الصحراوي الذي يقتسم العالم مع المتنبي ..

images443 771 1
Picture of غياث علي
غياث علي

كاتب ومدون من الصحراء الغربية. يهتم بقضايا الفكز والهوية.

عن الكاتب

❝

محمد مولود بدي الحاج .. هذا الذي نعرفه ببيبوه .. هو الشاعر الوحيد في التاريخ البشري الذي أوصل النساء درجة الغيرة من سيارة .. ما نظمه في مدح “دريميزة” جعل كم من امرأة تتمنى لو قيل فيها بيت شعري واحد من تلك القصيدة الملحمية .. وهو الذي طوَّع مفردات العربية الفصحى لتنصهر مع بنات عمها من الحسانية بانسيابية مذهلة .. آه .. ما أروع الدهشة الموسيقية التي خلقها تحويله فاطمة الزهراء إلى “الزهرا فاطمة” في قصيدة “شايفكم يا أمات الثوار” ..

بدأت معرفتي بالرجل في سنٍّ مبكرة .. كنت أنتقل في العطل المدرسية إلى البادية .. هناك عرفته في أماسي الصحراء الدافئة أو الباردة .. صوتًا ينداح من المذياع .. يمتطي أثير الإذاعة الوطنية ويجيئنا متجاوزًا “الربط” أو ما سأعرف لاحقًا أنه جدار الذل والعار .. كان يؤثث بحضوره الصوتي الفضاء .. فاختزنته الذاكرة في ركن الاكتشافات الأولى .. تتذكره مقترنًا بخيام “اشعر” .. بـ”مرحان لبل” وروائحها وأصواتها .. وبنار موقدة نلتف حولها .. وكاسات الشاي أو “الكندرة” حسب الفصل والمناخ .. وبنجوم أعجز عن عدِّها فألتحفها غطاءً يحرس أحلامي .. لكنه لا يصد عني يدًا تمتد لإيقاظي فجرًا .. كنت في بدايات تَشكل وعيي .. في مرحلة السؤال والدهشة .. التقطت جوارحي أول ما التقطت التفرد في نغمة صوته الذي يجعلك تميزه من بين آلاف الأصوات .. كما هو حال اسمه غير المألوف في ذلك الحيز الجغرافي .. منه عرفت أننا نحن نحن وهم هم .. لقد رسم في ذهني الفتيِّ خريطة الوطن المتخيَّلة التي لا مساومة عليها .. وكل ما اكتسبته من بعده إيديولوجيًا وفكريًا وسياسيًا أتى مكملًا للبناء النظري الأول الذي تكوّن لديَّ من خلال قصائده الملتهبة .. منه عرفت العدو وما يضمره لنا .. وعرفت المقاتل وأحببته .. والشهيد وبكيته ..

أتذكر ذلك الدخول المدرسي جيدًا .. كنت قد صعدت إلى الصف الرابع .. وفي بداية كل موسم دأب المعلمون على طرح سؤال ماذا تريد أن تكون عندما تكبر .. انتظرت هذا السؤال طيلة الصيف .. مشحونًا بمشاعر لم أستطع التعبير عنها أو حتى فهمها .. ولَّدتها قصائد الرجل التي تنفذ إلى القلب كاملة .. بعضها أعيه .. والبعض الآخر يطربني إيقاع القوافي فيها وتميُّز إلقائه وسحره .. انتظرت السؤال لأني أيقنتُ الإجابة .. ماذا أريد أن أصبح .. بل إنها صارت كالجمرة في حلقي .. ويجب قولها كي أستريح .. لكن ولسبب لم أدرِهِ .. انتقل المعلم الجديد مباشرةً إلى الدرس متجاوزًا الأعراف والمدخلات الموصى بها بيداغوجيًا .. ولم يسألنا ليخلق تلك الحميمية والألفة .. غير أني .. ونكايةً به وفخرًا بما أريد أن أصبح لما أكبر .. التفتُ إلى صديقي الذي يقاسمُني الطاولة وقلت بحزم .. بيبوه ..!!

ثم كبرتُ ولم أكونه .. لا أحد يمكنه أن يكون بيبوه .. إنه من العباقرة العظماء الذين يجود بهم الزمن مرة واحدة .. لا يتكررون .. لكنني كنتُ وسأبقى ما كان ينادي به من قيم الثورة والنضال .. أتلمس طريق الحرية بين “گاف الطلعة واحمرها” ..

التقيتُ الرجل سنة ألفين وثمانية .. كانت المرة الأولى والأخيرة .. لوهلة توقف الزمن وبقيتُ جامدًا أمامه .. أتأمل ملامحه كمن يبحث عن المشكاة التي تصنع الضوء في قوافي من بارود .. يطلقها من قريحة لا حدَّ لعنفوانها .. حين عانقته فاحت منه رائحة الحنين .. تحسستُ كتفيه وأضلاعه لأتأكد أهو كائنُ مثلنا .. لم يكن اللقاء طويلًا بما يكفي لأشفي غليلي من أجوبته .. لكنه كان كافيًا لأشعر بالرهبة .. وكيف لا .. وبيبوه يرفعك إلى علوٍّ شاهق لا يتحمله سوى من كانت رئتاه تضخان عبق التاريخ .. وقد كُتب بمجد الدم وقدسية الفداء ..

محمد مولود بدي الحاج .. هذا الذي نعرفه ببيبوه .. هو الشاعر الوحيد في التاريخ البشري الذي أوصل النساء درجة الغيرة من سيارة .. ما نظمه في مدح “دريميزة” جعل كم من امرأة تتمنى لو قيل فيها بيت شعري واحد من تلك القصيدة الملحمية .. وهو الذي طوَّع مفردات العربية الفصحى لتنصهر مع بنات عمها من الحسانية بانسيابية مذهلة .. آه .. ما أروع الدهشة الموسيقية التي خلقها تحويله فاطمة الزهراء إلى “الزهرا فاطمة” في قصيدة “شايفكم يا أمات الثوار” ..

فلسفيًا .. الشاعر الثوري هو من يكسر المنطق القائم على الممكن والواقعي .. ليخلق منطقًا ثوريًا جديدًا .. يصبح معه المستحيل ممكنًا .. وبيبوه حين كتب .. “عطو نص أشهر فالتدريب وهجموا بالسلاح وجيبوه” .. كان يطوِّع المستحيل بتمرين العقل الجمعي على الإيمان بما هو ضد الممكن في الواقع الميداني .. لأنه يدرك أن الجماهير عندما تؤمن بفكرة .. يستحيل أن تبقى في طي المستحيل ..

أما قوله إن الشهداء لا يموتون .. فهو تجاوز لخانة المجاز إلى منح الموت معناه الأسطوري الخالد .. ونزع الرعب المصاحب له كموت بيولوجي يغيّب الإنسان .. هنا يصبح الشهداء .. الحاضرون الأبديون في الوجدان .. شهودًا على الذاكرة الجماعية الجامعة .. وتصبح لغة الشعر جسدًا مقاومًا للفناء .. وسلاحًا نفسيًا لا يُهزم ..

يقول توماس إليوت: “دانتي وشكسبير يقتسمان العالم ولا ثالث لهما” .. ومع إعجابي الكبير بدانتي وملحمته الأيقونية الكوميديا الإلهية .. وتقديري لمكانته العليا في تاريخ الأدب .. وانبهاري بشكسبير ومنحوتاته الخالدة .. هاملت .. وتاجر البندقية .. وعطيل .. لكني لا أوافق إليوت القول .. من يقتسم العالم المتنبي وبيبوه .. وإن كان لابد من ثالث لهما .. فليكن ألكسندر بوشكين ..

ختامًا ..

هذا النص ليس لي .. إنه للطفل داخلي .. الطفل الذي صرخ في الصف الرابع .. بيبوه ..!!

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top