من مدرسة 9 يونيو إلى خاركوف وفيرارا، ثم العودة إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين؛ حكاية صيدلي آمن بأن صناعة الدواء طريق نحو الاستقلال، وأن العلم لا تكتمل قيمته إلا حين يتحول إلى خدمة للناس.
وُلد محمد لمين عبدي بلاو سنة 1968، وبدأ تعليمه الابتدائي في مدرسة 9 يونيو، قبل أن ينتقل إلى ليبيا، حيث واصل دراسته حتى سنة 1984. وبعد ذلك انتقل إلى مدينة أدرار الجزائرية، وهناك حصل على شهادة البكالوريا.
لم تكن الصيدلة خياره الشخصي في البداية، فقد كانت وزارة التعليم هي التي وجّهته إلى هذا التخصص واختارت إرساله للدراسة في الخارج. لكنه سيحوّل ذلك الاختيار لاحقاً إلى مشروع عمر ارتبط بخدمة الإنسان الصحراوي، وبمحاولة بناء قدر من الاستقلال الصحي داخل واقع اللجوء.
إلى موسكو… نحو المجهول
في أواخر سنة 1988، غادر محمد لمين المخيمات متوجهاً إلى الجزائر العاصمة، ومنها إلى موسكو. كانت الرحلة بداية مرحلة مجهولة بالنسبة إليه وإلى زملائه، خاصة أمام صعوبة اللغة الروسية واختلاف الحياة والنظام التعليمي.
«لم نكن نعرف ماذا ينتظرنا هناك، خاصة أن اللغة الروسية صعبة للغاية.»
وزّعتهم وزارة التعليم الروسية على المدن والجامعات بحسب تخصصاتهم. وبعد سنة كاملة خصصها لدراسة اللغة، التحق محمد لمين بجامعة الصيدلة في مدينة خاركوف الأوكرانية.
يتذكر تلك السنوات باعتبارها مرحلة شديدة الصعوبة؛ فالجامعات كانت صارمة، والمناهج مثقلة بالمواد العلمية، ولا سيما الكيمياء. وإلى جانب صعوبة الدراسة واللغة، واجه الطلبة ظروفاً مادية قاسية، ازدادت تعقيداً بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
لكن محمد لمين واصل دراسته حتى تخرج سنة 1996 حاملاً شهادة الماستر في الصيدلة.
العودة التي بدأت معها الرحلة الأصعب
بعد التخرج، لم يفكر محمد لمين في وجهة أخرى غير المخيمات. لم يكن يعلم آنذاك أن مختبراً لإنتاج الأدوية كان قيد البناء، لكنه كان مقتنعاً بأن مكانه الطبيعي بين أبناء شعبه.
«عدت مباشرة إلى المخيمات، لتبدأ رحلة أكثر صعوبة وأشد تعقيداً.»
كانت الصعوبة هذه المرة مختلفة. فبدلاً من تحديات اللغة والدراسة، اصطدم بواقع إداري لم يكن مستعداً لاستقبال الكفاءات الجديدة أو الاستفادة منها. وبحسب شهادته، لم تكن الشهادات موضع ترحيب، لأنها كانت تُرى أحياناً باعتبارها منافساً على المناصب وتهديداً لأنماط التسيير القائمة.
ظل نحو عامين تابعاً نظرياً لوزارة الصحة، دون وظيفة أو مهمة محددة، قبل أن يُبلغ بأنه غير مؤطّر رسمياً وأن عليه أداء الخدمة العسكرية، رغم أن ذلك لم يُوضّح له منذ البداية.
انتقل إلى قاعدة الشهيد هداد، ثم إلى مدرسة الشهيد عمي. وهناك لحق به أحد مديري الصحة، طالباً منه العودة لاحقاً للعمل في مختبر إنتاج الأدوية الذي دُشّن سنة 1997، لكنه لم يكن قد بدأ الإنتاج بعد.
مختبر موجود… وإنتاج غائب
بعد إنهاء الفترة العسكرية، عاد محمد لمين إلى وزارة الصحة وبدأ محاولة تشغيل المختبر بما توفر من إمكانات.
كانت المنظمة التي موّلت بناءه على وشك الانسحاب، لأنها لم تر نتائج ملموسة للأموال والجهود التي وضعتها في المشروع. كما كانت المؤسسة تعاني الإهمال، وقد فقد جزء من المواد الأولية صلاحيته.
لم يكن محمد لمين يتحدث الإسبانية، وهي اللغة التي كان يحتاج إليها للتواصل مع المنظمة الممولة، فاضطر في البداية إلى الاستعانة بمترجم، قبل أن يتجاوز الحاجز بجهده الشخصي.
وفي صيف سنة 1998، كانت الحرارة داخل المختبر شديدة، ولم تكن هناك مكيفات أو أنظمة شفط تحمي العاملين من استنشاق المواد السامة. وسط تلك الظروف خطرت له فكرة: إنتاج كمية محدودة من بعض الأدوية وعرضها أمام وزير الصحة، لعل النتيجة الملموسة تدفع المسؤولين إلى التحرك.
قال لزميله يومها:
«الصحراويون لا يؤمنون إلا بما يرونه أمام أعينهم.»
جهّز العاملان نماذج بسيطة رغم الحرارة والمخاطر، ثم استدعيا وزير الصحة وقدّما له شرحاً تفصيلياً عن وضع المؤسسة وقدرتها الممكنة على الإنتاج.
ويحرص محمد لمين على إنصاف وزير الصحة آنذاك، البشير مصطفى، الذي تحمس للمشروع وشجع العاملين، واجتمع بالمنظمة الداعمة وأقنعها بالعودة بعدما كانت على وشك الانسحاب.
سنة التحول
مع نهاية سنة 1998، بدأت عملية تنظيم المواد الأولية، وتركيب المكيفات، وتحسين ظروف التخزين وإدارة المختبر. وشكلت سنة 1999 بداية فعلية وواعدة؛ توسعت خلالها قائمة الأدوية المنتجة وبدأ تكوين العاملين.
وفي سنة 2000، بلغ المختبر أعلى قدراته، لتصبح تلك السنة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المؤسسة.
وبسبب تفاني عمال المختبر وحسن تسييرهم، طلب مدير المركب الصحي سنة 1999 أن يتولى الفريق أيضاً إدارة صيدلية المركب. وظلت الصيدلية تحت إشراف عمال المختبر حتى سنة 2016، عندما أدى خلاف مع مدير جديد إلى إنهاء هذه العلاقة.
«وردة في الصحراء»
مع مرور الوقت، صار الزوار الأجانب يطلقون على المختبر وصف «وردة في الصحراء». كانوا يزورون مؤسسات مختلفة ويلاحظون تدهور أوضاعها، خاصة مع بداية الألفية، ثم يدخلون المختبر فيفاجَؤون بمستوى التنظيم وكفاءة الطاقم.
وكان سؤالهم المتكرر:
«كيف استطعتم الصمود في وقت انهار فيه كل شيء؟»
لم تكن قوة المختبر في تجهيزاته وحدها، بل في فريق بشري تمسك بالمشروع وعمل على تطويره رغم محدودية التمويل والعراقيل الإدارية.
من المختبر إلى البحث العلمي
في سنة 2015، حصل محمد لمين على منحة دراسية في إيطاليا لإعداد الدكتوراه في جامعة فيرارا شمال البلاد. اختار أن يكون موضوع بحثه حول النباتات الطبية الصحراوية، رابطاً تجربته الأكاديمية بالبيئة التي ينتمي إليها.
أكمل الدكتوراه خلال ثلاث سنوات وفي موعدها المحدد، ثم واصل استغلال فرص التعاون المتاحة مع الجامعات والمؤسسات البحثية.
لكنه يرى أن البحث العلمي لا يمكن أن يقوم على المجهود الفردي وحده:
«البحث العلمي يحتاج إلى تمويل، ويحتاج إلى مؤسسات قادرة، وهذه ليست عندنا. أنا أستغل الفرص مع بعض الجامعات أو المؤسسات التي تستفيد بدورها من ذلك.»
ومع ذلك، يرى أن الأهم هو أن ينتبه الشباب الصحراوي إلى هذا المجال، وأن يبدأوا الولوج إليه والاستفادة من الفرص المتاحة.
ستة أشهر من الإضراب
كانت سنة 2024 إحدى أصعب الفترات في تاريخ المختبر. فقد نشب خلاف حاد مع وزارة الصحة، دخل على إثره عمال المؤسسة في إضراب استمر ستة أشهر. وكاد الخلاف ينتهي بتسليم المختبر إلى الوزارة من دون عماله.
يلخص محمد لمين المشكلة بوضوح:
«إن أصعب ما تواجهه المؤسسات هو سوء الإدارة وسيطرة لوبيات الفساد على مفاصل الحركة.»
لكن الفريق اختار أن يرد على الأزمة بالإنتاج. فبعد انتهاء الخلاف، فتح العاملون مباشرة خطاً جديداً لصناعة أدوية الأمراض الجلدية.
«كان ذلك برهاناً منا على قدرة المؤسسة وعمالها على التحدي، وهنا شعرت بفخر عظيم برفاقي وقدرتهم على رفع التحدي.»
جاء الخط الجديد بعد تعاون مع بعثة متخصصة في الأمراض الجلدية من مستشفى كلينيك في برشلونة، وأصبح المختبر يوفر للمرضى الأدوية المستخدمة في هذا المجال، إلى جانب أدوية أخرى أنتج منها كميات كبيرة على امتداد 28 سنة.
الدواء بوصفه استقلالاً
بالنسبة إلى محمد لمين، لا تتعلق صناعة الدواء بالإنتاج الصحي وحده، بل تمثل مسألة استراتيجية تمس قدرة المجتمع على اتخاذ قراره وعدم الارتهان للمساعدات.
«صناعة الدواء مسألة استراتيجية تغنيك عن الاعتماد على الغير وتحقق الاستقلالية، فلا يستطيع أحد أن يضغط عليك أو يبتزك في دعمه. كما أن تكوين العنصر البشري مسألة مهمة للمستقبل.»
تكشف هذه النظرة معنى الابتكار لديه: ليس عرضاً للقدرة الفردية، بل وسيلة لحماية المجتمع وتكوين كفاءاته وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال.
مهنة اختارها له القدر
رغم أن الصيدلة لم تكن اختياره الأول، فإنه يرى اليوم أن الله اختار له مهنة مرتبطة بخدمة الناس. وعندما يشعر بالتعب، يستمد قوته من التفكير في المرضى الذين يجدون راحتهم في ما يقدمه المختبر.
«عندما أتعب، أول شيء أفكر فيه هو أن هناك من يجد الراحة فيما نقدمه له. وأتذكر دائماً أن الله اختار لي مهنة لخدمة الناس، وهذا من فضله عليّ.»
ثم يضيف:
«الطب رسالة، متاعبها كثيرة، لكنها نبيلة.»
أما الجامعات التي درس فيها، فلا يراها المصدر الوحيد لما اكتسبه من معرفة وقيم:
«أنا صحراوي، وكل ما تعلمته من قيم كان من شعبي وعاداته. أما الجامعات فهي مدارس علمية تعلمت فيها نزراً يسيراً من بحر وافر.»
الخوف على حاضر الصحة
بعد عقود من العمل، ينظر محمد لمين بقلق إلى واقع القطاع الصحي ومؤسساته. وهو لا يخفي تشاؤمه تجاه الحاضر:
«أخشى على حاضر الصحة اليوم قبل الغد؛ فقد تدهورت الخدمات وتهاوت المؤسسات، ولا أرى أملاً في إصلاح الكثير حالياً.»
لكن هذا القلق لا يمنعه من التمسك بأهمية الاستثمار في الإنسان. فالمخيمات، بحسب قوله، أنتجت خلال خمسين سنة عدداً كبيراً من الكفاءات عالية التكوين في الكيمياء والصيدلة والطب النووي والجراحة والرياضيات والفيزياء.
ولهذا يوجه رسالته إلى الشباب:
«أنصح شبابنا بالبحث العلمي واستغلال الفرص المتاحة.»
إن حكاية محمد لمين عبدي ليست حكاية صيدلي عاد بشهادة جامعية فحسب؛ بل حكاية معرفة اصطدمت بالإهمال، ثم أصرت على أن تتحول إلى دواء. إنها تجربة تكشف أن الابتكار داخل اللجوء ليس ترفاً، وأن المختبر يمكن أن يصبح مساحة للمقاومة حين يمنح المجتمع شيئاً من القدرة على علاج نفسه والاعتماد على كفاءاته.




