لم تنشأ السمارة بقرار استعماري، ولم تكن امتدادًا لمركز إداري أقامته قوة أجنبية، بل ولدت من داخل المجتمع الصحراوي وفي قلب مجاله الجغرافي والثقافي. اختار الصحراويون موضعها، وشاركوا في بنائها وحمايتها، وحملوا إليها معرفتهم بالأرض والماء ومسالك القوافل. وفي قلب هذا المشروع وقف الشيخ ماء العينين، العالم الصحراوي الذي قاد عملية تحويل المكان من محطة تعبرها القوافل إلى حاضرة مستقرة للعلم والعبادة والتجارة والمقاومة.
لذلك لا يمكن كتابة تاريخ السمارة من دون إبراز الدور المركزي للشيخ ماء العينين، كما لا يجوز اختزال تأسيسها في جهد فرد واحد أو فصل مشروعه عن الشعب الصحراوي. كانت المدينة ثمرة رؤية قادها الشيخ، وإرادة جماعية وفرت لها البشر والمعرفة والحماية والامتداد الاجتماعي.
قبل المدينة: مجال عرفه الصحراويون
قبل أن تظهر السمارة في صورتها العمرانية، كان مجالها جزءًا من شبكة صحراوية واسعة تتقاطع فيها طرق القوافل القادمة من واد نون وتندوف وشنقيط وآدرار وتمبكتو. ولم تكن هذه الطرق مجرد ممرات لتبادل السلع؛ فقد انتقلت عبرها الكتب والمخطوطات والأخبار والمعارف، وتحرك العلماء والطلبة والتجار بين شمال إفريقيا وبلاد شنقيط وعمق الساحل الإفريقي.

الصورة: ميشال فيوشانج، 1 نوفمبر 1930. المصدر: كتاب Smara, carnet de route. الملكية العامة.
عرف الصحراويون المنطقة بآبارها وأوديتها ومراعيها ومواسمها، وراكموا معرفة دقيقة بطرق التحرك والاستقرار داخلها. وفي أواخر القرن التاسع عشر، اختار الشيخ ماء العينين هذا المجال لإقامة مركز دائم لا يكون محطة عابرة فحسب، بل حاضرة تجمع بين الاستقرار والعلم والعبادة والتجارة، وقاعدة لتنظيم المجتمع الصحراوي في مواجهة التوسع الاستعماري الفرنسي والإسباني.
في سنة 1898 شرع الصحراويون، بقيادة الشيخ ماء العينين، في بناء المدينة. فشيدت القصبة وأقيم المسجد وأسست الزاوية، وظهرت مرافق للسكن والتدريس واستقبال الوفود وحفظ المؤن والكتب. ولم تكن تلك المنشآت مجموعة مبانٍ منعزلة، بل نواة مشروع حضري متكامل ينسجم مع حاجات البيئة الصحراوية والمجتمع الذي نشأ فيه.
الشيخ ماء العينين ومشروع الحاضرة العلمية
يحتل الشيخ ماء العينين مكانة راسخة في الذاكرة الصحراوية بوصفه فقيهًا ومؤلفًا ومربيًا وقائدًا روحيًا وسياسيًا. وقد جعل من السمارة مركزًا للتعليم والتأليف والفتوى واستقبال طلبة العلم، وربطها بشبكة من الزوايا والعلماء ومسالك القوافل.
تأسست في المدينة مكتبة ضمت مجموعة مهمة من الكتب والمخطوطات في الفقه والتفسير والحديث واللغة والتاريخ. وأصبحت الزاوية فضاءً للتعليم واستقبال العلماء والمسافرين، في حين شكلت القصبة مركزًا للإقامة والإدارة وتنظيم شؤون المشروع.
لكن حضور الشيخ ماء العينين في قلب قصة السمارة لا يعني أن المدينة كانت مشروعًا فرديًا. فالرؤية التي حملها ما كان لها أن تتحول إلى حاضرة من دون الصحراويين الذين شاركوا في البناء، ووفروا الحماية والإمداد، وربطوا المدينة بمحيطها القبلي والتجاري، ووضعوا معرفتهم بالأرض في خدمة الاستقرار.
لم يأت الشيخ ماء العينين إلى فضاء مجهول أو أرض خالية من السكان، بل عمل داخل مجتمع صحراوي قائم. وتحولت رؤيته إلى واقع بفضل قدرات ذلك المجتمع وعلاقاته ومعرفته بالمجال. ولهذا فإن التأكيد على دوره لا يتعارض مع صحراوية المدينة، بل يكشف كيف استطاع عالم صحراوي أن يحول معرفة شعبه بالصحراء إلى مشروع علمي وعمراني ومقاوم.
كما لا يمكن تحويل المراسلات والتحالفات والمساعدات التي أقامها الشيخ مع قوى مختلفة في عصره إلى دليل قانوني على سيادة دولة بعينها على الصحراء الغربية. فقد كان يتحرك في سياق إقليمي معقد، ويبحث عن الموارد والتحالفات الضرورية لمواجهة التوسع الاستعماري الأوروبي.
أما الوضع القانوني للإقليم وحق شعبه في تقرير المصير، فقد أصبحا جزءًا من مسار دولي لتصفية الاستعمار. ولا يجوز إسقاط مفاهيم الدولة والحدود المعاصرة بصورة انتقائية على علاقات دينية أو تجارية أو سياسية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر.
جغرافيا السمارة: حين قادت معرفة الأرض إلى بناء المدينة
لم يكن اختيار موضع السمارة قرارًا عشوائيًا. فقد نشأت المدينة في المجال الأوسط لحوض الساقية الحمراء، ضمن منطقة عرفت تاريخيًا بحركة القوافل وتوافر المراعي والمياه الجوفية. ويغلب على محيطها المشهد الصحراوي الصخري بما يشمله من سهول وهضاب منخفضة وأودية موسمية ومنخفضات تتجمع فيها مياه الأمطار النادرة.
لا تحيط بالسمارة سلاسل جبلية شاهقة، بل تمتد حولها أرض منبسطة نسبيًا، تتخللها الحافات الصخرية والمرتفعات المحدودة ومجاري الأودية الجافة. وتكتسب هذه الأودية أهميتها من قدرتها على تغذية المياه الجوفية واحتضان النباتات الرعوية بعد سقوط الأمطار، وهو ما جعل المنطقة ملائمة للقوافل والرعي وإقامة تجمع بشري مستقر ويعد واد عوين سلوان حسب بعض الدراسات الجغرافية اواسعها في المجال المحيط بالسمارة وقد نقلت الوثائق الإسبانية اسمه بصيغة Uain Seluán. وتورد مصادر جغرافية أخرى أسماء مواضع في المجال الأوسط للساقية الحمراء بصيغ إسبانية، منها أسدام الطويل، وأسدام الرياض، وتاسديمت، وأسدام أرتمي، ولمويلحين وودي الفرس.

المصدر: المعهد الجغرافي الوطني الإسباني، الخريطة رقم 20-J-19، سنة 1962.
وتظهر الخريطة الجيولوجية الإسبانية للسمارة، الصادرة سنة 1962 بمقياس 1:500,000، شبكة واسعة من الأودية والتكوينات الصخرية والهضاب. ورغم أن الخريطة أُنتجت لخدمة الإدارة الاستعمارية واستكشاف المجال وموارده، فإنها تشكل اليوم وثيقة يمكن استعمالها نقديًا لمقارنة أسماء المواضع واستعادة الجغرافيا التاريخية للمدينة.
إن جغرافيا السمارة ليست مجرد خلفية طبيعية لتاريخها؛ فهي جزء أساسي من تفسير نشأتها. لقد عرف الصحراويون مواضع المياه ومسالك القوافل ومواسم الرعي، ووضعوا هذه المعرفة في خدمة مشروع الاستقرار الذي قاده الشيخ ماء العينين. وهكذا لم تُبنَ المدينة في فراغ، بل نشأت من علاقة تاريخية بين الإنسان الصحراوي وأرضه.
أسلي بوكرش: ذاكرة أقدم من المدينة الحديثة
لم يبدأ الحضور البشري في مجال السمارة مع بناء المدينة أواخر القرن التاسع عشر. ففي أسلي بوكرش، وفي مواقع أخرى بمحاذاة الأودية المحيطة بالمدينة، توجد نقوش صخرية تصور حيوانات وأشكالًا ورموزًا مختلفة.
وقد وثقت دراسات أثرية مواقع للنقوش بالقرب من المطار القديم وعلى امتداد أجزاء من المجال المحيط بوادي عين سلوان. ونقشت الرسوم على ألواح من الحجر الرملي، وتكشف عن حضور بشري قديم وصلات ثقافية امتدت عبر الصحراء الغربية وموريتانيا ومناطق أخرى من شمال إفريقيا. وتضيف هذه الشواهد طبقة أعمق إلى تاريخ السمارة؛ فالمدينة الحديثة لم تظهر في أرض بلا ذاكرة، بل قامت داخل مجال عرف الحركة البشرية والرعي والعبور والتواصل منذ عصور سابقة. ومن هنا تصبح حماية النقوش والأودية وأسماء المواضع جزءًا من حماية تاريخ المدينة نفسه. فطمس الاسم الصحراوي للمكان أو فصله عن محيطه الثقافي قد يكون شكلًا آخر من أشكال محو الذاكرة.
حملة 1913: ضرب المدينة واستهداف ذاكرتها العلمية
جعلت المكانة العلمية والسياسية التي اكتسبتها السمارة منها هدفًا للتوسع الاستعماري الفرنسي. وفي فبراير 1913 وصلت إليها حملة عسكرية فرنسية قادمة من آدرار الموريتاني الخاضع للاستعمار الفرنسي، بقيادة الكولونيل موريه. جاءت العملية في سياق المواجهة مع القوى الصحراوية التي استمرت في مقاومة التوسع الاستعماري بعد وفاة الشيخ ماء العينين. ووجدت الحملة المدينة شبه خالية من السكان، لكنها قامت بنهب منشآت وتخريب أجزاء من القصبة والمسجد وإحراق كتب ومخطوطات. لم تستهدف الحملة موقعًا عسكريًا فحسب؛ فقد أصابت مركزًا للعلم والتأليف والتعليم كان قد نشأ خلال سنوات قليلة في قلب الصحراء. وشكل إحراق الكتب والمخطوطات ضربة قاسية للمشروع الثقافي الذي مثلته السمارة.
تتضمن الروايات اللاحقة تقديرات مختلفة لحجم المكتبة وعدد المخطوطات التي أتلفت، ولا تتوافر حتى الآن قائمة أرشيفية تسمح بتحديد العدد بدقة. لذلك من الأصح القول إن المكتبة كانت تضم مجموعة مهمة من الكتب والمخطوطات، وإن جزءًا كبيرًا من محتوياتها تعرض للنهب أو الإحراق، من دون تقديم رقم غير محسوم بوصفه حقيقة نهائية.
كان الهجوم محاولة لضرب المكانة العلمية والرمزية للمدينة، لكنه لم يمحها من الذاكرة الصحراوية. فما نجا من مبانيها وكتبها، وما تناقلته العائلات والعلماء من رواياتها، أبقى السمارة حاضرة بوصفها مدينة للعلم ومركزًا لمقاومة الاستعمار.
الاحتلال الإسباني: إخضاع مدينة سبقت المستعمر
رغم إعلان إسبانيا مطالبها الاستعمارية في الساقية الحمراء ووادي الذهب منذ أواخر القرن التاسع عشر، بقي وجودها الفعلي محصورًا زمنًا طويلًا في نقاط ساحلية محدودة. أما المناطق الداخلية، فظلت خارج سيطرتها العسكرية المباشرة، وكانت القبائل الصحراوية تتحرك فيها وفق نظمها وعلاقاتها ومسالكها التقليدية.
في 15 يوليو 1934 دخلت إلى السمارة وحدة محمولة على الجمال تابعة للجهاز العسكري الاستعماري الإسباني، يقودها ضباط إسبان. ورفعت القوة العلم الإسباني فوق القصبة، لتبدأ بذلك مرحلة الاحتلال العسكري والإداري المباشر للمدينة. لم تكن العملية «اكتشافًا» للسمارة كما صورتها بعض الكتابات الاستعمارية؛ فالمدينة كانت معروفة للصحراويين، وقد شيدوها قبل وصول القوات الإسبانية بأكثر من ثلاثة عقود. كما كانت مركزًا للعلم والعبادة والمقاومة، وسبقت منشآتها العمرانية الوجود الإداري الإسباني.
استخدم الجهاز الاستعماري وحدات من قواته للسيطرة على المجال الداخلي. ولم تكن العملية تعبيرًا عن إرادة المجتمع الصحراوي؛ بل جزءًا من عملية عسكرية استعمارية تقودها إسبانيا وتستخدم السكان المحليين لإخضاع أرضهم. بعد الاحتلال شرعت الإدارة الإسبانية في إقامة التحصينات ومرافق الاتصال والمطار والمباني العسكرية والإدارية. وهكذا خضعت حاضرة أسسها الصحراويون لنظام استعماري لم يشارك أهل الأرض في اختياره. وظلت القصبة والزاوية والمسجد شواهد على حقيقة يصعب على الرواية الاستعمارية محوها: إسبانيا لم تؤسس السمارة، وإنما احتلت مدينة كانت قد اكتسبت قبل وصولها اسمها ومعمارها ووظيفتها العلمية وهويتها الصحراوية.
من مقاومة إسبانيا إلى حركة التحرير الوطني
خلال العقود اللاحقة، تطورت أشكال الوعي والمقاومة الصحراوية للاستعمار الإسباني. ومع تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب سنة 1973، دخل الكفاح الوطني مرحلة التنظيم السياسي والعسكري المباشر.
واجهت جبهة البوليساريو القوات الإسبانية، وفرضت القضية الصحراوية نفسها بوصفها قضية تصفية استعمار. وكان المسار المنتظر وفق قرارات الأمم المتحدة هو تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.
لكن إسبانيا، بدل استكمال مسؤوليتها القانونية تجاه الإقليم، وقعت مع المغرب وموريتانيا في 14 نوفمبر 1975 ما عرف باتفاق مدريد الثلاثي. ولم يمنح ذلك الاتفاق السيادة على الصحراء الغربية لأي من الطرفين؛ فقد كان ترتيبًا لتسليم الإدارة، لم تعترف به الأمم المتحدة حلًا نهائيًا لوضع الإقليم، ولم يلغِ حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
وقبل الاتفاق بأقل من شهر، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975. وخلصت إلى أن المعلومات المقدمة إليها لا تثبت وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية أو الكيان الموريتاني من شأنها أن تحول دون تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة شعب الإقليم.
الاحتلال المغربي للسمارة
في 31 أكتوبر 1975 دخلت قوات مغربية إضافية إلى الصحراء الغربية، واندلعت المواجهات المسلحة مع جبهة البوليساريو. وفي 27 نوفمبر من السنة نفسها،احتلت القوات المغربية السمارة في سياق الاجتياح العسكري الذي رافق انسحاب إسبانيا وتقسيم الإقليم بموجب اتفاق مدريد.
بالنسبة إلى الشعب الصحراوي وحركته الوطنية، تمثل هذا في انتقالًا من استعمار إسباني إلى احتلال مغربي حال دون استكمال تصفية الاستعمار. فالشعب الذي كان يفترض أن يختار مستقبل أرضه وجد نفسه أمام جيش جديد يفرض أمرًا واقعًا بالقوة. أدى الاجتياح والحرب إلى نزوح أعداد كبيرة من الصحراويين نحو المناطق الداخلية ثم إلى مخيمات اللاجئين. وتفككت عائلات ومجتمعات محلية بين المدن المحتلة والمخيمات والأراضي المحررة والشتات.
وأصبحت السمارة، مثل غيرها من مدن الصحراء الغربية، جزءًا من جغرافيا ممزقة بفعل الاحتلال والحرب. ولم يعد تاريخها منفصلًا عن تجربة النزوح واللجوء والمقاومة والانقسام القسري للأرض والشعب.
الجدار العسكري وتفكيك المجال الصحراوي
خلال ثمانينيات القرن العشرين، شيد المغرب سلسلة من الجدران الرملية العسكرية المحصنة بالألغام والأسلاك والرادارات ومواقع المراقبة. وأحاطت هذه المنظومة بالمراكز السكانية والاقتصادية الكبرى في الصحراء الغربية، ومن بينها السمارة، وفصلت المدينة عن امتدادها الصحراوي الطبيعي. لم يكن الجدار مجرد إنشاء دفاعي؛ فقد قطع طرق الرعي والتنقل، وفصل العائلات، وقيد الوصول إلى مناطق المياه والمراعي، وحول المجال الذي عرف تاريخيًا بحركة القوافل والقبائل إلى فضاء عسكري مراقب.
وهكذا أصابت آثار الاحتلال جغرافيا السمارة نفسها. فالمدينة التي نشأت عند تقاطع الطرق أصبحت محاصرة بمنظومة عسكرية تمنع حرية الحركة بين الأراضي المحتلة والأراضي المحررة ومخيمات اللاجئين.
العمران والذاكرة تحت الاحتلال
لم تقتصر التحولات التي عرفتها السمارة خلال العقود الأخيرة على توسع المباني أو تغير عدد السكان، بل امتدت إلى الذاكرة البصرية والاجتماعية للمدينة.
جرى ترميم بعض المباني والمنشآت، وإعادة توظيف عدد من المعالم التاريخية داخل خطاب رسمي يسعى إلى فصلها عن سياقها الوطني الصحراوي. وفي هذا الإطار، يمكن تحويل قصبة الشيخ ماء العينين والزاوية والمسجد إلى مجرد مواقع سياحية أو دينية، مع إبعادها عن قصة المجتمع الذي بناها وعن تاريخ مقاومة الاستعمار.
كما غيرت سياسات التوطين التركيبة السكانية للمدينة، وربطت فرص العمل والسكن والامتيازات بمنظومة الاحتلال وإدارته. وفي المقابل، يواجه الصحراويون قيودًا على التعبير السياسي والتنظيم ورفع العلم الصحراوي وتوثيق الانتهاكات.
وقد تناولت آليات أممية حالات لصحفيين ومدافعين صحراويين في السمارة تعرضوا للاعتقال والملاحقة بسبب نشاطهم الإعلامي ومطالبتهم بحق تقرير المصير. ومن بينها قضية الصحفي الصحراوي خطري دادة، التي نظر فيها فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي.
وتبين هذه الوقائع أن الصراع حول المدينة لا يتعلق بالماضي وحده، بل بمن يملك اليوم حق رواية تاريخها والتعبير عن هويتها وتوثيق ما يقع داخلها.
معالم تحفظ ذاكرة السمارة
ما تزال مجموعة من المعالم المادية والطبيعية تحفظ طبقات مختلفة من تاريخ المدينة:
- قصبة الشيخ ماء العينين، باعتبارها قلب المشروع التأسيسي ومركز الإقامة والإدارة والتعليم.
- الزاوية والمسجد التاريخي، وما ارتبط بهما من تدريس وعبادة واستقبال للعلماء والطلبة.
- موقع المكتبة التاريخية، وما يمثله إحراق كتبها ومخطوطاتها من استهداف للتراث المعرفي.
- ضريح الشيخ سيدي أحمد العروسي، ضمن الذاكرة الدينية والاجتماعية للمنطقة.
- الأودية والمجال المحيط بالمدينة، الذي وفر الماء والمراعي وشروط الاستقرار.
- مواقع النقوش الصخرية في أسلي بوكرش، بوصفها شهادة على عمق الحضور البشري.
- المطار والمنشآت الإسبانية القديمة، باعتبارها آثارًا لمرحلة الاحتلال، لا أساسًا لنشأة المدينة.
- الأحياء والفضاءات الشعبية الصحراوية، التي تحفظ الذاكرة الشفوية وتجارب النزوح والمقاومة والانتفاضات.
ولا تكفي حماية المباني وحدها لصيانة هذا الإرث؛ لأن حماية المدينة تعني أيضًا حفظ أسمائها الحسانية، وتوثيق روايات سكانها، واستعادة تاريخ علمائها وبناتها، ومنع تحويل تراثها إلى أداة لتبرير واقع سياسي مفروض بالقوة.
فالقصبة من دون رواية من بنوها، والمكتبة من دون علمائها، والوادي من دون اسمه الصحراوي، قد تتحول جميعها إلى معالم صامتة تستعمل لإنتاج تاريخ مغاير لتاريخها.
مدينة صحراوية لا تختصرها رواية الاحتلال
السمارة ليست مجرد تجمع عمراني في قلب الصحراء، ولا مجرد موقع ارتبط بشخصية الشيخ ماء العينين، ولا ثكنة ورثها احتلال عن آخر. إنها مشروع صحراوي جمع بين المعرفة بالمكان والطموح إلى الاستقرار، وبين التعليم والمقاومة، وبين حياة القوافل وفكرة الحاضرة.كان الشيخ ماء العينين قائد المشروع وروحه العلمية، وكان الصحراويون مادته البشرية والاجتماعية. هم الذين بنوا وحموا ودرسوا ودرّسوا وربطوا المدينة بامتدادها الصحراوي.
ثم جاءت الحملة الفرنسية لتضرب مركزها الثقافي، ودخلتها إسبانيا لتخضعها لنظامها الاستعماري، قبل أن تحتلها القوات المغربية سنة 1975 وتحول دون استكمال حق شعبها في تقرير المصير.
ومع ذلك، بقيت السمارة صحراوية في نشأتها وذاكرتها وأسماء أوديتها ووجدان أهلها. ومن القصبة إلى المكتبة، ومن أسلي بوكرش إلى معارك التحرير، تحكي المدينة تاريخ شعب لم يكن هامشًا في أرضه، بل كان صاحب المكان وبانيه والمدافع عن حريته.




