إضراب الأسرى الصحراويين كأداة مقاومة سياسية: الوظيفة، التعاطي، والانعكاس

النعمة الاسفاري
Picture of أنة محمد السالك حبيبي
أنة محمد السالك حبيبي

أنة محمد السالك حبيبي، ناشطة إعلامية وحقوقية صحراوية من مدينة بوجدور المحتلة، تهتم بنقل واقع المناطق المحتلة وتوثيق الانتهاكات، والدفاع عن حقوق الإنسان وقضايا الطلبة الصحراويين.

عن الكاتب

هذا التأخير له كلفة باهظة، فهو ينهك صحة الأسير ونفسيته ويمنحه شعورا بالعزلة، وفي المقابل يمنح دولة الاحتلال هامشا واسعا للتهاون والتماطل في الاستجابة، لأنها تدرك أن الضغط الخارجي لم يتشكل بعد، وبالتالي فإن غياب التزامن بين الإضراب والتعاطي الجماهيري يضعف من فعالية السلاح الذي يملكه الأسير.

حالة أسرى گديم إزيك نموذجا

منذ الغزو العسكري المغربي للصحراء الغربية سنة 1975، اعتمدت دولة الاحتلال على استراتيجية مزدوجة لتأمين سيطرتها: عسكرة الإقليم من جهة، وتجفيف منابع الانتفاضة وتفكيك التنظيمات السرية و المجموعات النضالية داخل المدن المحتلة من جهة أخرى، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال محطات نضالية عديدة، لعل أهمها قمع مخيم گديم إزيك سنة 2010، الذي شكل أكبر تجمع احتجاجي سلمي في تاريخ الصحراويين، فكان أول إجراء اتخذه الاحتلال هو اعتقال الرموز والقيادات الميدانية التي كانت تتصدر المشهد وتؤطر الخطاب الثوري وسط الجماهير.

في ظل هذا الواقع، تحولت الزنازين إلى ساحة صراع أخرى منذ زمن الاختفاء القسري، ووجد الأسير الصحراوي نفسه أمام خيار وحيد لإيصال صوته: الإضراب عن الطعام.
نحاول هنا الإجابة عن أربع إشكاليات مركزية: لماذا يلجأ الأسير الصحراوي إلى الإضراب؟ كيف كان تعاطي المستوى الشعبي مع الإضرابات السابقة في ظل طفرة تكنولوجية؟ ما أثر تعاطي المنظمات الدولية مع إضرابات أسرى گديم إزيك على موقف دولة الاحتلال؟ وكيف ينعكس تعاطي الجماهير والإعلام الوطني على جدية تعاطي الاحتلال مع مطالب الأسرى؟

أولا: الإضراب عن الطعام كخيار أخير للكرامة:
يلجأ الأسير الصحراوي إلى الإضراب عن الطعام عندما تغلق أمامه كل قنوات الاحتجاج والشكوى، ففي سجون الاحتلال لا جدوى من المذكرات القانونية ولا من النداءات الإنسانية، فيصبح الجسد الوسيلة الوحيدة المتبقية لإسماع الصوت، لكن الإضراب هنا لا يهدف بالأساس إلى تحسين ظروف الزنزانة أو الحصول على امتيازات داخل السجن بل الدافع الجوهري هو الكرامة، فالأسير الصحراوي يدفع ثمن موقفه السياسي بأحكام ثقيلة تصل إلى المؤبد و30 و25 و20 سنة، وهو يدرك أن قضيته ليست جنائية بل قضية شعب محتل.

لذلك تأتي مطالب الإضراب مرتبطة بجوهر الصراع: المطالبة بتطبيق قرارات لجنة مناهضة التعذيب، ووقف المحاكمات العسكرية للمدنيين، والاعتراف بالصفة السياسية للأسرى، بهذا المعنى يتحول الإضراب من فعل فردي إلى فعل سياسي جماعي يربط مصير الأسير بمصير الشعب خارج القضبان.

ثانيا: التعاطي الشعبي والرسمي مع الإضرابات السابقة
تكشف تجارب الإضرابات السابقة لأسرى گديم إزيك عن فجوة واضحة بين لحظة بدء الإضراب ولحظة التفاعل الشعبي والرسمي معه، لا يبرز التعاطي الحقي إلا عندما يدخل الأسير مراحل متقدمة وخطيرة، و غالبا بعد تجاوز اليوم العشرين من الإضراب، والأخطر أن جزءا كبيرا من التفاعل لا يبدأ إلا عندما تصبح قضية الأسير رائجة في وسائل إعلام أجنبية أو حقوقية.

هذا التأخير له كلفة باهظة، فهو ينهك صحة الأسير ونفسيته ويمنحه شعورا بالعزلة، وفي المقابل يمنح دولة الاحتلال هامشا واسعا للتهاون والتماطل في الاستجابة، لأنها تدرك أن الضغط الخارجي لم يتشكل بعد، وبالتالي فإن غياب التزامن بين الإضراب والتعاطي الجماهيري يضعف من فعالية السلاح الذي يملكه الأسير.

ثالثا: دور المنظمات الدولية وعلاقته بموقف الاحتلال:

يخضع تعاطي المنظمات الدولية لحقوق الإنسان مع ملف الأسرى المضربين لمنطق “الضغط التراكمي”، لا تتحرك هذه المنظمات بمعزل عن حجم المراسلات والشكايات الواردة إليها، كلما تعددت الجهات المراسلة وتكررت وتزامنت مع تغطية إعلامية واسعة، خاصة من الإعلام الإسباني والدولي، كلما ارتفع مستوى الحرج الدبلوماسي على دولة الاحتلال.

هنا يبرز الدور الحاسم للضغط الشعبي والإعلامي الوطني، فهو المحرك الأساسي لصناعة “قضية رأي عام” تجعل المنظمات الدولية مضطرة للتدخل والاستفسار، وهذا التدخل بدوره ينعكس بشكل مباشر على سرعة استجابة دولة الاحتلال، فالاحتلال لا يتعاطى مع الملف الصحي للأسير منطلق إنساني، بل منطلق حسابات الصورة والكلفة السياسية، وعندما تتحول حالة الأسير إلى ملف دولي، يصبح من الأسهل على الاحتلال تقديم تنازلات جزئية لتفادي الفضيحة.

رابعا: انعكاس التضامن الجماهيري والإعلامي على وضع الأسير:
إن جدية تعاطي الاحتلال مع مطالب الأسرى وحالتهم داخل الزنازين ليست ثابتة، بل هي دالة مباشرة على حجم التضامن الخارجي، عندما تكون الجماهير الصحراوية حاضرة في الشارع و يكون الضغط الاعلامي على منصات مواقع التواصل و التداول، وعندما يكون الإعلام الوطني قادرا على تحويل إضراب فرد إلى قضية وطنية يومية، فإن ذلك يخلق طوق نجاة للأسير.

هذا الحضور يمنع الاحتلال من إهمال الحالة الصحية أو اللجوء إلى سياسة الإهمال الطبي المتعمد، كما أنه يرفع سقف التفاوض و يجبر إدارة السجن على التعامل مع الأسير كـ “قضية” وليس كـ “رقم”، في غياب هذا التضامن، يعود الأسير إلى العزلة، وتعود الدولة إلى سياسة التسويف.

خامسا: موقف الآليات الأممية من قضية مجموعة گديم إزيك:
شكلت قضية مجموعة “گديم إزيك” محطة بارزة في تقييم الآليات الأممية لحقوق الإنسان لوضع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، فمن جهة اعتبر الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في رأيه رقم 23/2023 المقدم إلى الدورة 60 لمجلس حقوق الإنسان، أن احتجاز 18 معتقلا سياسيا صحراويا من المجموعة يشكل _احتجازا تعسفيا، وطالب دولة المغرب بـ الإفراج الفوري وغير المشروط عنهم، واستند الفريق في ذلك إلى أنهم محتجزون بشكل غير قانوني لأكثر من عقد، وأن الأحكام الصادرة ضدهم بنيت في جوهرها على اعترافات انتزعت تحت التعذيب الجسدي وفي ظروف سيئة للغاية، كما أوصى بتوفير سبل الانتصاف والتعويض للضحايا، وأعرب عن قلقه من تقارير عن أعمال انتقامية طالت عائلات المعتقلين ومحاميهم.

ومن جهة أخرى، خلصت لجنة مناهضة التعذيب إلى أن المغرب انتهك التزاماته بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب في معالجة هذه القضية، فقد أدانت اللجنة اعتماد المحاكم على اعترافات منتزعة بالإكراه، وانتقدت عدم إجراء تحقيقات فورية ومحايدة في مزاعم التعذيب، مما يشكل إخلالا بالمواد 12 و13 و15 من الاتفاقية، كما أعربت عن قلقها من محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، وطالبت بتحسين ظروف الاحتجاز ووقف العزل الانفرادي، وانتهت اللجنة إلى التوصية بـ _إجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، وإعادة النظر في الأحكام، وتعويض الضحايا.

وقد دعمت منظمات دولية كمنظمة العفو الدولية و”فرونت لاين ديفندرز” هذه المواقف، معتبرة أن استمرار سجن المجموعة بأدلة مشكوك فيها يؤكد غياب المحاكمة العادلة.
وبذلك يتقاطع قرار الفريق الأممي مع استنتاجات لجنة مناهضة التعذيب حول ثلاثة عناصر مركزية: التعذيب، غياب التحقيق الفعال، والمحاكمة غير العادلة، وهو ما يجعل قضية گديم إزيك نموذجا على حدود فعالية الضمانات الدولية في سياق النزاع.

يؤكد تحليل حالة أسرى گديم إزيك أن الإضراب عن الطعام ليس مجرد فعل احتجاجي، بل هو خطاب سياسي كامل يكتبه الأسير بجسده، لكن فعالية هذا الخطاب لا تتحدد داخل الزنزانة فقط، بل تتحدد في الخارج، فالتعاطي الشعبي المتأخر، وضعف المراسلات الحقوقية، وغياب الزخم الإعلامي، كلها عوامل تفرغ الإضراب من مضمونه وتطيل معاناة الأسير.

و عليه، فإن المعركة الحقيقية تبدأ بعد إعلان الإضراب، معركة نقل الصوت من داخل الزنزانة إلى الشارع و الى منصات مواقع التواصل المؤثرة، ومن الشارع إلى المنظمات الدولية، ومنها إلى طاولة الضغط على الاحتلال. فكلما كان هذا النقل أسرع وأوسع، كانت فرصة الأسير في البقاء على قيد الحياة وفي انتزاع مطالبه أكبر.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top