الاحتماء بالحاضنة العرقية في وجه الدولة، وكسر هيبة مؤسساتها، حين يحدث في سياق كالسياق الصحراوي، لا يمكن فصله عن بنية الاحتلال وممارساته، لا من حيث الأسباب ولا من حيث النتائج. وإذا لم تكن هذه الممارسات خطة مباشرة من الاحتلال المغربي، فهي دون شك تخدم استراتيجيته الكبرى في إضعاف مشروع الدولة الصحراوية وتشويه صورتها وإظهارها ككيان غير قادر على فرض النظام أو احتواء مواطنيه.
الدولة كمفهوم حديث، تقوم على وحدة القانون واحتكار القوة المشروعة، والانتماء الوطني الجامع. أما العودة إلى الحاضنة القبلية كمصدر للحماية أو “العدالة”، فهي نسف عملي لهذه الأسس. في الحالة الصحراوية، تتضاعف خطورة ذلك لأن المشروع الوطني نفسه لا يزال في طور التثبيت، وسط صراع وجودي مع قوة استعمارية تحتل الأرض وتحاول كسر إرادة الشعب.
من الناحية العلمية، تظهر تجارب التحرر الوطني حول العالم أن أحد أهم أسلحة الاحتلال هو ضرب الوحدة الداخلية وتشجيع النزعات الانقسامية: عرقية، دينية، جهوية أو قبلية. لأنها تخلق حالة من التآكل الداخلي، تستهلك الطاقة المجتمعية في صراعات ثانوية، وتمنح الاحتلال مبرراً لخطابه أمام العالم بأن “البديل عن وجوده هو الفوضى”. وهذا بالضبط ما يخدمه الاحتماء بالقبيلة في مواجهة مؤسسات الدولة الصحراوية.
في الجانب العملي، تشجع هذه السلوكيات على سحب الشرعية من المؤسسات المنتخبة أو المكلفة بإدارة الشأن العام، مما يضعف قدرتها على الفعل، ويجعل أي قرار سيادي عرضة للطعن العاطفي أو القبلي، لا المؤسسي أو القانوني. والنتيجة، هي دولة “شكلية” لا تملك سلطة حقيقية، ويصبح الاحتلال في نظر البعض – ولو بشكل غير مباشر – الطرف الأكثر “تنظيماً” و”استقراراً”.
أما من حيث الحلول، فلا يمكن معالجة هذه الظاهرة إلا بتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان التمثيل العادل لكل المكونات داخل المؤسسات، مع حملة توعية وطنية شاملة تشرح مخاطر الاحتماء بالقبلية على مستقبل القضية. كما يجب تفكيك فكرة أن “الدولة ضد القبيلة”، بل بالعكس، الدولة الصحراوية الحديثة يجب أن تكون راعية لكل المكونات، وموحدة لها، لا خصماً لأي منها.
في الختام، كسر هيبة الدولة الصحراوية يصب، عن وعي أو عن جهل، في مصلحة الاحتلال المغربي، لأنه يضعف الجبهة الداخلية ويفتح الباب لخطابات التشكيك والإحباط. وبناء الدولة ليس مجرد رفع شعار أو تأسيس مؤسسات، بل هو أيضاً تثبيت لثقافة الانتماء الوطني، واحترام القانون، والانتصار للمشترك الوطني على الخاص الفئوي أو القبلي.




