لا يمكن اطلاقا فهم تصريح الامينة العامة لحزب من احزاب الاحتلال بمدينة الداخلة المحتلة، عن كونها «ابنة قبيلة أولاد دليم» بوصفه مجرد عبارة عابرة فرضتها حماسة حملة انتخابية، ولا باعتباره محاولة بريئة للتقرب من جماهير المدينة المحتلة. فهذا التصريح لا ينفصل عن سياق تاريخي أوسع بدأ مع احتلال المغرب للإقليم سنة 1975، حين أدركت سلطاته أن القوة العسكرية، مهما بلغت، قد تفرض السيطرة على الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة القبول أو منح الاحتلال شرعية بين أصحابها.
ومنذ ذلك الحين، لم يتجه الاحتلال إلى إلغاء القبيلة، بل إلى احتوائها وإعادة توظيفها سياسيًا. فقد استمال شيوخًا وأعيانًا، وصنع نخبًا محلية، وربط المكانة الاجتماعية بالامتيازات والمناصب والانتخابات، ثم دفع بهذه الشخصيات إلى الواجهة باعتبارها ممثلة للصحراويين. وبذلك لم تعد القبيلة، في إطار هذه السياسة الإمبريالية، مجرد رابطة اجتماعية تحفظ الذاكرة والتكافل، بل تحولت تدريجيًا إلى خزان انتخابي، ووسيط لتوزيع المنافع، وأداة لإنتاج الولاءات التي يحتاج إليها الاحتلال لتثبيت حضوره، حتى وان كان ذلك يناقض الخطاب الذي يقدمه الاحتلال نفسه على انه جاء لاجل العدالة الاجتماعية
ومع مرور العقود، أعادة هذه السياسية الاستعمارية رسم مدن الصحراء الغربية المحتلة في صورة خرائط للولاءات القبلية. فلكل مدينة قبيلة يدفعها المحتل إلى الواجهة، ولكل قبيلة أعيان يجري تقديمهم بوصفهم المتحدثين باسمها، ولكل شكل انتخابي مرشح يُقدمه المخزن بحسب وزنه القبلي وقدرته على حشد الأصوات وضمان الولاء. ولا يتعلق الأمر هنا باحترام البنية الاجتماعية الصحراوية، وإنما بتحويلها إلى نظام سياسي موازٍ: مدينة تُدار بقبيلة، وقبيلة تُضبط بوجيه، ووجيه يرتبط بالمخزن عبر شبكة من المصالح والامتيازات. وهكذا تتحول الانتخابات من إلى إحصاء دوري للولاءات المصنوعة في كنف الاستعمار.
إن توظيف القبيلة في الصحراء الغربية المحتلة يأخذ بعدًا أكثر تعقيدًا وخطورة؛ إذ لا تُستخدم فقط لضبط الىجتمع المُستعمر، بل أيضًا لإنتاج تمثيل سياسي بديل عن الإرادة الوطنية الصحراوية الجماعية للشعب الصحراوي، والتي تقودها الحركة الوطنية -البوليساريو-. ويتجلى ذلك في اختيار أعيان من فضاء الخونة وتوزيع الامتيازات، وتقديم شخصيات قبلية باعتبارها «ممثلة للسكان» لا للشعب، ثم تحويل الانتماء الاجتماعي إلى وسيلة لمنافسة الانتماء الوطني. وهنا لا يكون الهدف حماية القبيلة أو صون مكانتها، وإنما تفكيك الشعب الصحراوي إلى جماعات منفصلة يمكن التفاوض مع كل واحدة منها واستمالتها على حدة، ثم تقديم مجموع ولاءاتها الجزئية بوصفها تعبيرًا عن إرادة شعب لم تتح له أصلًا فرصة التعبير الحر عن إرادته فرادة او جماعة.
لقد جاء تصريح المنصوري لهدم هذه الصورة وكشف ما يقبع خلفها. فقد جاءت إلى الداخلة بصفتها قيادة حزبية لدعم مرشح حزبها، لكنها سرعان ما غادرت موقعها السياسي لتقدم نفسها باعتبارها «دليمية الأصل» و«ابنة قبيلة أولاد دليم». انتقلت بذلك من حقل الأفكار إلى حقل الأنساب، وهو الحقل الذي يريد له الاحتلال البقاء كفضاء وحيد للعميلية السياسية في المدن المحتلة من الصحراء الغربية، فهو لا ينظر الى الناخب بوصفه “مواطنًا” بل بوصفه فردًا في جماعة قبلية يهتم المخزن بولائها للقصر، ولم يأتِ النسب هنا ليضيف حجة إلى البرنامج المقدمة لصاحب الارض، بل ليحل محله ويؤدي الوظيفة التي عجز الخطاب الحزبي الاحتلالي عن أدائها.
لقد فضحت المنصوري، من حيث لم تقصد، الحالة المصطنعة التي تسعى انتخابات الاحتلال إلى إخراجها في هيئة ممارسة سياسية طبيعية. فخلف صورة قيادة حزبية جاءت لإقناع اصحاب الارض بأفكارها، ظهرت «ابنة القبيلة» التي تطلب الثقة باسم الانتماء. وخلف المرشح صاحب البرنامج، ظهر الوجيه صاحب الامتداد القبلي. وخلف المواطن الفرد، أعيد استحضار الجماعة التي يُفترض أن تصوت استجابة لرابطة النسب. بذلك لم يعد الحزب وسيطًا مدنيًا بين المواطن والدولة، بل أصبح غطاءً حديثًا لإعادة إنتاج الولاء القبلي الذي يخدم القصر ويثبت ولائاته.
وتزداد المفارقة فجاجة لأن ذلك جرى تحت لافتة حزب يقدم نفسه باعتباره حزبًا ليبراليًا. فالليبرالية، في معناها السياسي المعلن، تنطلق من الفرد المواطن، ومن المساواة في الحقوق، ومن حرية الاختيار والتنافس بين البرامج. لكن ممثلة هذا الحزب لم تجد في الداخلة المحتلة مدخلًا أقوى من رابطة تسبق المواطنة وتتعارض مع معناها السياسي. وهنا تظهر الحداثة الحزبية عند أحزاب المخزن بوصفها شكلًا خارجيًا يمكن التخلي عنه بمجرد الدخول إلى سوق الانتخابات بإعاز من القصر وادواته التي توثث المشهد: أسماء حديثة، ومؤتمرات وشعارات وبرامج تتحدث عن الديمقراطية، بينما تظل القبلية والزبونية هما المحرك الفعلي للممارسة من الداخل وصناعة الطاعة والولاء.
ولا يتعلق الأمر بتناقض عابر يخص حزب الأصالة والمعاصرة وحده، بل بطبيعة النظام الحزبي المخزني نفسه. فالأيديولوجيات قد تتغير، والأحزاب قد تصف نفسها بالليبرالية أو المحافظة أو الاشتراكية، لكن وظيفتها داخل المدن المحتلة تظل محكومة بالقواعد التي يرسمها المخزن. وعندما تدخل هذه الأحزاب إلى الجزء المحتل، فإنها لا تحمل معها تنافسًا سياسيًا حقيقيًا بقدر ما تدخل في سباق على استقطاب الأعيان، واحتواء القبائل، وإعادة توزيع الولاءات، وإثبات قدرتها على تنفيذ أجندة السلطة.
فالقبلية هنا لا تتحرك من تلقاء نفسها، ولا تفرض حضورها على الأحزاب من أسفل؛ بل يجري استدعاؤها وتنشيطها من أعلى، بإيعاز من المخزن وعبر نخبه ومؤسساته وأحزابه. إنه النظام نفسه الذي يمنح الوجيه مكانته، ويربط النفوذ بالامتياز، ثم يقدمه في الانتخابات باعتباره ممثلًا طبيعيًا لجماعته. ولذلك لا تكشف عبارة «أنا ابنة القبيلة» قرب المنصوري من السكان بقدر ما تكشف بُعد المخزن عن مفهوم المواطن، كما لا تثبت قوة انتمائها القبلي بقدر ما تعلن إفلاس الاحتلال بوصفه حاملًا لمشروع سياسي وطني.
نعم لا ننكر ان القبيلة كانت موجودة قبل المخزن، بوصفها بنية تاريخية للقرابة والتكافل والحماية وحفظ الذاكرة. ما يفعله المخزن هو البحث داخل هذه الروابط القائمة عمّن يصلح وسيطًا: خائن يملك اسمًا عائليًا أو مكانة اجتماعية أو نفوذًا اقتصاديًا، وقادرًا في الوقت نفسه على حشد الأصوات وضبط الجماعة والتفاوض باسمها. إنه لا يصنع القبيلة، بل يصنع نسختها السياسية التي يحتاج إليها.
تبدأ العملية بقراءة التوازنات المحلية وانتقاء الوجيه القادر على تحويل نفوذه الاجتماعي إلى خدمة سياسية. وبعد اختياره، يمنحه الاحتلال الاعتراف الرسمي والموارد والامتيازات، وتفتح أمامه أبواب الإدارة والمجالس المنتخبة والصفقات والوظائف. وبفضل هذه الموارد يعزز الوجيه نفوذه داخل جماعته، ثم يعود ليقدم هذا النفوذ للمحتل في صورة أصوات انتخابية وولاء سياسي. هكذا تنشأ دائرة مغلقة: المخزن يمنح الوسيط القوة، والوسيط يعيد تلك القوة إلى المخزن في صورة تأييد يبدو صادرًا عن المجتمع.
أما الحزب فليس سوى المركبة التي يُنقل عبرها هذا الوسيط إلى المؤسسات. قد يدخل الوجيه اليوم تحت لافتة حزب، ثم ينتقل غدًا إلى حزب آخر من دون أن تتغير شبكته أو وظيفته أو علاقته بالاحتلال. فالحزب هنا قابل للتبديل لأن الرابط الحقيقي ليس بين المرشد وبرنامج سياسي، وإنما بين الوجيه والإدارة الاستعمارية التي ترعاه. وفي هذا النظام لا يكون الحزب هو الذي يحمل المرشح بأفكاره وتنظيمه؛ بل المرشح هو الذي يحمل الحزب بما يملكه من اسم ونفوذ وأصوات قابلة للحشد.
هذه هي الآلية التي كشف ريمي لوفو جانبًا أساسيًا منها في كتابه الفلاح المغربي المدافع عن العرش. فبين الفلاح الريفي والعرش لم تكن هناك علاقة مباشرة أو ولاء غامض ينشأ من تلقاء نفسه، بل شبكة من القياد والشيوخ والمقدمين والأعيان ومالكي الأراضي. وقد عملت هذه الشبكة على تحويل النفوذ المحلي إلى استقرار سياسي، وعلى موازنة القوى الحزبية والوطنية التي كان المخزن ينظر إليها باعتبارها خطرًا على سلطته. لم يكن الفلاح يدافع عن العرش بصورة مباشرة؛ بل كان محاطًا ببنية وساطة تجعل مصالحه وحاجاته مرتبطة بمن يمثل السلطة داخل مجاله المحلي.
هذه الالية منطقها الاستعماري العام يظل واحدًا: العثور على وسيط محلي، وتمكينه من الموارد، ثم استخدامه لضبط المجتمع من داخله. غير أن هذه الآلية، حين تُنقل إلى الصحراء الغربية المحتلة، لا تعود مجرد وسيلة مخزنية مألوفة لإدارة الانتخابات أو احتواء المناضلين، بل تتحمل وظيفة استعمارية إضافية، وهي صناعة سيادة من الولاء.
ففي المدن المحتلة لا يُطلب من الوسيط القبلي أن يجمع الأصوات ويحمي نفوذ المحتل فحسب، بل أن يساعدها أيضًا على تحويل قضية سيادة وتقرير مصير إلى منافسة محلية بين القبائل والأعيان على المقاعد والموارد. وبدل أن يبقى السؤال: من يملك السيادة على الارض، وكيف يعبّر الشعب الصحراوي بحرية عن إرادته؟ يصبح النقاش: أي قبيلة تحصل على رئاسة الجهة؟ ومن يفوز بمقعد البرلمان؟ ومن يحظى بالوظائف والرخص والمشاريع وحصة أكبر من الامتيازات؟
بهذا التحويل، يجري إنزال القضية من مستوى شعب يطالب بحقه الجماعي إلى مستوى جماعات تتنافس على حصص يمنحها الاحتلال. وبدل المواجهة الرأسية بين شعب وقوة تحتل أرضه، تُصنع منافسة أفقية بين الصحراويين أنفسهم؛ فيتنازع الأعيان على القرب من المركز، وتتسابق القبائل على التمثيل داخل مؤسساته، بينما يختفي أصل المشكلة خلف ضجيج الانتخابات وتوزيع المنافع.
إنها عملية إزاحة سياسية متعمدة: لا تجيب عن سؤال تقرير المصير، بل تدفنه تحت صراعات محلية صغيرة؛ ولا تعترف بالشعب الصحراوي بوصفه ذاتًا سياسية واحدة، بل تعيد تقديمه في صورة قبائل منفصلة، متخلفة، رجعية، لكل منها ممثلها وحصتها وولاؤها الخاص. فالمخزن لا يحتاج إلى إلغاء القبائل كي يفتت الشعب؛ يكفيه أن يجعل كل قبيلة تتحدث وحدها، وأن يمنعها جميعًا من التحدث بصوت وطني واحد.
منذ احتلال الصحراء الغربية، راهن المغرب على تغيير الواقع الديمغرافي بوصفه أحد أدوات تثبيت السيطرة. شجّع انتقال أعداد كبيرة من المستوطنين المغاربة إلى المدن المحتلة، وربط الارض المحتلة باقتصاده وإدارته من خلال النهب الممنهج للمواردالصحراوية ، ووفّر للاقدام السوداء الفقيرة فرص العمل والسكن والامتيازات، ثم أدمجهم في الانتخابات والمؤسسات المحلية. لم يكن الهدف مجرد تعمير المدن أو تنشيط الاقتصاد، بل إنتاج واقع بشري جديد يمكن تقديمه، مع مرور الزمن، باعتباره واقعًا طبيعيًا ونهائيًا يصعب الرجوع عنه.
وقد نجحت هذه السياسة في تغيير صورة المدن وتركيبتها السكانية. أصبح المستوطنين من فقراء المغرب يشكلون أغلبية عددية في عدد من المراكز الحضرية، وتحولت هذه الكتلة إلى قوة داخل الإدارة والاقتصاد واللوائح الانتخابية. لكن ما نجح الاستيطان في تحقيقه ديمغرافيًا وإداريًا، عجز عن تحقيقه سياسيًا وقانونيًا؛ لأن السيطرة الفعلية ليست سيادة، وكثرة المقيمين لا تحولهم تلقائيًا إلى الشعب صاحب الحق في تقرير مصير التراب.
وهنا تحديدًا يكتسب تصريح المنصوري دلالته الأعمق. فإذا كانت الأعداد الهائلة التي نقلها الاحتلال إلى الصحراء الغربية كافية لإنتاج الشرعية، فلماذا احتاجت ممثلة الحزب إلى إعلان انتسابها إلى أولاد دليم؟ ولماذا لم تكتفِ بمخاطبة الأغلبية الوافدة بوصفها القاعدة الانتخابية التي صنعتها الدولة خلال عقود؟ إن عودتها إلى النسب القبلي تكشف أن المستوطن، مهما تضخم عدده، يستطيع أن يملأ اللوائح وصناديق الاقتراع، لكنه لا يستطيع أن يقدم للاحتلال شهادة الأصالة التي يبحث عنها.
لقد أنتج الاحتلال، في الواقع، توزيعًا غير معلن للوظائف: يمنحه المستوطن العدد، ويمنحه الوجيه المحلي صورة التمثيل، وتمنحه القبيلة رواية الأصل. فالعدد يساعده على إحكام السيطرة وإظهار المدن المحتلة كأنها جزء طبيعي من المجال المغربي، بينما يحتاج إلى الوجه الصحراوي ليقول إن أصحاب الأرض أنفسهم يشاركون في مؤسساته ويوافقون على وجوده. ومن هنا لا يبدو استدعاء القبيلة دليل ثقة، بل علامة نقص؛ إذ تكشف الحاجة المستمرة إليها أن الكتلة الاستيطانية، رغم وزنها العددي، لم تستطع إنتاج الشرعية التي أُنشئت من أجلها.
وبلغة مستوحاة من ريمي لوفو: إذا كان «الفلاح» في منطقة الريف شمال المغرب قد استُعمل لتثبيت العرش عبر شبكة الأعيان والوسطاء، فإن القبيلة في المدن المحتلة يُراد لها أن تؤدي وظيفة إضافية؛ أن تشهد سياسيًا على شرعية السيادة. وليست القبيلة ذاتها هي المصنوعة، بل الصورة الانتخابية التي تُختزل فيها، والوظيفة السياسية التي تُفرض عليها، والأعيان الذين يُنتقون للحديث باسمها. إنها قبيلة يُعاد تركيب تمثيلها داخل مؤسسات الاحتلال حتى تتحول مشاركتها فيها إلى شهادة مزعومة على موافقة الشعب الصحراوي.
لكن هذه الشهادة لا تستطيع سد الفجوة القائمة بين السيطرة على الإقليم والحصول على موافقة شعبه. فقد ينجح الاحتلال في تنظيم الانتخابات، وملء المجالس، وتعيين المسؤولين، وإظهار المدن في صورة فضاءات سياسية مغربية؛ غير أن كل ذلك يجري داخل واقع صنعته القوة الاستعمارية نفسها. ولا يمكن لانتخابات يشارك فيها سكان جرى تغيير تركيبتهم عبر الاستيطان أن تحل محل ممارسة الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير، كما لا يستطيع صندوق اقتراع تابع للاحتلال أن يحسم سؤال السيادة الذي ظل مفتوحًا منذ انسحاب الاستعمار الإسباني.
والواقع أن تصريح المنصوري يهدم، من حيث أرادت له أن يدعم، سردية اشتغل الاحتلال على بنائها طوال عقود. فقد كان يُفترض أن يؤدي تغيير السكان ودمج التراب الوطني في المؤسسات المغربية إلى جعل الانتماء المحلي غير ذي أهمية، وإلى تقديم الداخلة كأي مدينة مغربية أخرى يخاطَب ناخبوها بالبرنامج والحصيلة. لكن بعد كل تلك العقود، تعود ممثلة حزب مغربي إلى البحث عن الشرعية داخل نسب صحراوي، وكأنها تقر ضمنيًا بأن الوجود العددي المغربي لم يستطع أن يحل سياسيًا محل صاحب الأرض.
لم تثبت عبارة «أنا ابنة القبيلة» نجاح الاحتلال في إدماج الصحراء الغربية، بل كشفت حدود كل ما أنجزه على الأرض. فبعد عقود من الاستيطان وتغيير السكان وبناء المؤسسات الصورية، ما زالت سلطة الاحتلال بحاجة إلى اسم قبيلة صحراوية ووجه محلي ووجيه يتحدث باسم السكان الأصليين. ولو كان العدد قادرًا على منح السيادة، لما احتاجت المنصوري إلى النسب؛ ولو كانت السيطرة قد تحولت فعلًا إلى شرعية، لما ظل الاحتلال يبحث عمّن يشهد له بها.
فالاستيطان يستطيع أن يملأ المكان، لكنه لا يستطيع ملء فراغ الشرعية. يستطيع تغيير سكان الأرض، لكنه لا يستطيع وحده تغيير هوية صاحب الحق فيها. وفي النهاية، يظل الاستيطان — مهما تضخمت أعداده — رقمًا بلا سيادة.




