إفريقيا التي في خاطري..

إفريقيا التي في خاطري
Picture of سمية بادي
سمية بادي

مثقفة وكاتبة صحراوية، تدير مركز «لحبالية» لتقديم الخدمات الاجتماعية. تتناول في كتاباتها موضوعات اجتماعية وثقافية متنوعة، وتقدّم قراءة نقدية للواقع الثقافي والاجتماعي والهوياتي داخل المخيمات.

عن الكاتب

كان العمر واضحًا على مبانيها؛ بنايات قديمة، منهكة الملامح، تقرأ على واجهاتها ما مرّت به من ظروف ومآسٍ. تحكي لك أنها صمدت ردحًا من الزمن، وأنها قاومت وما زالت تقاوم، محتفظة بملامحها الأصلية. وحتى اللحظة، لم تلمسها أيادٍ تجميلية ترمّم ما لحق بها من تغيّرات فرضها الزمن، كنتيجة حتمية لتعاقب السنين وظروف الطبيعة وتعاقب الأجيال. هل هي اللامبالاة؟ وهل السبب ضيق ذات اليد وارتفاع تكاليف تلك العمليات؟

رفع البواب حاجز الأمن ، وانزلقت الحافلة إلى داخل الجامعة، هكذا، بكل يسر و تلقائية،من دون تقديم شروحات أو إعطاء تفسيرات عن طبيعة البعثة أو أسباب الزيارة.

انتظرت أن يلحق البواب- والذي بدا منشغلا بتثبيت عمود الحاجز- بالحافلة، لكنه لم يفعل ،بل عاد ادراجه إلى غرفة المراقبة عوضا عن ذلك ، تعلو وجهه ملامح فسرتها على أنه امتعاض من نفسه بسبب عدم ترك الحاجز مفتوحا  من قبل، أو لوم نفسه على جعلنا ننتظر ثواني معدودة أمام الباب.

خمّنت أن مهنة رجل  الأمن قد تكون في هذا البلد مهنة غير مرغوبة أو ناقصة، يأنف الناس من امتهانها، في ظل الغياب شبه التام للتواجد الأمني أمام البوابات العامة، وفي الشوارع. أو ربما  المجتمع عدل فنام… الله أعلم.

انطلقت الحافلة في  طريق ضيق  شق بين مساحات خضراء ممتدة على طول البصر تتنثر فوقها مرافق الجامع، اعطتني الصورة أول معلومة تفصيلية لا  تقول لك: «أنت  داخل مؤسسة تعليمية»، بقدر ما تقول لك: «أنت داخل مكان من أمكنة المدينة».

مساحتها الواسعة تجعلها تبدو كأنها مدينة أخرى داخل كوتونو؛ كليات ومعاهد وقاعات، وحدائق عامة، وأخرى للتجارب النباتية، وأخرى للحيوانات، ومساحات مفتوحة تمتد في اتجاهات مختلفة.

كان العمر واضحًا على مبانيها؛ بنايات قديمة، منهكة الملامح، تقرأ على واجهاتها ما مرّت به من ظروف ومآسٍ. تحكي لك أنها صمدت ردحًا من الزمن، وأنها قاومت وما زالت تقاوم، محتفظة بملامحها الأصلية. وحتى اللحظة، لم تلمسها أيادٍ تجميلية ترمّم ما لحق بها من تغيّرات فرضها الزمن، كنتيجة حتمية لتعاقب السنين وظروف الطبيعة وتعاقب الأجيال. هل هي اللامبالاة؟ وهل السبب ضيق ذات اليد وارتفاع تكاليف تلك العمليات؟

لكن الطبيعة كانت أكثر القا و  أكثر سخاءً من الإنسان، وكأنها تولّت بنفسها مهمة تجميل ما عجزت عنه العمارة.

أشجار كثيرة، وحدائق طبيعية، ومساحات خضراء تتخلل المباني. فسيفساء بشرية تتحرك في الجامعة في اتجاهات مختلفة، وألوان ملابسها الزاهية والمتنوعة أضافت تفاصيل جمالية لافتة إلى تلك اللوحة الطبيعية.

توقفت الحافلة، وشرعنا في النزول، نلتفت يمينًا ويسارًا، أمامنا وخلفنا، والدهشة والاستغراب يعلوان محيانا. أين نحن؟!!! من يهدي حيرتنا؟

لا أحد يأخذ على عاتقه مسؤولية إدارية أو تنظيمية، وكأننا في الدقائق الأولى من نشأة البشر، في حياة مفتوحة للجميع. لا إداريين، لا مسؤولين، لا أحد يريد أن يقدّم نفسه على أنه صاحب المكان، ويرشدك إلى أنسب الحجرات في هذا البيت الكبير.

بمعنى آخر: البيت للجميع. قم واخدم نفسك بنفسك. معك دليل أو صفة الإرشاد الخاصة ببرنامج العمل؛ اقرأ.

وجدتني أنسلّ عن المجموعة إلى أقرب نقطة يمكننى فيها استعادة توازني وتنظيم أفكاري. اخترت حديقة طبيعية صغيرة على يسار الطريق. توجهت نحو تلك الطاولات الخشبية المنصوبة فيها، بمساحات تضمن للزوار نوعًا من الخصوصية، لكنها أيضًا متقاربة بطريقة توفر حلقة وصل تخلق نوعًا من التواصل الاجتماعي الطبيعي.

كنت أشعر بتلصص العيون من حولي، وخمّنت كل الأسئلة التي قد تكون تواردت على الأذهان خلال مروري. لكن عندما عدّلت جلستي على الكرسي في وسط الحديقة، تأكدت أن أحدًا ممن كانوا فيها لم يحفل بشأني، وربما لم يلحظ مروري أصلًا. حتى تلك السيدة التي كانت تقف عند طرف الحديقة وتحدّق باتجاهي، تبيّن لي أنها كانت تعاين الأشجار خلفي لتعليق حبل يحمل مشغولات يدوية من القماش.

جلس حولي في الحديقة أناس كثر، مثنّى وفرادى، وثلاث ورباع؛ كل حسب خططه ونواياه. ومن ملابسهم ذات الطابع العملي، صنّفتهم على أنهم طلبة وعمال، منشغلون بإعداد بحوث أو دراسات؛ إذ كانت بين يدي أصحاب كل جلسة أوراق أو كتب.

المنظر في الحديقة يفتح الذهن: كراسٍ خشبية أكثر إشراقًا من لون الخشب في غرفتي، وأشجار متباعدة في الجذور، متعانقة الفروع والأغصان، تمنح المكان سقفًا طبيعيًا يغري بالمتابعة. وفوقها غيوم تحجب أشعة الشمس، وترسل إلى الأرض والمكان شعورًا ساحرًا.

  لم تكن هناك ضوضاء، رغم كثرة الجالسين وتقارب المقاعد. كان كل واحد منهم غارقًا في عالمه، يتحدث بصوت منخفض، حتى يخيل إليك أحيانًا أنهم يتهامسون.

صرت أنا من يتلصص. كان المشهد كله مغريًا بالمشاهدة والاستكشاف. ولأول مرة أجلس منفردة ولا ألجأ إلى الهاتف طلبًا للونسة أو التغلب على الفراغ.

كان هناك شيء في هذا المكان يستحق التأمل. اجتاحتني رغبة في تجربة مختلف الكراسي والطاولات الموجودة في الحديقة. جرّبت الكراسي المفردة؛ بدت لي غير مريحة، وفي زاوية أخرى بعيدة ستفوتني متعة التجسس، لكن علوّها النسبي يمنح فرصة أفضل للتأمل.

لكنني اخترت التلصص ومشاهدة الناس؛ ففي زماننا ما أكثر لحظات الوحدة،و ما أقل حظنا منها يمكنني أن أجد أوقاتًا دائمة للتأمل، لكن مشاهدة البشر بعفوية وتلقائية أصبحت لحظات  شحيحة.

حدّقت في كل الجلسات حولي، ورسمت لكل منها سيناريو في ذهني، من خلال ملامح أصحابها، وطريقة الجلوس، وإيماءات الجسد، والوقت الذي يستغرقه كل طرف في الكلام.

لم تكن هناك لغة أخرى يمكن من خلالها فهم الحوارات، ليس بسبب حاجز اللغة، وإنما لأن هؤلاء القوم كأن لديهم مشاكل في الأوتار الصوتية، أو كأنهم خُلقوا بعضو كاتم للصوت. تشعر وكأنهم يتناجون فيما بينهم، أو أنهم يتفاهمون بالعيون أكثر من اللسان. حتى أيديهم لا يستخدمونها عند الكلام.

بينما أنا قادمة من أمة تستعمل اليد للكلام أكثر من استعمالها للعمل والإنتاج؛ أمة، مهما كان صوتك عاليًا فيها، لن يسمعك إلا من يريد أن ينصت لك.

استوفيت غايتي من الحديقة، وسرت في الاتجاه المقابل تمامًا لها، حيث تمتد طوليًا حديقة تجارب نباتية، تضم  حديقة حيوانات. وكان هذا دافعي الأول لدخولها ؛ فبعد يومين في كوتونو، صارت رغبتي في مشاهدة الحيوانات ومعرفة أخبارها أشد من رغبتي في مشاهدة الإنسان.

كنت أتصور، بما أنها مدينة إفريقية، أن الحيوانات ستكون في كل مكان وبكل الأنواع. هكذا وُصفت إفريقيا في مخيلتنا.

لكن يبدو أن ذلك الشوق لن يُروى قريبًا؛ فلم يكن الدخول إلى الجزء الخاص بالحيوانات مجانيًا، وحتى تلك اللحظة لم أكن قد حُزت على العملة المحلية.

اكتفيت بمشاهدة حديقة النباتات. لم يكن هناك دليل يرافقني في تجوالي، فانسحبت منها سريعًا.

كانت عشرون دقيقة فقط داخل حديقة التجارب كافية لتغيّر جغرافيا هذا الجزء من الجامعة.كأني  خرجت في اتجاه مختلف عن الذي عبرت منه قبلا، وكأن ستارًا كان يحجب الرؤية ثم رُفع فجأة.

عشرات الدراجات النارية تنقل من تبقّى خارج الجامعة إلى داخلها. معارض تجارية متنوعة تقص شريط افتتاحها، مطاعم متنقلة رست على برّ الجامعة، وباعة متجولون يسدّون المساحات بين الراجلين ويطوفون على الماكثين في أماكنهم. فنانون يسجّلون اللحظة في لوحاتهم، ويسقون الآذان خلف آلاتهم.

لولا لوحة إشهارية، لتيقنت أنني خرجت فى اتجاه مختلف لا .

درس خامس من كوتونو: الجامعة ليست حكرًا على التلاميذ والأساتذة؛ يمكن أيضًا إعادة تدويرها في أوقات كثيرة، ودائمًا في خدمة المجتمع.

يمّمت وجهي حيث يوجد الفريق، وسرت بمحاذاة الجدار الشرقي للحديقة، إلى اليمين، حيث عُلّق قماش أبيض طويل. ومن المكتوب عليه عرفت أنه ضمن برامج المنتدى، كمساحة للرأي والرأي الآخر.

كتابات و رسومات كلها ضد الإمبريالية والرأسمالية، وبعضها عن غزة، و البعض الآخر عن إفريقيا لكن على استحياء، في زاوية منعزلة. كان هناك رأي شاذ: خريطة المغرب دون الخط الفاصل، مع العبارة الشهيرة التي تدين أكثر مما تثبت.

لم أجد غير أثر وهمي لإصبعي، رسمت به الخط الفاصل، وأعدت به الحدود إلى حقيقتها. لم يكن واضحًا للعيان، لكنه كان واضحًا في الأذهان.

عندما استقر بي المقام، بدأت أراقب المشهد، وكأن بيدي جهاز تحكم في تلفزيون الحياة. أين ما التفت، لمحت مشهدًا مختلفًا، موقفًا مختلفًا، لغة مختلفة، قضية مختلفة. كأنه يومًا جمع فيه الناس لا ليحاسبوا، بل ليتعارفوا.

نادى في القوم منادى  بقدوم حجيج آخرين إلى المصعد الطاهر ، علينا الخروج لاستقبالهم، استقبال الفاتحين؛ فقد قضوا عشرين يومًا في سيرهم نحو هذا الجمع المشرف.

خرجت مع وفود المرحبين. ذكّرني المشهد بمشهد من فيلم «الرسالة»، حين كان أهل المدينة يترقبون طلوع بدر الرسالة السماوية. وها نحن هنا نترقب من سياج الجامعة ظهور مراكب القوم، وقد نبأ خبر دخولها المدينةَ، عبر الدلاء زماننا الهواتف النقالة.

لم أعلم أن القدر رتّب لي موعدًا وسيقرّبني من شيء تمنّيته منذ أن وطئت المدينة.

من البوابة نفسها التي خرجت منها لاستقبال القادمين، دخلت أُتُن ثلاث (إناث  الحمير)، بكل أريحية.

لم يكن من الممكن تفويت المشهد. عدت أراقب خط سيرهن وموقف أهل المكان منهن. واصلن سيرهن غير عابئات بجحافل الخارجين، ولا حتى الخارجون بدوا على أنهم غير معتادين على هكذا زوار في الجامعة.

لله الأمر من قبل ومن بعد.

على بعد خمسين مترًا، انحرفت الأُتُن الثلاث، ودلفن إلى حديقة بدا لاحقًا أنها خاصة بالحمير في مدخل الجامعة.

سبحان من  تصريف  شؤون العباد بيديه.

من كان يظن أن أول لقاء لي بحيوانات كوتونو سيكون في جامعتها، وأنني سأقابل حيواناتها قبل نخبتها!

بعد أن اطمأننت على الأُتُن، عدت إلى ركب المنتظرين ،كانت الحافلات قد بدأت تصل إلى الجامعة تباعًا. وأخذنا نسير عن يمينها ويسارها، نحيّي من بداخلها، من دون أن نعرف من هم ولا ما الرسالة التي جاؤوا بها.

بدأ لي أن الحافلات هي أيضًا مأمورة. بقينا نتبعها ونردد هتافات لم أفهم منها غير «تضامن، تضامن»، دون أن أعرف مع من، لكن: يد الله مع الجماعة.

حيث توقفت الحافلات ونزل أول الركاب، تم الإعلان عن أول وأكبر مسيرة في منتدى كوتونو الاجتماعي.

هنا بدأ فعليًا هذا المنتدى الذي كان يكتنف مصيره الغموض.

توجه الجمع، ونحن على أثره، صوب النقاط الرئيسية، كل إلى مضارب قومه المنصوبة في جنبات الجامعة.

فشاع جو من المرح والسرور بين الحاضرين، يلم الشمل، الرضا عن اكتمال الرسالة والانتصار اللحظي على قوى الهجر والقطيعة: الأنظمة.

ثم بدأ التآخي بين الأبيض والأسود، وبين الشمال والجنوب؛ إنما الناس إخوة.

«هذا هو العالم الذي في خاطري»، هكذا رددت بيني وبين نفسي، وأنا أعود صوب مضرب قومي، قبل أن يقتنصني بائع صغير، معترضًا طريقي بما ملكت يمينه.

أشرت له بجمع السبابة والإبهام، علامة أنني لا أملك المال. ارتسمت على محياه ابتسامة يتقاطع سحرها مع السخرية، لم يقتنع . خرجت له من فمي يمين مغلظة لم يتقنع أيضًا، لكنه استسلم، وغدا عائدًا يبحث زبون آخر.

أخذت أتبعه بعيني، وهو يتنقل بين رواد المكان.

أستطيع فهمك يا صديقي. أنا أيضًا مثلك كنت يومًا أعتقد أن كل أجنبي مدين لي بمال، أو أنه مصدر قوتي، وأنه أثري وغني.

لكن، آه يا صغيري، لا يغرنك مني حسن هندامي، ولا تمايز بشرتي عنك، ولا أين أنا الآن. أنت لا تعلم ما بينك وبيني، ولا ما تملك أنت وما لا أملك أنا. كم أنت محظوظ! اعلم أن وراء الأكمة ما وراءها.

ثم اختفى في زحام هذا الصعيد الإنساني، فاسحًا طريقًا لأقرانه وزملائه في الشقاء والسعي.

بينما كان آخرون يسعون للاستحواذ على ما تبقى من وجبات المشاركين، غير آبهين بنظرات الفضول والاستغراب حولهم؛ لسان حالهم: الغاية تبرر الوسيلة، والفقر كاد أن يكون كفرًا.

نادى منادٍ ثانٍ: «التحقوا جماعتكم بقاعة إدريس ديبي».

لفت انتباهي الاسم. هل هو ذاته إدريس ديبي، الرئيس التشادي السابق؟ لكن ما علاقته ببنين؟

حاولت عمل عصف ذهني، علني أعثر في أرشيف معلوماتي على معالم تلك الصلة. فلما لم أجد، قلت: بصفته زعيمًا إفريقيًا.

ابتسمت وأنا أفسح الطريق للسيارات. تصادف أنها كلها من ماركة تويوتا. إدريس ديبي، تويوتا… أحالني ذهني إلى حادثة تاريخية أثناء الحرب بين تشاد وليبيا، وهي حادثة «حرب التويوتا».

يبدو أن هناك سرًا دفينًا حتى وراء كل هذا.

تقع القاعة المعينة في أقصى نقطة من الجامعة، وبالتالي هناك فرصة لاكتشاف ما لم نقف عليه من معالمها.

وفي الحقيقة، لم يكن هناك شيء ملفت؛ العمران متشابه، والطبيعة بدورها بدأت منصفة تجاه المرافق. دعاة ورسُل المنتدى ينشرون تعاليمه في كل مكان ،أمام الكليات و داخلها ،تحت الأشجار .. في كل نقطة من الجامعة يقف رسول، يلتف حوله أتباعه، وهناك من فضّل جمع رسالة شاملة، يعبر من هنا وهناك بين تلك التجمعات.

 مساحة الجامعة، مهما بلغت، صغيرة إذا ما قورنت بسعة العالم. فلماذا اتسعت هذه لكل هذا الاختلاف واحتضنته، وتلك ضاقت به وحاربته؟

لله العلم من قبل ومن بعد.

قبيل أن نصل غايتنا، وعلى بعد عشرين مترًا قبلها، وقف مبنى لا يعني عمرانه الشيء الكثير أو المختلف، عدا الاسم المكتوب فوقه: «كلية الدعوة الإسلامية».

انعطفت صوبه بالقلب قبل سائر الجسد، ووقفت وقفة المتأمل. عدت أقرأ المكتوب مرات، ثم فتشت في الصور على بوابته عن وجوه وتاريخ، كأنني اكتشفت ماءً زلالًا عذبًا بعد أن كنت أظنه سرابًا بقيعة.

لم أفهم سبب تلك الحالة الوجدانية التي عصفت بي في تلك اللحظة، ولا السر وراءها. قبل تلك اللحظة لم أكن قد سمعت عن البلد وأهله ما يجعل ذلك المبنى شيئًا خارقًا أو في غير مكانه.

ثم إن وجوده في أكبر صرح علمي نظامي هو اعتراف بالحق والمساواة والمكانة المرموقة في هذا البلد.

لكنني، حقًا، لا أعرف سبب تلك الغبطة.

أخيرًا، ولجتُ قاعة إدريس ديبي. اتضح أنها أكبر فضاء اجتماعي في الجامعة كلها؛ قاعة فسيحة جدًا، تشبه القاعات متعددة الرياضات، مغطاة كلها بأقمشة بيضاء سميكة، تتدلى من سقفها شرائط قماشية عريضة زرقاء.

تحت ذلك السقف، اجتمعت إفريقيا جنبًا إلى جنب، للمرة الثانية؛ و الأولى خارج الخريطة،  المرة الأولى دون حدود، دون تأشيرات، دون نزاعات، ودون فرق بين غرب وشرق، ولا بين هوتو وهوسا، ولا بمبار و لا فلان ،أنغلوفونيًا أو فرنكوفونيًا.

إنها إفريقيا الحضارة لا إفريقيا السياسة

شارك المقال

Scroll to Top