هذه أنا المعتقلة السابقة في سجون الاحتلال المغربي الهبلة لحبيب عبد الله المبارك

mesa de trabajo 1
Picture of لهبيلة اسودح
لهبيلة اسودح

كاتبة ومدونة صحراوية، وأستاذة للغة الإنجليزية، تعمل بوزارة الرعاية الاجتماعية. تهتم في كتاباتها بالقضايا المجتمعية، وتسعى إلى تقديم رؤى تسهم في فهم التحولات التي يشهدها المجتمع الصحراوي ومناقشة قضاياه المختلفة.

عن الكاتب

❝

أخذوني إلى حيث أمرهم، ووجدتُ هناك من العذاب ما لم يخطر لي أن بشرا يستطيع أن يمارسه على بشرٍ أبدا.! بدءًا بالركل في كل مكان من الجسم، البطن والرأس والظهر، مرورا بالصفع وشد الشعر والتفل على الوجه. ثم الصعق بالكهرباء في الثديين واليدين والأذنين مدة لا بأس بها، لأدلي بأقوال لا تمت للحقيقة بصلة ولست أعلمُ من أمرها شيئا. بعدها وُضِعتُ مستلقيةً شبه عارية على طاولة عرضها حوالي 20 سم وطولها متران تقريبا.

وهذه قصة اعتقالي وزوجي وكثير من أبناء الشعب الصحراوي الأبي، الذين قضوا أسوء أيام حياتهم داخل الزنازين وذاقوا من العذاب على أيدي جلاديهم صنوفا وألوانا.

بدأ يوم العاشر من يوليو سنة 1976 كأي يوم عادي في مدشر الربيب الذي يبعد عن مدينة السمارة نحو ثلاثة كيلومترات تقريبا.

 كنت وزوجي وجمعٌ من الأهل والصحب في بيت أحد الجيران نتناول الشاي إلى أن سُمِعت جلَبة تنطلق من منزلي.. 

صراخ أطفال وأصوات بالغين ترتفع،

وأخبرنا بعض الأشخاص أن سيارة جيب للدرك الملكي تقف عند باب منزلنا وأن أشخاصا كانوا على متنها قد دخلوا المنزل، فعدنا مسرعين  وإذا بسيارة (ويليس 710) تقف هناك.

اقتحم الثلاثة المنزل على من فيه بهمجية بالغة، وحطَّموا كل ما وقعت عليه أعينهم من أثاث متواضع.

ودخل الصغار في حالة من الرعب والهلع، بقيت آثارها النفسية والعصبية ترافق بعضهم إلى اليوم..

كان بالمنزل والدة زوجي الطاعنة [80 سنة] وبناتي اللواتي كُن معي [7سنوات، وسنتان] وبعض أفراد العائلة الآخرين. 

اقتيد زوجي بوزيد ولد ألمين لحظتها وسط صُراخ وعويل البنات وجدَّتهن.

وانقضى يومان لم نعرف عنهُ شيئا

لم تنعم الصغيرتان ولا جدّتهن بنومٍ في الأيام التي تلت ذلك.!

كانت الكوابيس تطاردهن أعجز عن تهدئة روعهن، ولم يعلمن أنهن على موعد مع أسوءها إطلاقا.

ذلك الذي حل في اليوم الثالث من اعتقال والدهن، أي يوم 12/7/1976.

فقد عادت السيارة نفسها، بها نفس الوجوه فأعادوا ما فعلوه سابقا من ترهيب لساكنة البيت بل ساكنة الحي جميعهم.

قرأ أحد أولئك الرجال ورقة بها بعض الأسماء النسائية، وكان اسمي من بينها واعتقلوني حينها..

نهرني أحدهم آمرا إيَّايَ بالصعود إلى السيارة وسط وابلٍ من الشتائم القذرة والنعوت القبيحة، ثم جذبني بقوّة من ذراعي حتى كاد يخلعه من الكتف.

تمسَّكتُ بطفلي الرضيع الذي كان عمره 11 يوما فقط، إذ لستُ أدري إلى أين سأمضي ولا لكم من الوقت؟

فانتزعه مني ورماه بمنتهى الوحشية حتى شعرت أن قلبي قد طار من بين أضلعي!!

لم تبرح صورته ذاكرتي وهو يُرمى بعيدا عني، لازمت رائحته أنفاسي،

ذلك الصغير الذي توفي بعد اعتقالي بأيامٍ قليلةٍ.

كما لم تزل صورة بناتي وهن يتجاذبن طرف ملحفتي ويصرخن باكياتٍ وذلك الحقير يدفعهن بقوّة ويرميهن بعيدا، تقض مضجعي.

……..

أخذوني من بيتي وتوقفت السيارة عند بيت صديقة عمري التي اعتُقل زوجها أيضا فيمن اعتُقِـل، في اليوم السابق ضمن تلك الحملة التعسفية العشوائية.

فأخذوها إلى جانبي بنفس الطريقة الوحشية وبقي أبناؤها وحيدين لا معيل ولا قريب، صراخهم على وقع اعتقالها يملأ الآذان ويدمي القلب.

انطلقت بنا السيارة إلى حدود المدينة حيث تمركزت قوات من مختلف الأصناف، وعصبوا أعيننا بخرقة سوداء تمنع الرؤية، ثم أُلحِقنا في مركز للدرك الملكي بعدد هائل من الرجال والنساء الصحراويين الذين ضجّ المكان بصراخهم المرعب وهم يعذّبون.

أخِذتُ كشأْن كل وافدٍ جديدٍ إلى مكان منعزلٍ وأُدخِلتُ غرفة مخصصة للتعذيب ونزعوا العصابة عن عيني.

فإذا بالكولونيل المدعو “عبد الحق لمدور” يقف أمامي مباشرة ويصرخ في وجهي بأعلى صوته: أأنتِ الهبلة لحبيب؟ 

أجبته باختصار: نعم

سألني وهو يستشيط غضبا: بوزيد زوجك؟

قلت: نعم

فرد بما معناه: أقسم أنك لن تريه بعد الآن!

بعدها مباشرة وجّه كلامه إلى زبانيته ومنهم الملازم الأول أدريس السبيع: 

خذوها إلى مكان التعذيب وأحسِنوا ضيافتها “اتهلاو فيها”

أخذوني إلى حيث أمرهم، ووجدتُ هناك من العذاب ما لم يخطر لي أن بشرا يستطيع أن يمارسه على بشرٍ أبدا.!

بدءًا بالركل في كل مكان من الجسم، البطن والرأس والظهر، مرورا بالصفع وشد الشعر والتفل على الوجه.

ثم الصعق بالكهرباء في الثديين واليدين والأذنين مدة لا بأس بها، لأدلي بأقوال لا تمت للحقيقة بصلة ولست أعلمُ من أمرها شيئا.

بعدها وُضِعتُ مستلقيةً شبه عارية على طاولة عرضها حوالي 20 سم وطولها متران تقريبا.

وقيِّدتُ إلى تلك الطاولة بحبالٍ من تحت الرقبة إلى أخمص القدم، ثم غطَّوا جسدي ورأسي بغطاءٍ نجسٍ رائحته نفّاذة جدا، وجعلوا يصبّون سوائل قذرة -أعتقد أن من بينها البول ولكريزيل- فوق رأسي مباشرة على أنفي وفمي حتى فقدت الوعي تماما..

أمضيتُ بهذا ليلة كاملة

استيقظتُ بعد ذلك وإذا برأسي يتدلى إلى الأسفل وقدماي معلقتان للأعلى، تخرج سوائل كثيرة من أنفي وفمي كدت أختنق بها ثم غبت عن الوعي مجددا.

استيقظت ثانية وجسدي يرتعش من الألم والبلل على وقع صفعات وركلات تتقاذفني.

فإذا بي في العراء والوقت ساعة من ليلٍ لا أدري أي ساعاته تحديدا، ولا أعلم متى أو كيف خرجتُ من تلك الغرفة ولا لماذا؟ وكانت نجوم السماء أول ما استقبل ناظري.

كنت عاريةً إلا من خِرْقة مبللة هي بقية ملحفتي!

يحيط بي بعض أولئك الرجال الذين لا أعرف ما الذي بيني وإياهم لألقى كل هذا العذاب على أيديهم!

حين تأكدوا أني استعدت وعيي، بدؤوا بجرّي نحو غرفةٍ مظلمةٍ،  وجدت هناك صديقتي المرحومة (لمية خطاري) و فور رؤيتها لي، رمت لحافا كان بحوزتها على جسدي تسترني به وسلّت من تحته تلك الخرق المبللة.

شعرت بدفء غريب بجوارها وهي تذكر الله باستمرار وإلحاح وتقرأ آياتٍ من القرآن.

 كنت كُلّما استفقتُ وجدتُها ولسانها ما يزال رطبا بذكر الله.. لم أكن أقوى على الكلام وقتها وأغيب عن الوعي من حينٍ لآخر. 

جمعتني لمدّة أربعة أشهرٍ كاملةٍ بها وبمجموعة كبيرة من الرجال والنساء، صنوفٌ من العذاب اليومي لا يعلم مدى فظاعتها إلا الله.

من بين اللواتي اعتُقِلن معي من الأخوات ممن لا زلت أذكر، السويلمة منت سيداحمد زوجة حماي وابنة عمي وبقي أبناؤنا -أنا وهي- عند جدتهم وجميعهم يومئذٍ صِبْيَةٌ صِغار.

والأخوات صفية منت محمد لمين وفاطمة منت لولاد وبابة منت محمد محمود واتفرّح منت الخليل وزينب منت بيد الله وعائشة منت لبصير ومريم منت الميلس وادويكة بنعيسى والغالية سيدي باب والزريكة عند الله، وغيرهن كثير.

ومن الرجال أيضا كان العدد يفوق المئة حسب معلوماتي.

كان الوضع بائسا إلى درجة مزرية، ننام ونصحو على فنونٍ من التعذيب الجسدي والنفسي وعلى الإهانات الخادشة والألفاظ الفاحشة.

خطر لنا وسط ذلك الجحيم أن نرفع شكوى إلى هؤلاء المجرمين  للتخفيف عن بعض النساء الحوامل، فقد كنَّ في حالة يرثى لها، فقبِلوا شكوانا ونُقِلنا على إثر ذلك إلى سجن مختلف هو مركز للجيش.

وأصبحنا في عهدة شخص يدعى إدريس الحرثي.. 

كانت معاملة هذا الأخير لنا أخف قليلا من سابقيه، فقد سلِمنا في كنفه من أيادي الجلادين من الدرك الملكي، وقضينا هناك ثلاثة أشهر.

ثم نقلنا إلى السجن في مدينة العيون.

أُدخِلنا هناك غرفًا ضيّقةً جدا بها عددٌ كبيرٌ من الأشخاص، حتى ليُصعب على الفرد الحركة بل والتنفس أحيانا..

الرائحة كانت كريهةً خانقة، وهذا طبيعي..

عدد كبير من الناس في مساحة ضيقة يتقاسمها معهم المرحاض وقاطنيه من القوارض والحشرات!

كان الغذاء عبارة عن بعض القطاني تسبح فيها أحيانا بقايا حشرات  يقدّم مع خبز يابس، نُحجِم عن أكله رغم الجوع في أحيانٍ كثيرة، لكننا نأكله أحيانا أخرى ضنًّا بالنفس من الهلاك.

ومع ذلك توفيت بعض الأخوات أغلبهن حواملٌ في ذلك الجحيم.

لا أبالغ لو قلت أننا في لحظة ما تمنينا -أو بعضنا على الأقل- أن نلحق بهن فقد استرحن من عناء هذه الحياة.

لقد أحاط بنا الموت جميعا وكاد  ينتشلنا في أحيانٍ كثيرة من ذلك المكان، لكنه كان انتقائيا.!

قضينا سنةً كاملةً في السجن بين مدينة السمارة والعيون ثم أُفرِج عنا إفراجا مشروطا.

غير أننا لم نتمتع بالحرية أبدا، فقد وجدنا ظروفا أشد قبحا منه ومن التعذيب.!

لقد علِمتُ فور خروجي أن طفلي الذي تركته رضيعا عمره 11 يوما فقط، توفي خلال أيامٍ قليلةٍ من اعتقالي.

وكنت قد علّقتُ عليه بعد الله آمالا كبيرة في حماية شقيقاته وإعالتهن، خاصة بعد اختفاء والدهن قسرا ثم اعتقالي الذي لم أعرف إلى كم سيطول.

حلمت منذ ولادته باليوم الذي يكبر فيخفف عني وعن شقيقاته عبء الحياة وآلامها.

وما كِدتُ أبكيه حتى وجدتني أقاسي ألما آخر..

إنها ابنتي، صغيرتي التي أصيبت بانهيار عصبي إثر اعتقالنا أنا ووالدها ثم وفاة شقيقها الصغير .. 

لم يستطع عقلها الفتي استيعاب ذلك الكم الهائل من الصدمات ففقدت الكثير من قدرتها العقلية ورافقتها أمراض مزمنة بعضها جسدي وبعضها نفسي وعصبي حتى هذه اللحظة.

أما الحالة التي وجدتُ فيها والدة زوجي (عيشة النانة منت لمديلبح) تلك السيدة الطاعنة التي حاصرها الدهر فجأة ودون سابق إنذار بنكبات لم تكن في حسبانها.

فإذا بها تشهد تشتت بيتها واختفاء عدد من أفراده وإذا بها تُعيل أحد عشر فردا أغلبهم أطفالٌ سُجِن آباؤهم، وهي نفسها تحتاج إلى من يقوم على شؤونها.

فلا إله إلا الله وإنه لحسبنا ونعم الوكيل.

أخبرتني وقد ضعفت بعض حواسّها بشكل ملحوظ، حين سألتها كيف تدبروا أمرهم خلال تلك المدة؟

أنها كانت تأمر الأطفال بجمع بعض الحطب فتطهو لهم ما تجد، وأنه كانت تأتي عليهم أيامٌ لا يجدون فيها ما يطبخون! 

لم يُبقِ لنا أولئك الفجرة شيئا في يومهم المشؤوم ذاك والأيام التي تلته.

نهبوا ما في البيت وحطّموا ما زاد عن حاجتهم. 

لكَم تمنيتُ أن يكون كل ذلك مجرد كابوس مزعج أستيقظ منه وأعود إلى سالف حياتي.!

لكن هيهات

إنه واقعٌ مزرٍ لم يزرني في أكثر كوابيسي رُعبا.

هذا عدا أننا خرجنا من السجن ولم يخرجِ السجن منا..

بل ظل يلاحقنا في أكثر لحظات حياتنا خصوصية.

ولم تنتهِ علاقتنا بالجلاد عند عتبة باب المعتقل، فقد كانت حريتُنا مشروطةً وُضِع لها منذ اليوم الأول ثمن باهظ من الكرامة.

وفُرِضت علينا إقامةً جبرية لا نبرح المدشر قيد أنملةٍ إلا برخصة موقعة منهم.

كان لِزاما علينا الحضور إلى المقر ثلاث مرات في اليوم.

من الساعة السابعة حتى التاسعة صباحا، ثم نعود بعدها على الساعة الثانية عشرة من منتصف النهار حتى الواحدة والنصف أو الثانية زوالا.

وأخيرا على الساعة السادسة مساءً حتى الثامنة تقريبا.

نظل قابعين هناك جميعا حتى تنقضي المدة فنوَّقِعَ ونبصِم ثم ننصرف.

ولم يكن يُسمح لأيٍّ منا بالمبيت خارج المدشر -في المدينة مثلا- حتى لو اضطُرّ.

واختصرت حواراتهم معنا على التهديد والترهيب والإهانة اللفظية والجسدية أحيانا، حتى بعد ما يُفترض أنه “إطلاقٌ لسراحنا”

قضينا في هذا السجن الأكبر سنة أخرى أو يزيد قليلا.

أما الرجال فأغلبهم غيِّب في جحيم من العذاب وأصبح مصيره مجهولا إلى يومنا.

كانت آخر مرة رأيت فيها زوجي حين دخلت السجن بالسمارة، يوم كان ومجموعةً كبيرةَ من الرجال مقيّدين عُراة تحت أشعة الشمس الحارقة في ساحة السجن معصوبةٌ أعينُهُم وآثار التعذيب بادية على أجسادهم.

سمِعت بعد ذلك حين نُقِلتُ إلى السجن بالعيون، أنه وتلك المجموعة نُقـلوا إلى سجن في مدينة الرباط ومدن مغربية أخرى.. لا أعلم صحة ذلك، لقد كانت تلك كانت آخر مرة رأيته فيها.

……….

فصل جديد من الآلام والمعاناة بدأ عندما حاولتُ أن أعود إلى سابق عهدي وأمارس أمومتي من جديد.

وجدتني فجأة أصبحتُ الأم والأب معا لصغيراتٍ فقدتْ إحداهن قدرتها على العناية بنفسها وتتهدد الأخرى الكوابيس والاضطرابات والآلام النفسية.. 

وأما الثالثة فقد فرقتنا الحدود قبل اعتقالي، ولم ألتقِ بها إلا بعد عقودٍ من الزمن حين فتحت الزيارات بين الضفتين.. 

سألْنني مرارا أين كنت؟ ولماذا لم آتي لاصطحابهن معي؟

وسألنني أكثر عن والدهن،

لم تكن أسئلتهن عنه تنتهي، وكان ذلك يمزقني خاصة حين تواري والدته وجهها باكية منتحبة كلما ذُكِر اسمُه!

لم يُبقِ السجن من صحتي البدنية ولا النفسية الشيء الكثير.. 

فثمّة فصول كثيرة من المعاناة لم أتطرّق لها هنا.

لكن لا وقت للانهيار، أفواه جائعة تنتظر من يطعمها، وطفلة مريضة بحاجة للكثير من الأدوية النادرة الباهظة، وسيدة طاعنة تحتاج رعاية خاصة، تقع مسؤولية كل ذلك على عاتق فضلةٍ من إنسان لا يكاد يتعرَّف على نفسه مما يقاسي من الآلام التي ليس يجد من يواسيه فيها إلا الله.

بدأتُ البحث عن عمل أتكسّب به لتحصيل أساسيات الحياة من غذاء ودواء.. وأحاول في الوقت نفسه و باستمرار البحث عن والد بناتي.

لكن لم يجدِ بحثي.. لا خبر أبدا، مجرد شائعات من هنا وهناك.

تقاسمتُ هذه المأساة مع نساء كثيرات، منهن ادويكة بن عيسى التي دخلت السجن حاملا فمات جنينها في بطنها وماتت ابنتها الرضيعة التي تركتها خارجه، نتيجة المرض والإهمال وانعدام من يقوم برعايتها.

واخويتة منت حمّد تركت أيضا ابنتها الصغيرة ووجدتها هي الأخرى في عِداد الموتى.

الغالية منت سيدي باب، ومنة منت محمد أحمد ولد لعروسي وأخريات، جميع هؤلاء النسوة توفي أبناؤهن بعد دخولهن السجن.

يقال إن المصيبة إذا عمّت خفت، لكننا لم نشعر بها إلا تتفاقم وتتضخم يوما بعد يوم.

دفعتنا هذه المعاناة التي لا أكاد أحصيها في هذه السطور، إلى البحث المستمر عن  أزواجنا والسؤال عن مصيرهم كلنا معا.. 

أردنا أن نفتح أبواب الأمل أمام أسئلة أبنائنا المستمرة، أو نغلقها في وجوههم ووجوهنا إلى الأبد.

……….

هذه المأساة لا تنقضي، وتذكرها يضرم في القلب نيران القهر والعجز. لكن أسوء ما في الأمر برمّته، أن من تسببوا فيها قُلِّدوا أعلى المناصب!

كوفِئوا على سحقنا وجعلنا ننسى كيف نحيا ونحن لم نمت بعد! 

لقد ترقّوا على أشلائنا وعَلَوا على سُلّمٍ من عظامنا، ونبتت لحوم أبدانهم من جثث أطفالنا الصِّغار وآبائنا.

لا.. لستُ  أحاول جعل الأمر مأساويا.

أنا لم أوفِهِ حقّه في الحقيقة!

فهل هناك أسوء من هذا؟

نعم ..كثير جدا، قد يُروى يوما ما..!

سأُحمَل إلى قبري وما نسيت من ذلك شيئا.

سأدفنُ وما نسيتُ يوم دمّروا الكثير من بيوتنا المتواضعة التي بنيناها بالعرق والدموع في (مدشر الربيب).

سحقوها على رؤوس ساكنيها وفرّ من بقي حيَّا إلى المدينة لا يعرف إلى من سيلجأُ؟

كنّا في حالة يرثى لها من سوء التغذية نتيجة الحصار والمنع الممنهج من أبسط حاجيات الحياة في تلك القرية الصغيرة.

ثم جاء التشريد ليكمل مأساة من بقي كي يدفع ثمن بقاءه حيا، حدث ذلك سنة 1979.

المفارقة المضحكة تكمن في أن هؤلاء كانوا جميعهم يُلقّبون بالحاج!!!

(ادريس السبيع، عبد الحق لمدوّر، العيساوي، خديمي، الطيب، العم) وغيرهم.

نعم ..أنا أيضا أعتقد أنهم كانوا حُجاجا جميعهم، لكن إلى النار.

يسكن في كل واحد منهم الحجاج بن يوسف الثقفي، خلا أني لم أسمع أن الحجاج كان نذلا جبانا!

……

مرّت سنوات طويلة من البحث عن  رجالنا مجهولي المصير، ولم يظهر بعدُ خيط يدلنا من أين نبدأ؟ ولا إلى أين يجب أن نتَّجه في هذا البحث المضني الذي نعلم يقينا أنه لن يقود سوى إلى رُفاتِهم الآن.

لكنه هدفٌ وضعناه نصب أعيننا وسنورثه أبناءنا من بعدنا..

لن نستسلم حتى نعلم متى قضى من قضى منهم؟ وكيف؟ وأين؟ ونستلم رفاتهم مع شهادات تثبت هوية كل واحد منهم ونقيم لهم جنائز تليق بهم.

ثم يُحاسب الجناة على ما اقترفوا في حقنا من ويلاتٍ لا يمحوها الزّمن.

كتب بتاريخ:

05/03/2005

مُبارَك الهبلة

صاغت هذه الشهادة: الهبلة محمد صالح (لهبيلة اسودح )

26/1

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top