الجمال بين الأدباء والأطباء..كيف صمدت السمنة في وجه تيار الحداثة؟

118296611 10222319170665631 2161363513068970145 n
Picture of لهبيلة اسودح
لهبيلة اسودح

كاتبة ومدونة صحراوية، وأستاذة للغة الإنجليزية، تعمل بوزارة الرعاية الاجتماعية. تهتم في كتاباتها بالقضايا الثقافية والدينية والمجتمعية، وتسعى إلى تقديم رؤى تسهم في فهم التحولات التي يشهدها المجتمع الصحراوي ومناقشة قضاياه المختلفة.

عن الكاتب

حين نحكم بجمال أو قبح شيء أو شخص، فإننا نستحضر حمولة ثقافية وتاريخية واجتماعية ونفسية هائلة.تشكل في مجموعها، مداركنا عن الحب والخير والمصلحة والجمال

في حب الحُسن والتغزُّل بالمحاسن، أبدع الأدباء والشعراء روائع خالدة تناقلتها الألسن وتداولتها الكتب منذ فجر التاريخ إلى اليوم، كُلما قُرِئت  كشفت عن وجه من وجوهه لم يكن قد عُرف من قبل ..و لطالما كان النسيب من أشهر الأغراض الشعرية في الأدب العربي.

ولأن للحسن على الشعراء كبير فضلٍ في تفتُّق القريحة وحضور البديهة، فقد ظل من أهم المواضيع التي تناولها الأدب العربي وحتى العالمي. وليس الفلاسفة وعلماء الاجتماع من هؤلاء ببعيد، فقد جاؤوا في دراساتهم له بالعجائب و نَحَوْا في سبيل تقديسه إلى التعقيد! فهذا أفلاطون يرى أن ما نراه من حُسن في الأشياء من حولنا، إنما هو انعكاس له من عالم المُثُل حيث كانت الروح من قبل! فليس في عالم الشهادة منه إلا تلك الصور..وهو حسبه قيمة معيارية لا تخضع لقوانين المادة بقدر ما تدرك بالذوق.

ومن رآه تجليا من تجليات الطبيعة، لا يُتصوّر له وجود خارج قوانينها، فالتناسق والتناسب والانسجام قوانين طبيعية، ترسم ملامح الجمال في الأشياء من حولنا ويُعزى إليها استحساننا لها، فكلما كانت الوجوه مثلا أقرب “للنسبة الذهبية” -وهي معادلة رياضية تمثلت في الطبيعة كثيرا- كانت أحظى بالقبول.

وكلما حوت الأجسام تناسقا وانسجاما بين أجزاءها، كانت أجمل وأجدر أن تمنحنا شعورا بالرضا.. فللطبيعة إذن حسب هؤلاء يد السبق في إدراكنا للجمال. وهكذا نحا غيرهم من النفسيين منحىً آخر، فقد رأوه-أي الحسن- من مرآة النفس تعكسه من خلال لواعجها وبحسب ما يعتريها من تغيّرات في المزاج وفي الصحة والمرض.كما رأى بعضهم أن إدراكنا للحسن خاضع لبراغماتيتنا سواء وعينا ذلك أم لا، فما يمثل بالنسبة لنا الخير والوفرة والصحة وغيرها من المعاني، نجد فيه تمثل من تمثلات الجمال تبعا للمصلحة المتوخاة منه. و دلّى أهل الاجتماع فيه أيضا بدلائهم، حين نسبوا الحُسن لثقافة المجتمع وأعرافه، وأن ما هو مستحسن في بلد قد يكون مستقبح في آخر وهكذا..

والمشترك بين كل هذه الرؤى، أن الجمال ثيمة كونية لا يُختلف على وجودها لكن يُختلف في تفسيرها. و أنه شغل الناس منذ الأزل، بين متذوق لا يبحث له عن مبرر يقنعه به، وباحث عمّا وراء الذوق، لكل فيه مذهبه وشيعته، وكلٌ بما لديهم فرحون. و أنه لا يخرج عند معشر من أشقاهم تفسيره عن كونه إما ذاتي يعود للذات المتذوقة، أو موضوعي يعود للموضوع محل الذوق.غير أن لتشارلز لالو رؤية تكاملية للجمال خالف فيها كل تلك المدارس، حين رأى في كتابه “مبادى علم الجمال الأستطيقا” أن الجمال ثنائي المصدر: ذاتي وموضوعي.وهو بهذا يُدرس من حيث إدراكنا له، من ناحيتين: نفسية واجتماعية. في مزاوجة بين علوم الطبيعة والنظرية الفلسفية، وعلم النفس الذي يعمل بينهما على تفسير الكيفية التي يتلقّى بها الفرد الصوّر فيحوّلها إلى أحكام ذوقية.

فحين نحكم بجمال أو قبح شيء أو شخص، فإننا نستحضر حمولة ثقافية وتاريخية واجتماعية ونفسية هائلة.تشكل في مجموعها، مداركنا عن الحب والخير والمصلحة والجمال. -فما علاقة ذلك بالسمنة وبالمجتمع الصحراوي؟وأنا أتناول موضوع السمنة التي تمثل سمة من أهم سمات جمال النساء في المجتمع الصحراوي، ومدى اختلاف هذا المجتمع في تصوّره للجمال ومعاييره والسمات التي تحدده عن أغلب المجتمعات الأخرى اليوم،قفز  إلى ذهني السؤال التالي: ما الذي يجعل السمنة تصمد في وجه تيار الحداثة، خاصة في ظل سطوة الإعلام على أذواق الناس وبرمجته لتفضيلاتهم، وعلى الرغم من تحذيرات الأطباء من أخطارها؟

وجدتُ فيما ذهب إليه لالو إسقاطا دقيقا، يجيب إجابة شافية..فالمجتمع الصحراوي مجتمع بدو رعوي، يعتمد على القطر في معاشه قديما.فعام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون، فتكثر الزروع وتمتلئ الضروع. و عام يقحطون فتنفق مواشيهم ويمسّهم الطوى والأُوار. فينعكس ذلك كله على جميع نواحي حياتهم.

والنساء واجهة اجتماعية، تعكس حالتهنّ البدنية الحالة الاجتماعية للأب أو الزوج أو العائلة ككل، فكان لزاما أن تظل الواجهة في أفضل حالاتها مهما كانت الظروف. ويمكن اعتبار المجتمع الصحراوي، خلافا لكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، مجتمع أمومي، لمركزية المرأة ودورها المحوري فيه.فهي الآمرة الناهية في أغلب شؤون الأسرة، و تحظى باهتمام بالغ من الرجل، يترجمه بأفعال تبدأ بالتمليك السخي والعطايا الكريمة، ولا تنتهي بالاهتمام بمظهرها منذ ولادتها، في سلوك يعكس صفات الشهامة والمروءة الملازمة للرجل الصحراوي.

و السمنة دلالة من دلالات الوجاهة والرفاهية والخصوبة، على نقيض النحافة التي كانت مرادفٍا للفاقة والعقم في المخيال الشعبي. من هنا كانت -أي السمنة- محددا لجمال المرأة ووجاهتها وقدرتها على إنشاء أسرة، وهو بالتالي ما يرفع من قيمتها ويمنحها أولوية في الزواج.على ضوء ذلك ابتدع البيظان -أقصد هنا شعب الصحراء الغربية تحديدا الذي يشترك مع شعوب أخرى هذا الإسم- ما يعرف ب (لبلوح) وهو التسمين الإجباري للفتيات من عمر صغير، لضمان تزويجهن الزيجة التي يرتضيها الأهل.

وعلى الرغم من التحوّلات التي مرّ بها المجتمع الصحراوي قديما وحديثا، بدءا بتحوّله من البداوة إلى “مدنية نسبية” -إن صح هذا التعبير- ومن الاستقرار إلى اللجوء، وما رافق ذلك من تغيرات اجتماعية ونفسية جذرية، فقد بقيت السمنة على مركزيتها من الجمال، تتربّع على عرش سماته الأكثر طلبا إلى يومنا، مع اختفاء بعض السمات الأخرى التي ترافقت معها ردحا طويلا من الزمن متأثرة بواقع الجمال اليوم وتنوّع صوره وأشكاله، وقد كان هذا المزيج يُشكل في الماضي لوحة مثالية للمرأة الحُلم.من تلك السمات المندثرة: الفلجة وهي الفتحة البسيطة بين القواطع، وعرض الجبهة وتموّج الشعر واسوِداد اللثة وغيرها.  ويمكن القول أن مقاومة السمنة لكل تلك المتغيرات، مردّه إلى عوامل ذاتية وموضوعية في آن واحد.فنسبة القوام المكتنز إلى الزي الصحراوي الفضفاض “الملحفة”.. تحقق الانسجام والتناسق المطلوبهذا الزي التقليدي الذي لا يزال زياً رسميا للنساء إلى اليوم على عكس كثير من الأزياء الشعبية التي باتت مجرد تراث مادي في كثير من المجتمعات.

وهي على ضوء ذلك، تفي  بغرض الفرد والجماعة في بناء المجتمع على اعتبار أن الجمال أحد أهم الأسس التي يتم وفقها اختيار شريكة الحياة،وتحقق الرضا عن الذات وعن المظهر..و ليس الحديث إذن عن السمنة في المجتمع الصحراوي كعارض من عوارض تطور هذا المجتمع، ثم حربها بوسائل وسياسات حديثة بعيدة كل البعد عن فهم طبيعة السياقات التاريخية والاجتماعية  التي انطلقت منها كثيمة ثقافية تمتد جذورها إلى ما قبل الحداثة، وترتبط ارتباطا وثيقا بمقوّمات بقاءٍ لا تزول إلا بزوال هذا المجتمع، إلا من قبيل الجهل أو التجاهل لتلك العوامل، وهو بالتالي حديث يفتقر  للواقعية من وجهة نظر اجتماعية فلسفية أقله.

تجدر الإشارة إلى أن أسماء مثل خديجة، سمّن، الرعبوب، لمخرّفة، بلّح وغيرها، لا تزال رائجة إلى اليوم في أوساط النساء الصحراويات، وهي أسماء بعضها محلي ولبعضها جذور  في اللغة العربية، تحيل في مجملها إلى معنى الامتلاء أو تحمل دلالة من دلالاته كالتَّثني والليونة.وهو ما يُقرأ كتحدٍ صارخ للمنظومات الصحية الوعظية في غالب خطاباتها، والوسائل الإعلامية التي تحاول زرع قيم جمالية غريبة عن ثقافة وتاريخ المجتمعات دون دراسة لما يتعلق بها من عوامل بقاء في تلك المجتمعات.ليس هذا تثبيط للجهود الرامية إلى التخفيف من التبعات الصحية للسمنة على الفرد والمجتمع، بل تصويب لزاوية المعالجة وحيث يجب أن يكون الانطلاق.

لهبيلة اسودح

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top