بادي محمد سالم… البدوي الذي جعل من المعرفة وطناً

chatgpt image jun 29, 2026, 05 30 19 pm
Picture of احمد علين محمد سالم
احمد علين محمد سالم

أحمد علين محمد سالم، صحفي ومدوّن صحراوي، مهتم بقضايا الثقافة والهوية والشباب في الصحراء الغربية. يكتب انطلاقاً من رؤية تسعى إلى توثيق الذاكرة الصحراوية، وإبراز التجارب الإنسانية والفكرية داخل المجتمع الصحراوي.

عن الكاتب

كان بادي يستنطق الطبيعة بحثاً عن الأجوبة؛ يتعلّم من الإنسان، صغيراً كان أو كبيراً، كما يتعلّم من التراب والحجر والهواء.

في شهادتي ابنيه سمية وأحمد، نقترب من وجه آخر للشاعر والأديب والمفكر الصحراوي: قارئٌ عصامي، وأبٌ مريح، وبدويّ ظل وفياً للخيمة والمعرفة حتى آخر أيامه.

يعرف كثيرون بادي محمد سالم شاعراً وأديباً ومفكراً صحراوياً، ويحفظ بعضهم شعره ومواقفه وما تركه من أثر في الذاكرة الثقافية للمجتمع. لكن صورته في عيون أبنائه تكشف وجهاً آخر؛ وجه الإنسان الذي كان يعود من فضاء الشعر والفكر إلى بيته أباً بسيطاً، زاهداً، لا تمنحه مكانته امتيازاً ولا يعفيه علمه من أداء واجباته اليومية.

تقول ابنته، الكاتبة والمثقفة سمية بادي، إن والدها كان يتمتع بصفات يصعب حصرها في حديث واحد؛ فما من شخص عرفه إلا وحمل عنه شيئاً، قليلاً كان أو كثيراً. أما ابنه أحمد بادي، فيستعيد صورة رجل ظل وفياً لنمط الحياة البدوية التي نشأ عليها، حتى بعد أن تبدلت الأزمنة والظروف من حوله.

البدوي الذي لم يغادر البادية

لم تكن البادية بالنسبة إلى بادي محمد سالم مكاناً غادره، بل كانت طريقة في النظر إلى الحياة. نشأ في تيرس، وحمل معه ما تعلمه من الخيمة والترحال والطبيعة، وظل وفياً لذلك العالم في عاداته وسلوكه ونمط عيشه.

يصفه ابنه أحمد بأنه كان صوّاماً قوّاماً، زاهداً قليل الطعام، يفضّل ظل الخيمة وقواعدها، ويعتمد على نفسه في تفاصيل حياته كلها. لم يكن يطلب من أحد أن يناوله كأس ماء، ولم يكن يرى في مكانته أو تقدّم سنه مبرراً للحصول على معاملة خاصة.

لم تكن هذه التفاصيل، وفق شهادة أحمد، مجرد عادات اكتسبها في البادية؛ بل كانت انعكاساً لشخصية اختارت أن تبقى وفية لقناعاتها حتى آخر أيامها.

معرفة خارج أسوار المدرسة

لم يتلقَّ بادي تعليماً نظامياً، شأنه في ذلك شأن كثيرين من أبناء جيله داخل المجتمع الصحراوي. لكن غياب المدرسة لم يمنعه من بناء تجربة معرفية واسعة؛ فقد حفظ المتون، ودرس الشعر والنحو، وواصل القراءة والبحث والمشافهة حتى أصبحت المعرفة جزءاً من حياته اليومية.

تقول سمية إن العلم كان ضالته، وإنه لم يكن يفرّق بين مصادره. كان يتعلم من الكبير والصغير، ومن الإنسان والطبيعة معاً؛ من التراب والحجر والهواء. وكان يستنطق ما يحيط به بحثاً عن الأجوبة التي لم يمنحه إياها التعليم النظامي.

كانت القراءة إحدى أكثر عاداته رسوخاً. تتذكر ابنته كتباً لازمته، من بينها «أدب الكاتب» و**«الشعر والشعراء»** لابن قتيبة، إلى جانب كتب تناولت الشعر الجاهلي وتاريخه. لكنه لم يكن قارئاً نخبوياً ينتقي علماً ويرفض آخر؛ كان يقرأ في الأدب والشعر والسياسة والفلسفة والفقه والتاريخ، ولا يرى أن علماً أجدر بالاهتمام من غيره.

هذه القراءات لم تتحول لديه إلى معلومات يكررها، بل إلى مادة للتفكير والمقارنة. كان مستمعاً جيداً، وكل فكرة تصل إليه كانت تمر عبر التحليل والدراسة قبل أن يصوغ موقفه الخاص منها.

لم يكن يزور الشعر… بل يسكنه

لم يكن بادي يتعامل مع الشعر القديم بوصفه قارئاً عابراً. كان يقارن بين الشعراء وطرائقهم، ويفاضل بينهم في الوصف والمدح وبناء الصورة الشعرية. يناقش لماذا يتفوق شاعر في وصف الإبل، ولماذا يبرع آخر في وصف الخيل، وكيف يختلف الشعراء في مدح أقوامهم والتعبير عن تجاربهم.

ومن خلال هذا الانشغال، كوّن بادي فلسفة خاصة للشعر. لم يكن «أمغني» فحسب، بل كانت له أشعاره الفصيحة ورؤيته النقدية، غير أنه كان يمنح الشعر الحساني مكانة خاصة.

كان يرى أن الحسانية ستفرض حضورها لأنها لسان المجتمع واللغة التي يتداولها الناس في حياتهم. وإذا كان الشعر حالة وجدانية، فمن الأجدر، في نظره، أن يُكتب باللغة التي يشعر بها الناس ويتخاطبون بها، حتى يسهل تناقله وتتحول القصيدة إلى وعاء يحفظ ذاكرة الأماكن والأشياء والتراب.

هكذا لم تكن الحسانية عنده مجرد أداة تعبير، بل وسيلة لحماية الذاكرة من الضياع.

أبٌ يقدّم واجباته على حقوقه

داخل البيت، لم يكن بادي أباً تقليدياً يمارس سلطته من خلال الأوامر. تقول سمية إنه كان يؤدي أبوته كاملة، ويقدّم واجباته على حقوقه، ولم تمنحه مكانته داخل الأسرة امتيازات خاصة.

كان يهتم بنفسه وهندامه ونظافته، ويؤدي حاجاته اليومية دون اتكال على أحد. أما في تربية أبنائه، فكان يؤمن بأن لكل جيل زمنه، وأن دور الأب ليس أن يصنع نسخةً أخرى من نفسه، بل أن يغرس في الطفل مبادئ التمييز بين الخير والشر، ثم يترك له مساحة الاختيار دون إخلال بالأخلاق.

لم يكن كثير الإملاء، وكانت نصيحته أقرب إلى فكرة يعرضها للنقاش من كونها أمراً واجب التنفيذ. لكن أمراً واحداً لم يكن يتساهل فيه: الدراسة، واكتساب المعرفة، والسعي إلى التفوق.

تصفه سمية بأنه كان «أباً مريحاً إلى أبعد الحدود»، وأن شخصيته كانت تدفع أبناءه ومن حوله إلى التأثر به والجلوس طويلاً للاستماع إليه.

المرأة في نظر بادي

تكشف شهادة سمية أيضاً جانباً مهماً من نظرته إلى المرأة الصحراوية. فقد كان يرى أنها تتحمل ضغوطاً كبيرة بسبب الظروف الاجتماعية القائمة، ولذلك كان يؤيد تمكينها داخل أسرتها مادياً ومعنوياً، حتى تستطيع القيام بدورها الاجتماعي في أفضل الظروف.

لم تكن هذه الفكرة منفصلة عن ممارسته اليومية؛ فقد كان، وفق ابنته، حريصاً على حماية بناته وتوفير حقوقهن واحتياجاتهن.

وفي قضايا اجتماعية مثل تزيّن المرأة بالذهب، كان يرجع إلى المنطق الشرعي، ويرى أن ما لم يحرّمه الشرع لا ينبغي منعه استناداً إلى الاعتقاد الاجتماعي وحده. لكنه لم يكن يواجه المجتمع بطريقة صدامية؛ كان يفضّل النصيحة والحوار والتعقل، ويترك للآخر مساحة اتخاذ قراره.

العلامة الذي بقي إنساناً بسيطاً

حظي بادي محمد سالم بمكانة ثقافية واجتماعية كبيرة، وامتلك من الشعر والمعرفة والتجربة ما جعل الناس يقصدونه لينهلوا منه في شؤون الدين والدنيا. ومع ذلك، لم تتحول تلك المكانة إلى سلطة داخل بيته، ولم تغيّر علاقته بنفسه أو بمن حوله.

ظل، كما تصفه ابنته، زاهداً في الدنيا؛ الأب البسيط في محيطه الصغير قبل أن يكون الشاعر والعلامة في محيطه الكبير.

ومن خلال شهادتي سمية وأحمد، يبدو بادي محمد سالم أكثر من شاعر ترك قصائد خلفه. كان إنساناً بنى معرفته خارج المدرسة، وجعل من القراءة رحلةً مستمرة، ومن الشعر الحساني حارساً للذاكرة، ومن الأبوة واجباً يسبق السلطة.

لقد غادر بادي الحياة، لكنه لم يغادر البادية التي شكّلت وعيه، ولم يغادر ذاكرة أبنائه والناس الذين رأوا فيه شاعراً ومفكراً ومربياً، ورجلاً عاش أفكاره قبل أن يحولها إلى كلمات.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top