الثورة التي ورثناها… وحقّنا في أن نجدّدها

الثورة التي ورثناها… وحقّنا في أن نجدّدها
Picture of احمد علين محمد سالم
احمد علين محمد سالم

أحمد علي محمد سالم، صحفي وكاتب ومدوّن صحراوي، يهتم بقضايا الثقافة والهوية والشباب. يسعى من خلال عمله الإعلامي والكتابي إلى تسليط الضوء على تحولات المجتمع الصحراوي، وإبراز قصصه وتجربته الإنسانية والثقافية.

عن الكاتب

❝

ماذا يعني هذا الانسحاب إن حدث؟ ما الذي سيتغير بعده؟ وما البدائل التي سنستند إليها؟ أفهم أن للعمل السياسي حساباته، وأن بعض التفاصيل لا تُقال في العلن. لكنني أرى أن من حق القاعدة الشعبية أن تفهم الاتجاه العام، وأن تسمع خطابًا يشرح لها حجم المرحلة ومسؤولياتها فيها. فالبيان الموجَّه إلى مجلس الأمن يؤدي وظيفة دبلوماسية، وتبقى هناك حاجة إلى حديث آخر موجَّه إلى الشعب الذي سيعيش نتائج هذه الخيارات.

أنتمي إلى جيل عرف الثورة في حكايات الآباء قبل أن يعرفها في تجربته الخاصة. جيل وُلد مع وقف إطلاق النار أو بعده، وفتح عينيه على حياة اللجوء، وعلى وطن حاضر في الكلام والوجدان، ومؤجَّل في مواعيد العودة. لم نعش البدايات الأولى بتفاصيلها، لكننا كبرنا على قصص الذين صنعوها؛ على تضحياتهم، وعلى قدرتهم على أن يبنوا، من القليل المتاح، معنى واسعًا للانتماء والعمل المشترك. وكانت تلك الحكايات تترك فينا، إلى جانب الاعتزاز، سؤالًا صامتًا عن دورنا نحن: ماذا سنضيف إلى ما ورثناه؟

اليوم، أكتب من داخل هذا السؤال، ومن داخل حالة من عدم اليقين أشعر بأنها تتسع حولنا. لا يتعلق الأمر، بالنسبة إليّ، بتراجع الإيمان بحقنا أو بمعنى الثورة التي حملتها جبهة البوليساريو، بقدر ما يتعلق بعالم يزداد استعدادًا لخذلان الشعوب المستضعفة، وبمسافة تتسع بين ما نبذله من تضحيات وما تتيحه لنا السياسة الدولية من أفق. ويتعلق أيضًا بحاجتنا إلى أن نفهم موقعنا في هذه المرحلة، وأن نعرف ما الذي يُطلب منا، وما الذي ينبغي أن نطلبه نحن ممن يقودون مسارنا.

جاءت رسالة جبهة البوليساريو إلى مجلس الأمن، في الثاني والعشرين من أكتوبر 2026، لتزيد هذه الأسئلة إلحاحًا. فقد رفضت الجبهة المسودة الأمريكية الأولية، وربطت احتمال انسحابها من عملية السلام برمتها باعتماد المسودة دون تغييرات جوهرية. نحن، إذن، أمام تلويح مشروط بخطوة كبيرة، تفتح أمام الناس أسئلة كبيرة أيضًا.

ماذا يعني هذا الانسحاب إن حدث؟ ما الذي سيتغير بعده؟ وما البدائل التي سنستند إليها؟ أفهم أن للعمل السياسي حساباته، وأن بعض التفاصيل لا تُقال في العلن. لكنني أرى أن من حق القاعدة الشعبية أن تفهم الاتجاه العام، وأن تسمع خطابًا يشرح لها حجم المرحلة ومسؤولياتها فيها. فالبيان الموجَّه إلى مجلس الأمن يؤدي وظيفة دبلوماسية، وتبقى هناك حاجة إلى حديث آخر موجَّه إلى الشعب الذي سيعيش نتائج هذه الخيارات.

كلما فكرت في ذلك، عدت بذاكرتي إلى الثالث عشر من نوفمبر 2020، وإلى الأيام التي رافقت انهيار وقف إطلاق النار وعودة المواجهات العسكرية بين المغرب وجبهة البوليساريو. كان ذلك منعطفًا أنهى مرحلة امتدت منذ عام 1991، وفتح واقعًا جديدًا ما زلنا نعيش تبعاته. لكن ما يشغلني هنا هو ما حدث في الناس؛ تلك الحركة التي شعرنا معها بأن شيئًا عميقًا قد استيقظ فينا.

في ذاكرتي، كان تدافع الشباب والمتطوعين أشبه باستجابة لنداء يعرفه الجميع، حتى قبل أن يُنطق. أقبلوا من جهات مختلفة، يحملون استعدادًا للدفاع عن الحرية والكرامة، ورغبة في أن يكون لكل واحد منهم موقع في الفعل. توزع هذا الاستعداد بين الالتحاق بجيش التحرير الشعبي الصحراوي والتطوع في التعليم والصحة وسائر مجالات الحياة. وبدا المخيم، في تلك اللحظة، خلية نحل؛ الأكتاف تتجاور، والأعمال الصغيرة تستعيد صلتها بالهدف الكبير.

لجيلنا، كانت تلك الهبّة اقترابًا حيًّا من البدايات التي سمعنا عنها طويلًا. شعرنا أننا نستطيع أن نفهم شيئًا من تجربة آبائنا، وأن نعيش معنى اجتماع الناس حول مهمة تتجاوز مصالحهم الفردية. صار للثورة وجه نراه في وجوه بعضنا، وصار بالإمكان أن نسأل عن مكاننا فيها ونحن نمدّ أيدينا للعمل.

ثم أخذ ذلك الزخم يتراجع.

هذه هي اللحظة التي تحتاج، في تقديري، إلى وقفة صادقة. كيف تراجعت تلك الروح؟ وماذا جرى للطاقات التي حضرت طوعًا؟ لا أقول إن الجميع غادر مواقع الالتزام، ولا أتجاهل الذين واصلوا العمل والتضحية. أتحدث عن وهج جماعي بدا قادرًا على إحداث تحول واسع، ثم خفت قبل أن نفهم كيف يمكن تحويله إلى مشاركة مستمرة. وقد ترك ذلك لدى كثيرين انطباعًا بأن التنظيم لم يستوعب الهبّة بما يكفي، من دون أن يجد هذا الانطباع تفسيرًا واضحًا يُناقَش على الملأ.

أتذكر، في هذا السياق، وجودي في مدرسة الشهيد عمي العسكرية، يوم السبت الذي تلا الثالث عشر من نوفمبر. أتذكر أحد القادة العسكريين وهو يتحدث بانفعال، ويدعو الشباب إلى العودة إلى أهلهم وإلى مواقع عملهم. كان يقول، بالمعنى الذي بقي في ذاكرتي، إن المعركة طويلة، وإن علينا الحفاظ على قوانا، وإننا لا نريد لهؤلاء الشباب أن يصبحوا أهدافًا سهلة في أول مواجهة.

ما زلت مقتنعًا بوجاهة الحرص الذي عبّرت عنه تلك الكلمات. فقد فهمت منها أن هناك تفكيرًا في طول المعركة، وفي ضرورة صون القوة البشرية، وتوزيع الأدوار، وعدم استنزاف ما نملكه دفعة واحدة. وأستطيع أن أقرأ ذلك بوصفه تعبيرًا عن صبر استراتيجي، وعن محاولة لموازنة العمل السياسي مع المواجهة العسكرية ضمن الإمكانات المتاحة.

غير أن اقتناعي بهذا المنطق لا يجيب عن كل ما جاء بعده. فعودة الشاب إلى خيمته أو إلى عمله يمكن أن تكون جزءًا من تنظيم المعركة الطويلة، إذا ظل يعرف دوره ويجد سبيلًا إلى أدائه. ومن هنا يبدأ سؤالي: كيف جرى وصل هؤلاء الشباب بمشروع مستمر؟ وأين أصبحت خبراتهم ومبادراتهم؟ وكيف حُفظ استعدادهم للعطاء من التآكل مع الوقت؟

وربما كانت هناك أسباب أخرى: حدود الإمكانات، أو ضعف أدوات الاستيعاب، أو مفاجأة حجم الاستجابة الشعبية لمؤسسات لم تكن مهيأة لها. هذه احتمالات تستحق الفحص، ولا أملك ما يسمح لي بحسمها. لكنني أعتقد أن من حقنا أن نعرف ما الذي حدث، وأن يُقيَّم التعامل مع تلك اللحظة بما يتيح التعلم منها. فالسكوت يترك لكل واحد تفسيره، ويجعل المسافة بين الناس والمؤسسات قابلة للاتساع.

ونحن نقترب من مرور ست سنوات على تلك العودة، يبدو لي أن السؤال أصبح أكثر إلحاحًا: ماذا بنينا بهذه السنوات؟ كيف تطورت أدواتنا؟ وأين نجحنا، وأين تعثرنا؟ إن طول المعركة يجعل المراجعة ضرورة متجددة؛ لأن ما نخشى استنزافه يشمل ثقة الناس أيضًا، وقدرتهم على الإحساس بأن جهدهم يجد مكانه ويترك أثره.

وفي الخارج، يتجدد شعوري بالخذلان كلما بدا أن القوى النافذة تتعامل مع مصيرنا بحسب مصالحها وتحالفاتها. وأقرأ الميل الأمريكي إلى دعم الموقف المغربي بوصفه امتدادًا لمنطق يمنح الأقوى قدرة أكبر على تحديد ما يُعرض على الأضعف باعتباره حلًّا. يؤلمني أن يصبح حقنا في الاختيار الحر موضوعًا للمساومة، وأن يُطلب منا التعامل مع تضييق هذا الحق كما لو كان تقدمًا نحونا.

لكن هذا الخذلان يضاعف، في نظري، مسؤوليتنا تجاه ما نستطيع تغييره في أنفسنا. ماذا سنفعل بقدرتنا على التنظيم، وعلى التفكير، وعلى إشراك الناس؟ وكيف سنمنع الانتظار من أن يصبح طريقتنا الوحيدة في التعامل مع المستقبل؟

مع اقتراب الاستحقاق الأممي في نهاية أكتوبر، أجدني أسأل عن سقف طموحنا. هل يكفي أن يخرج قرار نستطيع أن نجد في عباراته ما يطمئننا لعام آخر؟ أفهم قيمة المعركة الدبلوماسية، وأهمية الدفاع عن كل مساحة تحمي حقنا. لكن خمسة وثلاثين عامًا منذ وقف إطلاق النار تفرض علينا أن نسأل عن أثر هذا المسار في حياة الناس، وعن المسافة التي قطعناها نحو الغاية التي دخلناه من أجلها.

فالطفل الذي وُلد في المخيم وكبر فيه لا يقيس الزمن بعدد القرارات. يقيسه بعمره، وبعمر والديه، وبالفرص التي تمر، وبوعد العودة الذي ينتقل من جيل إلى جيل. ومن حقه أن يرى كيف يتحول الجهد السياسي إلى تقدم، وأن يفهم لماذا يتعثر، وكيف سنواجه هذا التعثر.

هنا أعود إلى الكلمات التي نرددها كثيرًا: الوحدة، والصمود، والالتزام، ورص الصفوف. أؤمن بهذه المعاني، وأرى فيها شروطًا لبقائنا، ولذلك أعتقد أنها تستحق نقاشًا صريحًا حول ما تعنيه في الممارسة.

على أي أساس نرص الصفوف؟ هل يجد صاحب الرأي المختلف مكانًا داخلها؟ وهل يستطيع من يرى خللًا في الأداء السياسي أو الدبلوماسي أو الإعلامي أو القضائي أن يتحدث عنه، وأن ينتظر جوابًا؟ وكيف يصبح الالتزام قوة واعية، يشارك صاحبها في التفكير ويعرف لماذا يسير، وإلى أين؟

أفهم الوحدة بوصفها قدرة على جمع اختلافاتنا حول حقنا المشترك، وعلى إدارة خلافاتنا بما يحفظ هذا الحق ويقوي قدرتنا على الدفاع عنه. وأفهم الالتزام باعتباره مسؤولية تتطلب رأيًا ومبادرة ومساءلة. فالشخص الذي ينبه إلى خلل، ويقترح إصلاحه، ويقبل أن يتحمل نصيبه من العمل، يضيف إلى قوة الجماعة. ومن حقه أن يُناقَش على أساس ما يقول.

لهذا أرى أن التحضير للمؤتمر ينبغي أن يبدأ من هذه الأسئلة. وأن تتسع مساحته لتقييم ما تحقق وما تعثر، وللاستماع إلى من عملوا، وإلى من حاولوا ولم يجدوا موقعًا، وإلى من يملكون أفكارًا بقيت خارج الأبواب. وأن يمتد هذا الاستماع إلى الصحراويين في المخيمات والمناطق المحتلة والجاليات، بحيث يستطيع المشاركون أن يروا أثر مساهماتهم في البرامج والقرارات.

وأتمنى أن يخرج هذا النقاش بأهداف مفهومة، ومسؤوليات محددة، وآليات تتيح متابعة التنفيذ ومراجعة النتائج. أن نعرف ما الذي ستفعله المؤسسات، وكيف ستستوعب الكفاءات، وكيف ستفتح المجال أمام الشباب، وكيف سيُعالَج التقصير. فتجديد الثورة يمر أيضًا بهذه التفاصيل اليومية التي تجعل الإنسان يشعر بأن مكانه محفوظ، وأن قدرته مطلوبة، وأن المسؤولية قابلة للمساءلة.

ولا أرى أن استعادة روح البدايات تقتضي تكرار ظروفها أو أدواتها. لقد تغير العالم، وتغير مجتمعنا، وتراكمت خبرات واحتياجات جديدة. وما أبحث عنه في تلك الروح هو قدرة الناس على المبادرة، وثقتهم بأنهم شركاء في مشروعهم، واستعداد المؤسسات لاستقبال طاقتهم وتحويلها إلى عمل. بذلك يمكن أن يصبح الوفاء للتجربة الأولى قدرة على مواصلتها وتجديدها.

أكتب هذه الأسئلة لأنني ما زلت أؤمن بالشعب الذي رأيته ينهض في نوفمبر، وبالاستعداد الذي عبّر عنه. وأؤمن أن ما نراه من تمسك بالهوية والحق، في المخيمات والمناطق المحتلة والجاليات، يحمل إمكانات أكبر مما نستطيع قياسه بعدد المناسبات والبيانات. إنها إمكانات تحتاج إلى إنصات جاد، وإلى ثقة متبادلة، وإلى أبواب تُفتح أمام الفكرة وصاحبها.

ولا أزعم أن لدي جوابًا مكتملًا عن الطريق. لديّ تجربة أتأملها، وقلق أحاول أن أفهمه، وإيمان بأن الأسئلة التي يحملها جيلي تستحق أن تجد مكانًا في النقاش الوطني. نريد أن نعرف ما الذي نستطيع فعله، وأن نشارك في تحديده، وأن نتحمل مسؤوليتنا فيه.

ورثنا من آبائنا ثورةً ومعنى للكرامة، ونريد أن نضيف إلى هذا الإرث ما يجعل المستقبل أقرب. أما الأطفال الذين يولدون اليوم في المخيمات، فيستحقون أن يجدوا أمامهم أكثر من حكاية جميلة عن البدايات، وأكثر من تفسير جديد لطول الانتظار. يستحقون أن يروا أثر ما تعلّمناه، وما أصلحناه، وما امتلكنا الشجاعة لتغييره.

ويبقى السؤال الذي أود أن نحمله معنا إلى كل نقاش مقبل: هل سنمنح هذا الشعب، الذي يحمل عبء القضية ويضمن استمرارها، المساحة التي يستحقها ليشارك في قيادة مصيره؟

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top