وصلت إلى الغرفة وأنا أشعر أنني حملت معي ركامًا من الألم والإرهاق. لم أستطع التقدم أكثر، فألقيت بنفسي مباشرة على السرير. لحسن الحظ، لم تكن هناك أعمال أو فروض مؤجلة تنتظرني.
كان بإمكاني أن أنتظر السلم الكهربائي، لكننا لم نعد نحسن الانتظار. صرنا مستعدين دائمًا لدفع ثمن الوصول السريع، مهما كان الثمن. اكتشفت أن الاختصار له ثمنه أيضًا، وأن الوصول إلى ما نريد ليس دائمًا بالسهولة التي توهمنا بها حياتنا المعاصرة؛ بل إن المشقة تزداد كلما ارتفعنا إلى الأعلى.
أقنعتنا التكنولوجيا بأن كل شيء ينبغي أن يحدث بسرعة، وأن الانتظار عيب، والمشقة تأخر، وأن الطريق الأقصر هو الطريق الأفضل. حتى صرنا نبحث عن السرعة قبل أن نسأل أنفسنا إن كنا نحتاجها أصلًا. وشيئًا فشيئًا، بدأنا نفقد ثقتنا في إمكاناتنا الجسدية والعقلية، وأسلمنا للتكنولوجيا زمام أمورنا، فأصبحنا نحن الدابة، وهي التي تمسك الرسن بيدها.
افتقدنا لذة الانتظار، ولذة الأشياء التي تأتي بعد عناء، حتى صار الوصول نفسه أقل متعة من اختصاره.
شعرت بامتنان بالغ وأنا أتذكر الجامعة وتلك الزاوية التي منحتني فرصة تأدية صلاتي في وقتها. وجدت في زاوية مكشوفة مكانًا للصلاة، فافترشت الأرض وأديت صلاتي أمام أناس من أديان وطوائف مختلفة. لم يبدُ أن الأمر خرج عن المألوف بالنسبة إليهم، أو على الأقل لم أشعر بنظرات تستوقفني أو فضول يلاحقني. كان مشهدًا بسيطًا، لكنه جعلني أفكر في عالم يكثر فيه الحديث عن الحرية والانفتاح، ثم يضع لهما قواعد وحدودًا وتصورات مسبقة، حتى تصبح الحرية نفسها مقيدة بما نراه نحن مقبولًا، وتصبح مساحة الآخر مشروطة بقدرتنا على احتماله.
ذكّرتني تلك الزاوية بمصليات عفوية، وربما عشوائية، تمتد على طول الطرق بين التجمعات السكانية في مخيماتنا. وهي أماكن لا تقتصر دلالتها على وظيفتها المباشرة؛ فالمصلى، حتى في هيكله البسيط، يذكّرك بالله، وربما ينتشلك من حالات الشرود في الهموم. وكم من ذكريات وعواطف تجيشها حجارتها الصماء.
المصلى يعيد إلى المكان شيئًا من هويته وتعريفه، كأنه علامة تقول إن للحياة موعدًا آخر غير ما تراه العين. وهو أيضًا منبّه طبيعي لأوقات الصلاة؛ ذلك الزمن المقدس في حياتنا، الذي لا نساوم عليه.
والمفارقة أننا، نحن المسلمين، قد نعادي العالم كله لأنه يقول بفصل الدين عن السياسة وقصره على الحياة الخاصة، بينما نصر نحن على وصله بالسياسة و طمس حضوره في تفاصيل الحياة.
لكن ماذا لو كان هذا الحرص على الوقت حاضرًا في جميع أوقاتنا: في العمل، وفي الحياة، وفي العلاقات؟ ما الضير في أن يكون لنا التزام تجاه الحياة الدنيا، التي فيها معاشنا، مثل التزامنا بالحياة الآخرة التي إليها معادنا؟ وما الذي يمنعنا من أن نتعامل مع الوقت باعتباره أمانة في الحالتين؟
في الغالب، لا نحتاج إلى منبّه يوقظنا للصلاة؛ لأننا اعتدنا أن نضع لها موعدًا لا نتجاوزه. لكننا نؤجل العمل، ونؤجل القراءة، ونؤجل الكلام، ونؤجل أشياء نعرف في أعماقنا أنها تستحق أن تُنجز الآن، ثم نكتشف في النهاية أننا أمضينا أعمارنا نؤجل الحياة نفسها.
انهمر وابل من التنبيهات على هاتفي، فقطع ذلك التداعي، وأعلن عودتنا إلى عالمنا الحديث، بعد أن استعدنا، ولو لساعات من يوم ، حياتنا بعيدًا عن الهواتف.
لم يحدث شيء استثنائي بغيابنا. الحياة تدور في مسارها المعتاد؛ الأسواق في نشاطها، الأسعار في ارتفاعها، السلع في تداولها، وبورصة الحياة مستمرة في تسجيل أرباحها وخسائرها دون أن تنتظر أحدًا.
كانت رسائل كثيرة لا تحكى في معظمها شيئًا ذا أهمية: تعليقات على حالة نشرتها، ورسائل تجارية تجاوزتها سريعًا، وحالات شاهدتها واحدة بعد أخرى. تلك النافذة التي فتحناها بإرداتنا لاقحام الآخرين في حياتنا، و ربما لا ننتبه إلى أننا سمحنا بذلك أصلًا.
على مدار الساعة، نطالع يوميات الآخرين من الاستيقاظ إلى النوم: ماذا أكلوا، ماذا شربوا، من سافر و من عاد، من زار و من قطع، من وصل و من غادر، ولادة، مرض، وفاة، خطوبة، زواج، طلاق… قصص نعرف أحداثها، لكننا لا نعرف شخوصها.
حين تبتعد قليلًا عن هذه الوسائط، تكتشف أن العالم مستغنٍ عنك تمامًا، وبإمكانك أنت أيضًا أن تكون مستغنيًا عنه. فالغياب، مثل المرض، مصفاة ضيقة العيون،لكنها قادرة على تنقية العالم من حولك إذا أردت ذلك. وربما تكتشف أشياء كثيرة لم تكن لتراها وأنت ملتصقًا بالشاشة.
الحياة الطبيعية لا تنتظرك طويلًا، ولا تستطيع استرجاع ما فاتك منها. أما الحياة على الإنترنت، فيمكنك العودة إليها متى شئت، واستدراك ما فاتك في أي وقت. وربما لهذا يكون تعلقنا بها أشد؛ لأنها تمنحنا وهم إمكانية الاستدراك دائمًا، بينما الحياة الحقيقية لا تمنحنا هذه الرفاهية.
رددت بما استطعت من صور متحركة و رموز تعبيرية على الرسائل؛ لم يكن هناك وقت للحديث أو الكتابة. كان الفراغ ينتظرني، واللاشيء يطلبني. لكنني لم أكن لأفوت رسالة صغيرتي: «سوسو، صوري لإفريقيا».
كنت أفاضل بين ما لديّ من مادة فيلمية.
الفيديو الأول، ومدته ثماني دقائق، نخرج فيه من قاعة إدريس ديبي، وشعور من الرضا والغبطة يملأ الجميع. انتهى اليوم على أفضل صورة. نتقدم صوب الحافلة بخطوات متمهلة ومتأنية، لكن على الوجوه شيء آخر؛ حسرة، أو توجع، أو ربما سؤال لم يجد طريقه إلى الكلام.
في القاعة كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف وجه، لكننا كنا نرى ثلاثة وجوه فقط. مهما حاولنا التخفّي، ومهما حاولنا الهروب منها، كنا نراها أينما التفتنا في ذلك البحر من الوجوه. وببساطة، لم نكن نراها بالعين، بل بالوجدان، بالقلب.
كانت وجهي، ووجه أخي، ووجه الوطن؛ انعكاس وجهي في مرآة الحياة.
كم حاولنا تجنب النظر إلى بعضنا، لكن العيون أبت الانصياع. وكم حاولنا تجنب اللقاء؛ هم تهربوا خجلًا، ونحن تهربنا احترامًا. كل طرف كان يبحث عن حائط أو زاوية تحجبه عن الآخر، وكأن اللقاء في حد ذاته صار فعلًا يحتاج إلى شجاعة.
كان يمكن أن يكون لقاءً مختلفًا بين القادمين من خارج الوطن، والقادمين منه. نحن لم نولد فيه، لكن زرع فينا حبه . هم وُلدوا فيه، ويحاول البعض أن يزرع فيهم بغضه.
كان يمكن أن يحكوا لنا هم عن وطن حملناه معنا ولم نحتج إلى أن نراه كي نعرفه، وعن أرض رأوها هم ولم نرها إلا في الخيال والخرائط والحكايات.
بدأ المشهد كأن كل طرف غاضب من الآخر، لكن الغضب لم يستطع أن يخفي ما هو أعمق منه. رأيت في العيون شيئًا مفضوحًا؛ شوقًا عاجزًا عن الاختباء، وروابط الدم والأرض و التاريخ و الثقافة مكشوفة
اكتفى كل فريق بعتابً صامتً
فريق يقول للآخر: لم أعانقك لأنني أخشى عليك ممن حولك، وأخشى ألا تفهم.
والآخر يقول له : وأنا أخشى على نفسي أيضًا، فلا تظن أنني سعيد أو مرتاح.
تجاوزت الفيديو إلى آخر طويل جدًا، اضطررت إلى تقطيع أوصاله حتى يصبح ملائمًا للإرسال.
في المقطع الأول رتل من الدراجات النارية، وهي وسيلة النقل الأكثر شهرة كما يبدو، و ذاتها سيارات الأجرة هنا. قلت لها: «انظري إليهم، يرتدون ملابس صفراء موحدة، وعلى ظهر كل قميص رقم تسلسلي. والسائق يضع خوذة على رأسه، كأنها حزام الأمان في السيارة، ويبدو أن أمامه خوذة أخرى، ربما للراكب. انظري كم هم كثيرون، ومع ذلك منظمون جدًا. هم الآن أمام إشارة المرور… توقفوا».
وفي المقطع الثاني: «انظري كيف تركب النساء خلف الرجال. هناك مسافة واضحة بين السائق والزبونة. انظري إلى هذه؛ وضعت متاعها بينها وبين السائق، وانظري إلى هذه؛ تجلس دون حاجز بينها وبين السائق، تتمسك بالكرسي أسفلها، وقد وضعت خوذة. تبدو مطمئنة تمامًا إلى المسافة بينهما، وإلى المسافة في عقل الرجل الذي يجلس أمامها، بين إنسانيته وحيوانيته».
ثم جاء المقطع الثالث: «انظري إلى ملابس النساء هنا… لا تعليق. ومع ذلك هن في أمان من التحرش، بالنظر على الأقل؛ لا أحد يتعقبهن بعينيه. انظري، هن أيضًا يملكن دراجات نارية، لكنهن لا يبدون وكأنهن يعملن سائقات أجرة».
ثم جاء صوت المؤذن، ليضع حدًا مؤقتًا لهدر الوقت. لله الحمد، ما زالت الصلاة وأقرانها من الفروض الدينية أكثر سلطة علينا من الهواتف، وما زال هناك ما يستطيع أن ينتزعنا من شاشاتنا، ولو لدقائق.
كان قلب أحمر واحد وكبير، ينبض بطريقة كاريكاتورية، ردها على الفيديوهات. لكنني لم أعرف تحديدًا ما الذي أعجبها: الفيديوهات، أم الدراجات، أم استجابتي لطلبها، أم الشرح الذي رافقها.
كنت أريد أن أعرف تحديدًا ما الذي مال برضاها، لكنني قلت لنفسي إن الصورة ربما تكون كافية. ثم عدت لأفكر في أن الصورة، مهما كانت بليغة، لن تكون أبلغ من القول دائمًا. مهما نقلت وشرحت، فلن تضاهي علامات الحضور؛ وحتى أقل جملة ابتدائية يقولها طفل صغير قد تكون أشد وقعًا وأقرب قبولًا في النفس من رمز أو صورة.
لن تنقص أهمية الكلام مهما حاولت التكنولوجيا اختزاله في رسوم وأشكال. ولن تؤدي الرموز معاني صاحبها كاملة، ولن تشفي غليلنا في معرفة مقاصد مرسلها؛ فالإنسان ليس فكرة يمكن اختصارها في إشارة، ولا شعورًا يمكن احتجازه داخل وجه مبتسم أو قلب أحمر .
هممت بإغلاق الشرفة. أعتقد أن عاملة النظافة لديها مشكلة مع الأبواب المغلقة؛ فهي تترك دائمًا كل منافذ الغرفة مشرعة. يبدو أن لهذا البلد ميلًا فطريًا إلى التحرر من الأقفال والقواعد.
وفي تلك الأثناء، شاهدت نجومًا صغيرة تتلألأ بين الغيوم. كان مشهدًا مألوفًا عندي، ولم يكن فيه ما يغري بالمتابعة. فالنجوم هي النجوم، وتموضعها لا يختلف كثيرًا عما اعتدنا عليه في المكان الذي جئنا منه. بل إن المشهد، إذا قارنته بتلك اللوحات التي تعرضها سماء مخيماتنا كل ليلة، يبدو أقل إغراءً بكثير.
ومع ذلك صورته بهاتفي.
هكذا نفعل الآن. لا نثق كثيرًا في وعينا وقدرته لاحقًا على استدعاء الصور بكل تفاصيلها، ولا نثق في مقدرتنا اللغوية على تبيان جميع معانيها. قيل لنا إننا نعيش عصر الصورة، وربما كنا قد غادرنا عصرنا منذ زمن من دون أن نشعر.
نصور أنفسنا في جميع حالاتنا المزاجية، ونصور المكان بكل تفاصيله، والطعام الذي نأكله، والملابس التي نرتديها، والأشخاص الذين نلتقيهم. ونادرًا ما نستعمل تلك الصور لأغراض خاصة؛ نحن نوفر مادة إعلامية مجانية للآخرين: أين نحن؟ ماذا نرتدي؟ أين سافرنا؟ ماذا أكلنا؟ ومن قابلنا؟
نتجاوز بذلك القاعدة النبوية الثمينة: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».
عطّلنا، عن قصد، المهمة التي كان يفترض أن يؤديها الهاتف. كان حارس أسرارنا، فإذا به يصبح خزانة أسرارنا المشرعة أمام الجميع.
ولعل الأمر، في حقيقته، ليس إلا هوسًا بالصورة. وحين لا نجد في أنفسنا الوقت ولا الكيفية التي نلتقط بها صورنا، نلقي ذلك العبء على ما حولنا من أشياء. نسرق من الأشياء سكينتها وراحتها بالصور والوضعيات، ونحمّلها شيئًا من تفاخرنا، وشيئًا من منّنا بما استطعنا إليه سبيلًا.
وقد لا نكتفي بانتهاك خصوصيتها، بل نستدعي الآخرين عمدًا إلى ذلك الانتهاك. وفي المقابل، لا نتوقف عن الحديث عن الخصوصية، وعن رغبتنا في العزلة.
لا أدري لماذا لدينا دائمًا هذا الميل إلى فعل الشيء ورفضه في الوقت نفسه؛ نريده لأنفسنا ونمنعه عن غيرنا، نضع معايير لأنفسنا ثم تصبح تلك المعايير لاغية عندما نكون نحن مصدر الفعل.
وما الفرق بين نجمة هنا ونجمة هناك؟ ولماذا أزعجني وجود مساحة خاوية في هاتفي؟ ولماذا عليّ أن أملأ كل شيء؟
شعرت بحاجة ملحّة إلى الماء. كان طعم العطش في فمي.
على الطاولة كانت هناك مذكرة تحمل العلم الوطني. قفزت إلى ذهني صورة رأيتها على الجدار ذاته مساءً، ثم مشهد الفتاة القادمة من الأرض المحتلة وهي تمشي بمعية من تعتقد أنهم شركاء وأهل. حضرت في ذهني عبارة «النوم مع العدو» من فيلم جوليا روبرتس.
سألت نفسي: هل تأمن لهم حقًا؟ كيف أقنعوها بالخوف من أهلها؟ وكيف يطمئن الإنسان إلى غده إذا صار يخاف من أخيه؟
قد نغضب من إخوتنا، وقد نختلف معهم، وقد نختلف مع أفكارهم ،لكن لا خلاف على الوطن .
يا فتاتي، أنت صغيرة وشابة، وقد يغيب عنك الكثير. لكن كيف غاب عن أهلك أن يحكوا لك أصل الحكاية.
رأيت في عينيك، وفي استراقك النظر، شوق الفرع إلى أصله، وشوق المحب إلى دياره وأهله. ثم رأيت في هروبك وتجنبك طريقنا خجلًا مواربًا من نفسك.
الخطر كل الخطر ليس في احتلال الجغرافيا؛ فالجغرافيا لها سلاح لاسترجاعها. لكن احتلال النفوس وتفريغها من انتمائها أشد وطأة؛ لأن الأرض حين تحتلها قوة خارجية تظل أرضًا تعرف أصحابها، أما حين يُحتل الإنسان من الداخل، حين يُقنع بأنه غريب عن نفسه وأهله وأرضه، يصبح استرداد الجغرافيا وحدها غير كافٍ.
لم يكن يومي سهلًا، ليس بسبب التعب وحده، بل بسبب حزني وغضبي عليك.
فأقسى ما يمكن أن يفعله عدو بوطن أن يجعله يخاصم أبناءه بعضهم بعضًا، وألا يكتفي بأن يحمّلهم مشاعر الكره والأسى منه، بل يقحم ذوي القربى في خصومته.
ولعمري، ما أشد فتنة ذوي القربى.
جاء أول زائر بشري لغرفتي لينتشلني من حالة التأسي والقهر. وفي بهو الفندق، بينما كنت أنتظر دوري للحصول على بطاقة شريحة هاتف محلية، أخذت أراقب المشهد واختزلته في صورتين.
الأولى: كان الوقت يقترب مما نسميه نحن وقتًا متأخرًا، ومع ذلك لم ألحظ على موظفي شركة الاتصالات تذمرًا، ولم أر في وجوههم غضاضة من العمل خارج أوقات الدوام. قلت في نفسي إن الموظف هنا جندي مدني أيضًا؛ في أتم الاستعداد لكل طارئ، يحمل من الاحترافية المهنية والسلام النفسي ما قد يكون مستفزًا أحيانًا.
والثانية: ملاحظة عامة رافقتني منذ يومي الأول. كل من قابلتهم تقريبًا في الشارع، وفي سوق العمل تحديدًا، بدءًا من المطار، مرورًا بالجامعة والفندق وغيرهما من المرافق العامة والخاصة، كانوا شبابًا.
الشباب موجودون في كل شيء، في كل القطاعات، وفي كل مكان. إلى جانب الأطفال، يبدو أنهم سكان البلد الأكثر حضورًا في تفاصيل الحياة. ولا يبدو الشباب هنا فائضًا اجتماعيًا، ولا جيلًا مؤجلًا إلى حين؛ إنهم في قلب الحياة نفسها: في الشارع، في العمل، في النقل، في الخدمات، وفي كل ما يجعل المدينة تتحرك.
وهنا عادت إليّ مقارنة أخرى.
في موطننا، لا يجد الشباب مكانًا لهم في الحياة؛ يصير حضورهم مقتصرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى ذلك الفضاء يضيق بهم، ينافسون فيه الكبار ويزاحمونهم. أما هنا، فالشاب في الشارع، يعمل، ويتحرك، ويحمل المدينة على كتفيه دون أن يبدو أنه يفعل شيئًا استثنائيًا.
وربما لهذا تبدو كوتونو حية.
الجامعة تنبض حتى بعد انتهاء دوامها، والشوارع لا تعرف نهاية الدوام أصلًا. للحياة دوام آخر، دوام لا تحدده الجداول ولا الساعات.
وربما هذه هي متعة الحياة نفسها؛ أن لا تعرف السكون، وأن تظل متجددة، وألا تحفل بتأخرك عنها، ولا تنتظرك طويلًا.
إنها كوتونو… حيث للقصة دائمًا بقية.




