصحراء الغربية يقرره الشعب الصحراوي وحده، لا المغرب ولا أي دولة أخرى، مهما بلغت قوتها أو نفوذها. وليس لأحد الحق في أن يصادر إرادته أو يقرر مصيره نيابة عنه.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top