كانت مدرسة 9 يونيو الوطنية في مخيمات اللاجئين الصحراويين، قرب مدينة تندوف الجزائرية، أكثر من مجرد مدرسة نتعلم فيها القراءة والكتابة والحساب والتاريخ والجغرافيا.
كانت عالماً كاملاً.
كانت بيتاً ثانياً لأجيال كثيرة من أبناء الشعب الصحراوي، وفضاءً عاش فيه الأطفال والشباب أجمل سنوات العمر، سنوات البساطة والبراءة، سنوات لم يكن فيها للإنترنت مكان، ولا للهواتف المحمولة وجود، ولا للتلفزيون ذلك الحضور الذي نعرفه اليوم.
كانت أياماً مختلفة…
أيام كان الطفل فيها يخرج من القسم، فيجد أمامه الساحة الواسعة، والرمل، ورفاقه، وكرة يتقاذفونها، فيبدأ اللعب دون أن يحتاج إلى شاحن أو بطارية أو كلمة سر.
كان يكفينا أن ينادي أحدنا:
“يالله نلعبو!”
فتبدأ المباراة.
وكانت الصداقة يومها شيئاً آخر.
لم نكن نحتاج إلى هاتف لنعرف أين يوجد صديقنا؛ كنا نعرف خيمته، ونعرف أهله، وإذا غاب عنا يوماً أو يومين سألنا عنه.
كانت الصحبة وجهاً لوجه، والضحكة من القلب إلى القلب.
الشريج… قلب المدرسة
وفي وسط المدرسة كان هناك معلم من معالمها التي لا يمكن أن ينساها من عاش تلك الأيام.
كان هناك الشريج، أو ذلك الخزان المائي الكبير الذي كان قائماً وسط المدرسة، وتوجد فيه حنفيات من كل جانب.
كان الشريج جزءاً من حياتنا اليومية.
هناك كنا نغسل وجوهنا، ونغسل رؤوسنا، ونتوضأ منه للصلاة، ونملأ الماء، وهناك أيضاً كانت تحدث بعض المشاغبات البريئة التي لا تخلو منها حياة الأطفال.
واحد يغسل وجهه…
والثاني يرش الماء على صاحبه…
والثالث واقف يتفرج ويضحك…
والرابع لا يعرف كيف دخل في المشكلة أصلاً!
وكانت المدرسة تضم حماماً خاصاً بالذكور وآخر خاصاً بالبنات، وفي حمام الأطفال كان هناك رجل طيب وفكاهي اسمه محمود.
ومحمود، رحمه الله أو حفظه الله إن كان بيننا، كان عنده أسلوب خاص في التعامل مع الأطفال.
كان يأخذ دلو الماء، ويصفنا صفوفاً ونحن متراصون داخل الحمام، ثم يبدأ بسكب الماء علينا، وهو يطلق عبارته المشهورة:
“حَك يگلع اختك لكبيرة!”
فتتعالى الضحكات من كل مكان.
واحد يحاول يهرب من الماء، والثاني يلتصق بصاحبه، والثالث يضحك حتى لا يكاد يستطيع الوقوف، ومحمود يزيدنا من لقطاته الفكاهية.
كانت لحظات عادية في ذلك الوقت…
لكنها اليوم أصبحت من أثمن الذكريات.
اتشكِيطة… وجيوبها لها حكاية!
ومن ينسى الزي المدرسي للبنين؟
ومن ينسى تلك اتشكِيطة الأسطورية؟
كانت اتشكِيطة جزءاً من الزي المدرسي، ولكنها عندنا كانت تؤدي وظيفة أخرى لا علاقة لها بالمنهج الدراسي!
جيوبها كانت مخازن متنقلة!
فيها الأقلام، والمحايات، وأحياناً قطع الخبز، والتمر، وشيء من الزيت والدسم!
كانت وجبات الخبز والزيت والتمر تدخل إلى الجيوب، وتخرج منها آثار الدسم التي تظل شاهدة على ما حدث أثناء الفسحة!
تفتح جيب اتشكِيطة فتجد القلم بجانب المحاية، والتمر بجانب الخبز، والدسم فوق الجميع!
وكأن الجيب يقول:
“أنا جيب تلميذ… وأنا في نفس الوقت مطعم متنقل!”
ههههه.
وكان للزي الموحد للبنات أيضاً حضوره الجميل، وكان منظر التلاميذ والتلميذات بالزي الموحد يعطي المدرسة شكلاً مميزاً، ويجعل الجميع يشعرون أنهم ينتمون إلى مكان واحد…دون إن ننسي دهين الشمع الذي كان تحضره لنا اخواتنا البنات …..هههه…
الدار التي فوق التلة
ومن الأشياء التي لا يمكن أن تغيب عن ذاكرة جيل 9 يونيو تلك الدار التي كانت تقع على تلة شمال المدرسة.
كانت ظاهرة من المدرسة، وكأنها جزء من منظرها الطبيعي.
ربما يراها الإنسان اليوم في إحدى الصور القديمة فيقول: “إنها مجرد دار.”
لكن بالنسبة لمن عاش تلك الأيام، لم تكن مجرد دار.
كانت معلماً من معالم المكان.
كانت جزءاً من الصورة التي حفظتها أعيننا ونحن أطفال.
وإذا شاهد أحد أبناء ذلك الجيل صورة قديمة للمدرسة وظهرت فيها الدار، فمن المؤكد أن ذاكرته ستعود به فوراً إلى تلك الأيام.
الحارس الأمين
ومن ينسى أيضاً الحارس الأمين للمدرسة؟
كان رجلاً يقوم بعمله بكل جدية وأمانة، يحرس المدرسة ويعرف الداخل والخارج، ويحافظ على المكان، وكأنه يحرس بيتاً من بيوت أهله.
كان وجوده جزءاً من حياة المدرسة اليومية.
واليوم، عندما نرى صوره أو نراه في الصور القديمة، نتذكر أن وراء تلك المدرسة أناساً كثيرين كانوا يقومون بأدوارهم بصمت وإخلاص.
مدرسون، ومربون، ومربيات، وأطباء، وعمال خدمات عامة، وحراس، وعمال المغسلة، وكل واحد منهم كان يؤدي مهمته.
المدرسون والمربون
كان في مدرسة 9 يونيو مدرسون أكفاء، وأساتذة ومربون ومربيات، وأطباء، وعمال خدمات عامة.
كل واحد كان يعرف مسؤوليته.
لم تكن المدرسة قائمة على المعلمين وحدهم، بل كانت منظومة كاملة.
الأستاذ يعلم ويربي.
المربي يتابع ويوجه.
الطبيب يهتم بصحة الأطفال.
العامل يخدم المدرسة.
والحارس يحرسها.
وعمال لبندريا، وهي المغسلة التي كنا نسميها بهذا الاسم المتداول عندنا والمتأثر باللغة الإسبانية، كانوا يقومون بخدماتهم اليومية.
كان لكل واحد منهم مكانه في هذه الحياة المدرسية الكبيرة.
الرياضة… عندما كانت المباراة حدثاً كبيراً
وكانت الرياضة جزءاً مهماً من حياة المدرسة.
كانت هناك كرة القدم، وكرة السلة، والكرة الطائرة، والجنباز، ومسابقات رياضية بين الأقسام.
وكانت المباراة في ذلك الوقت حدثاً ينتظره الجميع.
فإذا فاز فريق قسمنا، عشنا بقية اليوم وكأننا أبطال العالم!
وإذا خسرنا، فالأمر واضح:
الحكم هو السبب!
لم يكن فريقنا ضعيفاً أبداً…
لكن الحكم لم يكن في المستوى!
ههههه.
ويبقى السؤال:
هل ما زال رفاق تلك المباريات يتذكرون المباراة التي خسرناها بسبب الحكم؟
السهرات والبرامج الترفيهية
وكانت هناك أيضاً برامج ترفيهية وسهرات فنية بين الأقسام الدراسية.
تلميذ يغني.
وآخر يمثل.
وثالث يقول الشعر.
ورابع يشارك في مسابقة.
وكانت الساحة أو مكان النشاط يتحول في تلك الليلة إلى فضاء مليء بالضحك والتصفيق.
لم تكن هناك شاشات ضخمة، ولا مؤثرات حديثة، ولا أجهزة كثيرة.
كان هناك الأطفال، والمواهب، والضحكات، والتصفيق.
وكان ذلك يكفينا…
زيدان… صاحب المطور الكبير
ومن الأشياء التي لا يمكن أن تكتمل بها حكاية مدرسة 9 يونيو المطور الكبير، أو المولد الكهربائي الذي كان مسؤولاً عن إضاءة المدرسة كلها.
كان مطوراً كبيراً، وكان مسؤولاً عنه رجل طيب الخلق، كبير الهمة، اسمه زيدان.
وزيدان لم يكن مجرد رجل يشغل المطور ويطفئه.
كان جزءاً من الحياة اليومية للمدرسة.
وكان يعرف أن لحظة إطفاء الأنوار ليست دائماً نهاية اليوم…
بل أحياناً تكون بداية الفوضى والضحك!
فحين يعطي زيدان الإشارة بإطفاء الأنوار أو إسكات المطور، يهدأ كل شيء للحظات…
ثم، فجأة، ومن مراقد النوم، تنطلق أصوات الأطفال دفعة واحدة!
صوت من هنا…
وضَحكة من هناك…
واحد ينادي صاحبه…
والثاني يقلد صوتاً غريباً…
والثالث يطلق صيحة من تحت الغطاء…
وتتعالى الضحكات في المراقد..لقطة من لقطات زيدان…
وزيدان، الطيب الكبير، يعرف هذه اللقطات جيداً.
وأحياناً تقع منه واحدة من لقطاته التي لا تُنسى، فتكون الضحكة أكبر، ويصبح إطفاء المطور نفسه فقرة من فقرات الترفيه!
كانت تلك اللحظات من أجمل لحظات الليل.
لا هاتف يضيء تحت الغطاء.
لا شاشة مخفية.
لا إنترنت.
لا أحد يقول:
“أعطني كلمة السر!”
كان الظلام هو الشاشة…
والضحك هو البرنامج…
والرفاق هم كل شيء.
يا ترى منين ظرك فلان؟
واليوم، عندما تعود الذاكرة إلى تلك المدرسة، يبدأ السؤال الذي لا تنتهي إجابته:
يا ترى منين ظرك فلان؟
أين ذهب ذلك الطفل الذي كان يركض معنا في الساحة؟
هل ما زال يتذكر الشريج؟
هل يتذكر الحنفيات؟
هل يتذكر محمود ودلو الماء؟
هل يتذكر عبارته:
“حَك يگلع اختك لكبيرة!”
هل يتذكر اتشكِيطة وجيوبها المليئة بالخبز والزيت والتمر؟
هل يتذكر الزي المدرسي؟
هل يتذكر الدار التي كانت فوق التلة شمال المدرسة؟
هل يتذكر الحارس الأمين؟
هل يتذكر المطور الكبير؟
هل يتذكر زيدان؟
وهل يتذكر تلك اللحظة التي كان فيها زيدان يعطي إشارة إطفاء الأنوار، ثم تبدأ الأصوات والضحكات من مراقد النوم…لقطة من لقطات زيدان….هههه…
وهل يتذكر تلك السهرة الفنية؟
وهل يتذكر المباراة التي خسرناها…
بسبب الحكم؟!
ربما كل واحد من أولئك الأطفال أصبح اليوم رجلاً كبيراً، وربما أصبح أباً أو جداً.
ربما تفرقت بهم المدن والبلدان.
وربما لم يعودوا يعرفون أخبار بعضهم إلا من حين إلى آخر.
لكن شيئاً واحداً لم يتغير:
كل واحد منهم يحمل مدرسة 9 يونيو في ذاكرته.
جيل بلا إنترنت… ولكنه كان متصلاً ببعضه
كان جيلنا لا يملك الإنترنت، لكنه كان أكثر اتصالاً ببعضه.
لم يكن عندنا هاتف محمول، لكننا كنا نعرف أخبار بعضنا.
لم تكن عندنا مواقع تواصل اجتماعي، لكننا كنا نجلس مع بعضنا وجهاً لوجه.
لم تكن عندنا ألعاب إلكترونية، لكن كانت عندنا الساحة.
لم تكن عندنا شاشات، لكن كانت عندنا السماء والنجوم.
لم تكن عندنا مؤثرات صوتية، لكن كانت عندنا أصوات الضحك.
ولم تكن عندنا كل وسائل الراحة التي يعرفها أطفال اليوم، ومع ذلك كانت قلوبنا ممتلئة بالفرح.
كانت الحياة بسيطة…
لكنها كانت جميلة.
يا ليت الزمان يعود يوماً
اليوم، عندما نرى الصور القديمة لمدرسة 9 يونيو، لا نرى فقط جدراناً وأطفالاً.
نرى أعمارنا.
نرى أنفسنا ونحن صغار.
نرى الشريج.
نرى الساحة.
نرى الزي المدرسي.
نرى اتشكِيطة بجيوبها المدهونة بالدسم.
نرى الدار التي فوق التلة.
نرى الحارس الأمين.
نرى المدرسين والمربين.
نسمع في مخيلتنا ضحكة محمود.
ونسمع صوت زيدان وهو يعطي الإشارة للمطور.
ثم نسمع أصوات الأطفال من مراقد النوم…لقطة من لقطات زيدان …..
وتتعالى الضحكات من جديد.
وكأن الزمن لم يمر.
وكأننا ما زلنا هناك.
ما زلنا أطفالاً.
ما زلنا نركض في الساحة.
ما زلنا ننتظر مباراة الغد.
ما زلنا نخفي التمر والخبز في جيوب اتشكِيطة.
وما زال زيدان ينتظر اللحظة المناسبة ليطفئ المطور!
ثم نقول في سرنا:
يا ليت الزمان يعود يوماً…
ليس لأننا نريد أن نسترجع أعمارنا فقط، وإنما لأننا نشتاق إلى بساطة تلك الأيام.
نشتاق إلى زمن كانت فيه الفرحة لا تحتاج إلى شاشة…
وكانت الصحبة لا تحتاج إلى رقم هاتف.
وكانت الضحكة لا تحتاج إلى سبب كبير.
وكان الطفل يستطيع أن يملأ يومه كله بقطعة خبز وزيت وتمرة، ومباراة في الساحة، وسباق مع الرفاق، وسهرة فنية، وحكاية قبل النوم.
تلك هي مدرسة 9 يونيو الوطنية.
لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية.
كانت بيتاً ثانياً.
وكانت مدرسة للحياة.
وكانت شاهدة على أجيال كاملة.
واليوم، بعد مرور السنين، بقيت الجدران في الذاكرة، وبقيت الصور شاهدة، وبقيت الأسماء حاضرة، وبقيت الضحكات مختبئة في زوايا الماضي.
وكلما رأينا صورة من تلك الأيام، نعود أطفالاً من جديد.
سلام على مدرسة 9 يونيو…
وسلام على كل معلم ومربي ومربية وطبيب وعامل وحارس وكل إنسان خدم فيها.
وسلام على كل طفل مر من ساحتها.
وسلام على جيل عاشها في ذلك الزمن الجميل.
فالأيام تمضي… والأجيال تكبر… ولكن بعض الذكريات لا تكبر أبداً.
تبقى كما هي:
طفولة، ورفقة، وضحكة… ومدرسة اسمها 9 يونيو….




