انتخابات الاحتلال أداةً لإضفاء الشرعية الزائفة على الأراضي المحتلة: حالة الصحراء الغربية نموذجًا

انتخابات الاحتلال أداةً لإضفاء الشرعية الزائفة على الأراضي المحتلة: حالة الصحراء الغربية نموذجًا
Picture of أنة محمد السالك حبيبي
أنة محمد السالك حبيبي

ناشطة إعلامية وحقوقية صحراوية من مدينة بوجدور المحتلة، تهتم بنقل واقع المناطق المحتلة وتوثيق الانتهاكات، والدفاع عن حقوق الإنسان وقضايا الطلبة الصحراويين.

عن الكاتب

إن الهدف الجوهري من تنظيم هذه الانتخابات ليس تمكين السكان الأصليين من إدارة شؤونهم، بل إعادة إنتاج شرعية الاحتلال عبر أدوات مدنيةText Area

تنطلق أي مقاربة قانونية وسياسية لوضع الأراضي المحتلة من قاعدة راسخة في القانون الدولي الإنساني، مفادها أن الاحتلال العسكري واقعة مادية لا تمنح المحتل أي سيادة على الإقليم، ولا تخلق أي سند قانوني لتصرفاته الإدارية والسياسية. وعليه، فإن عدم شرعية الاحتلال في ذاته يسحب الشرعية من كل ما ينتج عنه من مؤسسات وأنشطة وقرارات. ومن أخطر هذه التمظهرات ما يُعرف بـ«الانتخابات المحلية» التي ينظمها الاحتلال المغربي داخل المدن الواقعة تحت سيطرته العسكرية، باعتبارها الأداة الأبرز لمحاولة تسويق صورة «السلطة المدنية المنتخبة»، وإيهام المجتمع الدولي بوجود تفويض شعبي يغطي وجوده.

إن الهدف الجوهري من تنظيم هذه الانتخابات ليس تمكين السكان الأصليين من إدارة شؤونهم، بل إعادة إنتاج شرعية الاحتلال عبر أدوات مدنية. ويتم ذلك، أولًا، من خلال الهندسة الديموغرافية، حيث تُدرج أعداد كبيرة من المستوطنين المستقدمين إلى الإقليم في اللوائح الانتخابية، فيتحولون إلى الكتلة الحاسمة داخل صناديق الاقتراع. وهؤلاء المستوطنون ليسوا سكانًا عارضين، بل هم جزء من مشروع استيطاني يهدف إلى تغيير معالم الإقليم، ومشاركتهم في الانتخابات محسومة سلفًا لصالح أحزاب دولة الاحتلال، وغالبًا ما تكون مقابل امتيازات مادية مباشرة أو غير مباشرة.

أما على مستوى السكان الأصليين، فإن المشاركة، إن وُجدت، لا يمكن قراءتها خارج سياق الإكراه الناعم والاستقطاب. ويمكن رصد ثلاثة أنماط في تعاطيهم مع هذه الانتخابات:

يرتبط النمط الأول بالمنفعة المباشرة، ويضم فئات ارتبط مصيرها الاقتصادي والإداري ببنية الاحتلال المغربي، من خلال العمل في الحملات الانتخابية، أو في إدارات تابعة لأشخاص مترشحين، أو عبر الحصول على رخص استثمار ومشاريع اقتصادية مشروطة بالولاء السياسي.

أما النمط الثاني، وهو الأكثر تعقيدًا، فيمر عبر بوابة القبلية. وهنا يُستقطب الأفراد تحت شعارات «قضاء المصالح»، و«التوسط لدى الإدارة»، و«الحماية من تعسف سلطة الاحتلال». وتُسوَّق فكرة أن وجود ابن القبيلة داخل مؤسسات الاحتلال سيوفر غطاءً اجتماعيًا، ويمنع وصول يد الدولة إلى أفراد العشيرة، أو أنه سيكون قادرًا على التدخل لإطلاق سراح معتقلين أو تخفيف أحكامهم. ولا يمثل هذا النمط اعترافًا بشرعية الاحتلال بقدر ما هو محاولة لتوظيفه في إطار علاقات اجتماعية تقليدية، غير أن نتيجته الموضوعية تظل إعادة إنتاج شرعية السلطة المحتلة للصحراء الغربية.

أما النمط الثالث، فهو العزوف المتنامي؛ إذ تشير المعطيات الميدانية إلى تراجع ملحوظ في مشاركة الصحراويين في هذه الانتخابات خلال السنوات العشر الأخيرة، بنسبة تقارب النصف. ولا يمكن تفسير هذا التراجع باعتباره ظاهرة انتخابية عابرة، بل هو مؤشر على تحول عميق في الوعي السياسي والاجتماعي.

فلعقود طويلة، راهن الاحتلال على القبلية أداةً للتعبئة، حيث كانت جموع من البوادي تتوجه إلى صناديق الاقتراع، لا طمعًا في منفعة، بل انطلاقًا من القول المأثور: «نعدّل وثيقتي عند ولد عمي، ولا عند البراني». أما اليوم، فقد تآكلت هذه المعادلة؛ إذ انكشف أن «ابن العم» داخل إدارة الاحتلال لا يملك سلطة حقيقية أمام منطق الدولة المركزية للاحتلال المغربي. كما ارتفعت الكلفة الاجتماعية والمعنوية للمشاركة في نظر المجتمع، وأصبحت تُقرأ في سياق التطبيع مع الأمر الواقع.

وفي الوقت نفسه، فشلت وعود التنمية والخدمات المرتبطة بهؤلاء المترشحين؛ فلم تعد المشاركة تدر عائدًا يبرر المخاطرة، ولم يحقق ابن القبيلة الحماية لأبناء عشيرته من بطش الاحتلال المغربي، أو يحُل دون الزج بهم في غياهب السجون، وتعريضهم للتهجير والتهميش.

ومن هنا، يمكن استنتاج أن الانتخابات التي ينظمها الاحتلال المغربي ليست استفتاءً على الرضا الشعبي، بل هي اختبار لنجاعة أدواته في الاختراق الاجتماعي والديموغرافي. وعندما تفشل هذه الأدوات في شراء ولاء نخبة، أو استقطاب قبيلة، أو حشد المستوطنين، تنهار نسبة المشاركة، وتتكشف الطبيعة الحقيقية لهذه العملية.

ولعل فتح باب الاقتراع بالوكالة أمام المغتربين داخل دولة الاحتلال وخارجها، وتسهيل الاقتراع بالوكالة للعاجزين، يهدفان إلى التغطية على هذا التراجع الحاد في أعداد المقترعين، حتى داخل دولة الاحتلال نفسها.

وما يجب أن يدركه كل صحراوي وصحراوية هو أن صندوق الاقتراع، في ظل الاحتلال المغربي، لا يمثل أداةً للتعبير الديمقراطي، بل يتحول هو نفسه إلى آلية من آليات الاحتلال، تهدف إلى شرعنة الأمر الواقع وطمس حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

وبالتالي، فإن الخلاصة التي تفرضها المقاربة القانونية والأكاديمية واضحة: لا يمكن لسلطة تفتقد الشرعية في أصل وجودها أن تكتسب هذه الشرعية من عملية انتخابية تفتقدها في أساسها وإجراءاتها وغاياتها.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top