في أعماق حضن الوطن

dsc 1026
Picture of أسلوت أمحمد سيد أحمد
أسلوت أمحمد سيد أحمد

كاتب وصحفي صحراوي، عَمِلَ في عدة مؤسسات. يُركز في كتاباته على قضايا حرب التحرير وجيش التحرير الشعبي الصحراوي، ويُولي اهتماماً بالغاً بالشأن العام، مُسلطاً الضوء على واقع المؤسسات الصحراوية ومسار التحرير في الوقت الراهن

عن الكاتب

دقت صافرات الجاهزية والحماس بداخلي، وتوجهت مباشرة إلى خيمة أهلي، وبدأت في تحضير ما تبقى من أشياء قد تساعدني فيما يُعرف بالحياة الجندية. أذكر من بينها، على سبيل المثال، جهاز مذياع صغير الحجم، وبيطاكة مجلدة،

بعد حوالي سبعة عشر سنة ونيّف بين خيام اللجوء، ومضارب العلم، وعُطَلٍ في سلام بعيدًا عن الوطن، وبعد سنة تدريبية غيّرت مسار بوصلة الحياة لديّ، لتنبش في ذاكرة أحلامي حلم اللقاء…

حلمٌ راودني لسنين، ولوّن أحلام طفولتي وشبابي، ليُزهر حدائق العمر بفرصة الارتماء في أحضان الوطن الجريح، ولترتفع هامة شاب ساقته الأقدار، بعد حوالي ثماني عشرة سنة من الفراق بينه وبين وطنه.

كنت متمسكًا بذلك الحلم الذي راودني، كغيري من أبناء جيل المخيمات، وكنت متأكدًا بأن الله لن يخذلني في ذلك. كانت دفاتري زمن الدراسة لا تخلو من رسومات لخريطة الوطن، ولسيارات مكشوفة مزركشة بألوان عسكرية، وبأناقة سلاح الكلاشينكوف كنت أزيّنها، وبشعارات الثورة كنت أرسم عناوين الأيام…

كنت أُعاقَب في كل مرة بسبب تلك الرسومات، إلا أنني كنت مصممًا على أن الطريق إلى الوطن ليست بالقريبة ولا هي بالبعيدة، بل بمقدار ما نقدمه نحن الثائرين من أجل ذلك…

طويت تلك الصفحة من طفولتي، وبدأت أخرى، بفضل الله تعالى. وبعد تأديتي للواجب الوطني بالمدرسة العسكرية الشهيد الولي مصطفى، وتوجيهي إلى إحدى نواحي جيش التحرير الشعبي، كان ذلك بمثابة بداية اللقاء الذي راودني منذ الطفولة، وعنوان فخري، وتاج شبابي، وعز رجولتي ومقامي.

كان كل ذلك، وأكثر، مختزلًا في لقائي بأرض الوطن، كفرد من أفراد جيش التحرير الشعبي، مؤمن بحتمية النصر، وبقدرة مؤسسة الجيش على استكمال ما تبقى من تحرير الأرض والعِرض…

بداية اللقاء كانت في مساء بارد نسبيًا، حين كنت أتجول بين خيام أنهكتها الأيام، بين كثبان مخيم دائرة اجريفية.

كانت الساعة تشير إلى حدود السادسة تقريبًا، قبيل صلاة المغرب بقليل، حين بدأت مكبرات الصوت المخصصة لإشعار المواطنين تتلو بلاغها الذي جاء على الشكل التالي:

إشعار…

«إلى جميع مقاتلي الناحية العسكرية الثالثة، الدفعة اراهي ماشية الصبح السبعة بكري من أمام مقر الدائرة…».

دقت صافرات الجاهزية والحماس بداخلي، وتوجهت مباشرة إلى خيمة أهلي، وبدأت في تحضير ما تبقى من أشياء قد تساعدني فيما يُعرف بالحياة الجندية. أذكر من بينها، على سبيل المثال، جهاز مذياع صغير الحجم، وبيطاكة مجلدة، ههههه.

نمت تلك الليلة، ولم أنم حقًا من شدة الفرح والترقب لما هو آتٍ. ومع أولى ساعات الفجر، عمّرت كأسًا من أتاي، هههه، وقبل الساعة السابعة صباحًا وقفت وقفة الجندي المنضبط عند مقر الدائرة، وأمام أعين أفراد الحراسة الذين أشادوا حينها بحماسي المنقطع النظير…

وصل، بعد دقائق من وقوفي هناك، رجلان يرتديان الزي الرسمي للجيش، بخلاف الزي الذي أرتديه أنا، وهو زي عسكري آخر مخصص لمدارس التدريب العسكرية. وما إن وقفا بجانبي حتى بادر أحدهما بالسؤال:

«أنت من الدفعة الجديدة؟».

فكان جوابي: نعم.

رحّبا بي وكأنني قدمت إليهما في بيت أحدهما، وبدأ الحديث عن دور الشباب وأهميته في مؤسسة الجيش. وما هي إلا دقائق حتى وصلت شاحنة المنجريس، وهي تشق هدوء وصمت المخيم صباحًا، لنعتلي صهوة المجد مع الرفاق، ولتبدأ رحلة العمر نحو البقاع المقدسة غربًا في تيرس، مرورًا بجنان زمور، تحت ظل سيادة الجمهورية وإدارة صُنّاع مجد الأمة…

ما إن خرجنا من بوابة الولاية الغربية حتى بدأ الترحيب بالعناصر الجدد في الدفعة، على متن شاحنة المنجريس وهي تشق طريقها غربًا نحو الوطن، حيث كان لنا أول امتحان كأفراد جدد في صفوف الجيش بعد حوالي ساعة من الانطلاق، حين انفجرت إحدى عجلات الشاحنة واضطررنا إلى التوقف لتغييرها.

كان ذلك في حدود الساعة الثامنة والنصف تقريبًا. نزل الرجال بسرعة، وبدأت عملية تغيير العجلة المتفجرة، وأظهرت المجموعة الجديدة رغبتها الجامحة في العمل الجماعي، أمام الدعم الحماسي المنقطع النظير من بقية الرفاق المقاتلين.

تمت العملية في ظرف قياسي، بالتعاون مع مختص في الشأن، لتتواصل الرحلة في جو من الهيبة والفخر، يرافقه عزف صوت المنجريس في خلاء الصحاري، ومزاح المقاتلين المصاحب لقصص وحكايات حرب التحرير…

كنا نسأل عن كل شيء؛ عن كل شبر من تلك الأرض، وعن كل وادٍ، وعن كل تلة، فكانت الإجابة بلسان رحيم، يُخيّل إليك، من سماعه، أنه صوت أبيك…

كانوا بمثابة آبائنا وإخوتنا، وكانوا حقًا أحسن رفاق، وأجمل وأطيب أصدقاء قد تلتقي بهم في هذه الدنيا…

بدأوا في شرح معالم الأرض منذ دخولنا حدود الوطن، وبدأت نباتاته هي الأخرى تدخل ضمن الحديث، لنستقر في أحد أودية زمور للمبيت في أول ليلة على أرض الآباء والأجداد.

توقفت الشاحنة، وبدأ الرفاق في إنزال مستلزمات المبيت، وما هي إلا دقائق حتى أُشعلت النيران، وحُددت مجموعات المهام، في جو أقل ما يقال عنه إنه الأروع…

لم يتم تكليفي في تلك الليلة بأي من المهام، لأجلس بجانب الشهيد، بإذن الله تعالى، الخراشي، وهو يقلّب كؤوس الشاي بنوعيه، «أتاي والكندرة»، رفقة مزاح رقيق يجري بينه وبين رفيق دربه الكوري أحمد زين.

وليتداخل ذلك المزاح مع آخر لسائق الشاحنة، وهو شخصية فريدة من نوعها، أرجو من الله أن يكون في أحسن الأحوال، يُدعى بمبة ولد برأي؛ أطيب خلق الله وأرحبهم صدرًا. كان مزاحه يسري على الجميع، شيبًا وشبابًا، وكانت مغامرات الحرب وحكاياتها تسري بين نجوم سماء الوطن الصافية وأرضه الطاهرة، المسقية بدماء شهداء كانت لأضرحتهم شهادات حية في ذاكرة الرفاق…

لم نشرب ثالث كؤوسنا من الشاي حتى بدأ أحد النسور باستخراج الخبز المحضّر وسط حفر في التراب، تحت نيران هادئة، وأمر مجموعة الخدمات بتحضير الأواني لتوزيع وجبة العشاء بين المجموعات، التي كانت في مجملها ضمن دائرة واحدة حول نار صغيرة يُحضّر عليها الشاي، في دفء بعض النباتات التي نستعملها وسيلةً لكسر قوة الرياح الغربية الباردة في تلك الليلة…

تم، بفضل الله، تناول وجبة العشاء التي رحّب من خلالها المقاتلون برفاقهم الجدد، والتي تمثلت في وجبة «أمريفيسة» تقليدية دافئة، تساعد متناولها على الصمود في وجه برد الساحلية…

بعد انتهاء وجبة العشاء، جُمعت كل المستلزمات ووُضعت في أماكنها على متن الشاحنة، ولم يبقَ على الأرض إلا مستلزمات الشاي وبطانيات أفراد الدفعة…

أخذ كل واحد يبحث عن موقع استراتيجي للمبيت، وتم تحديد مكان معين للعناصر الجدد عند العجلات الخلفية للمنجريس.

وبدأ وشاح ليل زمور، يرافقه برده الغربي القارس، يداعب أصوات أشجار الطلح، وهمسات مذياع مقاتل تشير إلى نهاية دوام نسر من نسور جبهة البوليساريو.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top