«La Berma»… في هذه الحكاية شيءٌ منّا جميعًا

2057716582 ca0365748f2b169e9f971636aa720ff4a6c1fafc645f12eba13477e841e6308b d
Picture of احمد علين محمد سالم
احمد علين محمد سالم

أحمد علي محمد سالم، صحفي وكاتب ومدوّن صحراوي، يهتم بقضايا الثقافة والهوية والشباب. يسعى من خلال عمله الإعلامي والكتابي إلى تسليط الضوء على تحولات المجتمع الصحراوي، وإبراز قصصه وتجربته الإنسانية والثقافية.

عن الكاتب

❝

وبين هذه الحكايات الكبيرة، احتفظتُ بمشاهد صغيرة بقيت في ذاكرتي. منها جلوس يوقيها لتضع الحناء على يدي أمها. أعادني المشهد إلى زمن كانت فيه هذه الممارسة جزءًا من الألفة العائلية، تتبادل فيها النساء العناية والحديث، ويكون الوقت الذي يقضينه معًا جزءًا من جمالها.

دخلتُ إلى مشاهدة «La Berma» وأنا أعرف أنه يروي قصة امرأة صحراوية قادت فريقًا لإزالة الألغام. لكنني خرجتُ منه وأنا أشعر بأنني شاهدت أجزاءً من حياتنا موزّعة على وجوه أبطاله: خوفنا، وحبّنا، وغربتنا، وانتظارنا، وتلك القدرة التي نواصل بها صناعة الفرح في ظروف لا تمنحنا كثيرًا من أسبابه. كانت لي فرصة مشاهدة الفيلم، وما شدّني إليه هو هذا الاتساع الإنساني؛ كيف تبدأ الحكاية من أرضٍ ملغّمة، ثم تقودنا إلى البيوت والعائلات، وإلى المسافات التي تفصل الصحراوي عن أحبّته، وعن الأرض التي يريد أن يجتمع بهم عليها.

في هذا الوثائقي، الذي أخرجه أغوستين دومينغيث، تحمل يوقيها محمد امبارك تجربتها إلى الشاشة بما فيها من مسؤولية وخوف وحنين. ومن خلالها نقترب من عمل فرق إزالة الألغام، ومن المهمة الإنسانية التي تؤديها في أرضٍ أصبح السير على بعض أجزائها احتمالًا للموت. هناك، يمتد خطر اللغم إلى الإنسان والحيوان وسائر الحياة المحيطة به؛ يقيّد الحركة، ويقطع الطريق، ويجعل المكان الذي يفترض أن يحتضن الحياة مصدرًا لتهديدها.

لكنّ الأشخاص الذين يواجهون هذا الخطر يحملون بدورهم حكايات تستحق أن تُروى. وقد وجدتُ أن الفيلم يمنح تلك الحكايات مساحة تكشف ما وراء المهنة: ما الذي يدفع إنسانًا إلى هذا العمل؟ وكيف يحتمل أن تكون سلامته وسلامة رفاقه معلّقتين بانتباه لا يجوز أن يتعب؟

توقفتُ طويلًا أمام حكاية معطاه، زوج يوغيها. كما يرويها الفيلم، انتقل الرجل من تجربة الطيران والعمل العسكري إلى إزالة الألغام. وفي هذا الانتقال ما يستدعي التأمل: رجلٌ عرف السماء من موقع المقاتل، ثم انحنى على الأرض يبحث عمّا يهدد الحياة فيها. صار جهاز الكشف أداةً لمواجهة أخرى، تتقدم فيها الخطوة بقدر ما تسمح به القدرة على حماية من سيعبر المكان بعدها.

ويحمل هذا المسار جرحًا عائليًا عميقًا. فأخوه الشهيد عمار، الذي شارك في تطهير تفاريتي من الألغام بعد انسحاب القوات المغربية منها، قضى مع رفاق له في انفجار ألغام جرى جمعها أثناء عمليات التطهير. تمنح هذه الحكاية عمل معطاه معنى أشدّ إيلامًا؛ فالخطر الذي يواجهه سبق أن دخل إلى عائلته، وصار له اسم ووجه وذاكرة. وهو، حين يعود إلى الأرض لتطهيرها، يعرف حجم الفقد الذي يمكن أن تتركه قطعة مدفونة فيها.

وفي تجربة يوغيها، تتسع القيادة لتشمل ما يصعب إدراجه في جدول المهام. إنها تنظم العمل، وتتابع شؤونه الفنية واللوجستية، وتتحمل مسؤولية الفريق؛ ثم تجلس إلى جانب رفيقة لها كي تصغي إلى ما أثقله الخوف والبعد عن الأهل.

شدّني ذلك المشهد الذي تبوح فيه إحدى العاملات بخوفها وحنينها إلى عائلتها. شعرتُ بأننا أمام عبئين يتقاسمان الروح نفسها: أن تغيب عن الذين تحبهم، وأن تعرف أن عملك قد يجعل هذا الغياب نهائيًا. هنا تظهر يوغيها في قربها من رفاقها؛ تواسي، وتستمع، وتمنح القلق حقّه في الكلام. فالذين ينقذون الآخرين يحتاجون أيضًا إلى من يسألهم عمّا يشعرون به.

ومن داخل هذا العالم تنشأ حكاية الحب بينها وبين معطاه. يلتقي مسار التعلّم بمسار العاطفة؛ الرجل الذي أسهم في تأطير عاملين صحراويين في إزالة الألغام يصبح شريك حياتها. وقد أحببتُ الطريقة التي يحضر بها هذا الجانب، بما فيه من حشمة وقرب والتزام. للحب هنا لغته التي تتشكل داخل العمل والثقة والمسؤولية المشتركة. وفي بيئة يفرض فيها الموت حضوره كل يوم، يظل الناس قادرين على أن يختار بعضهم بعضًا، وأن يفكروا في بيتٍ وطفلةٍ ومستقبل.

ثم يأخذنا الفيلم إلى وجه آخر من التجربة الصحراوية: الغربة وأوراقها المعلّقة.

تذهب يوقيها إلى إسبانيا للقاء أمها، وتتشابك الزيارة مع الحمل والولادة وطول انتظار الوثائق. تولد ابنتها بعيدًا عن أبيها، فيما يأخذ العمل الزوج إلى الصومال، حاملًا خبرته في إزالة الألغام إلى أرض إفريقية أخرى. تتوزع الأسرة بين أماكن مختلفة، وتصبح الرغبة البسيطة في الاجتماع مشروعًا يحتاج إلى وقت وإجراءات وطرق طويلة.

وجدتُ في هذا الجانب شيئًا أعرفه ويعرفه كثير من الصحراويين: أن تتحول الوثيقة إلى شرط لممارسة حياتك العائلية، وأن تقيس الغياب بمراحل المعاملة الإدارية. يكبر طفل، ويتقدم والدان في العمر، وتتبدل تفاصيل البيت، بينما يظل صاحب الطلب ينتظر جوابًا يتيح له السفر. لهذا الانتظار كلفة لا تظهر في الملفات؛ كلفته أعمارٌ وأحضانٌ ولقاءات مؤجلة.

وتبلغ هذه التجربة كثافتها في رحلة العودة التي يعرضها الفيلم في زمن كورونا. طريق طويل عبر تركيا ثم موريتانيا، ولقاء الأب بابنته في نواكشوط، قبل مواصلة السفر برًا نحو المخيمات. كنتُ أتابع الرحلة وأشعر بأن طولها يحمل داخله طول الانتظار الذي سبقها. كل محطة تقرّب العائلة من اللقاء، وتكشف في الوقت نفسه كم كان عليها أن تبتعد وتدور كي تصل إليه.

كم من المسافات يحتاج الصحراوي إلى قطعها ليلتقي من يحب؟ وكم من الحدود يعبر، وهو ما يزال ينتظر أن تصبح أرضه مكانًا لاجتماع عائلته؟ في ذلك اللقاء الأخير، رأيتُ الفرح ومعه التعب الذي سبقه؛ رأيتُ ما يدفعه الناس من أعمارهم كي ينالوا لحظة تبدو، من الخارج، عادية.

وبين هذه الحكايات الكبيرة، احتفظتُ بمشاهد صغيرة بقيت في ذاكرتي. منها جلوس يوغيها لتضع الحناء على يدي أمها. أعادني المشهد إلى زمن كانت فيه هذه الممارسة جزءًا من الألفة العائلية، تتبادل فيها النساء العناية والحديث، ويكون الوقت الذي يقضينه معًا جزءًا من جمالها.

استدعيتُ، وأنا أشاهد، ما أراه من اتساع منطق السوق في بعض تفاصيل حياتنا داخل المخيمات. فالحناء التي عرفناها ممارسة مشتركة أصبحت، في صور متزايدة، خدمة تُشترى وتدخل في منافسة المظاهر والقدرة على الإنفاق. ولا أنتقص هنا من مهارة من اتخذنها مهنة، لكنني أتساءل عمّا نفقده حين تتراجع مساحة الفعل العائلي المشترك. في يدي الأم، وفي قرب ابنتها منها، استعدتُ معنى الحناء بوصفها وقتًا يُمنح للمحبة.

وحين تستعين يوقيها بأغاني الراحلة مريم الحسان لتهدئة طفلتها، يحضر الانتماء في أكثر صوره حميمية. يدخل الصوت إلى ذاكرة صغيرة قبل أن تستطيع صاحبتها فهم الكلمات. هكذا تنتقل أشياء كثيرة من هويتنا: في أغنية، وفي نبرة أم، وفي عادة تتكرر داخل البيت. تحمل الأسرة معها بعض أرضها، وتمنح أبناءها طريقًا إليها، حتى حين يولدون بعيدًا عنها.

لهذا شعرتُ أن «La Berma» يحمل شيئًا منّا جميعًا. وجدتُ فيه العامل الذي يخاف، والمرأة التي تقود، والأم التي تنتظر، والرجل الذي يحمل فقد أخيه، والعائلة التي تجمع شتاتها، والمحبَّين اللذين التقيا وسط مهمة شاقة. ومن هذا التعدد تأتي، في نظري، قيمة الفيلم؛ إنه يتيح الاقتراب من المجتمع الصحراوي عبر تفاصيله، ومن القضية عبر الناس الذين يعيشونها.

أرى في هذا العمل إضافة يمكن البناء عليها في توثيق التجربة الصحراوية سينمائيًا، وفي منح حكاياتها ما تستحقه من عناية. وقد بقي معي، بعد انتهاء المشاهدة، ذلك الخيط الذي يصل بين تطهير الأرض ولمّ شمل العائلة: الرغبة في حياة آمنة، وفي مكان نستطيع أن نحبّ فيه ونربي أبناءنا ونلتقي أهلنا دون هذا القدر من الخوف والانتظار.

خرجتُ من الفيلم وأنا أفكر في الأرض التي تُنتزع منها الألغام، وفي الحياة التي تنتظر أن تعود إليها. وفي الصحراويين الذين يواصلون، أينما تفرقت بهم الطرق، حمل صورة اللقاء على أرضهم.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top