أثار الجدل حول شخصية هدارة نقاشًا تجاوز البحث في جنسية الرجل، ليطرح أسئلة تتعلق بملكية الموروث، وحدود التراث الحساني المشترك، ودور السينما في إعادة صياغة الحكايات ومنحها هويات سياسية جديدة.
لم تتعامل الكتابات الصحراوية مع قضية هدارة من منظور واحد؛ فقد وضعتها الكاتبة سمية بادي ضمن ظاهرة أوسع تتعلق بالسطو الثقافي، بينما قرأ حمه عبد الفتاح القضية من خلال التوظيف السينمائي للحكاية والجغرافيا، واتجه الدكتور غالي الزبير إلى تفكيك الجدل حول جنسية الرجل، مستندًا إلى سيرته وتنقلاته وشهادات من عرفوه.
ومع اختلاف زوايا المعالجة، حافظت هذه القراءات على مكانة هدارة بوصفه شخصية ذات رمزية استثنائية في الذاكرة الشعبية، ورفضت اختزال حكايته أو إعادة تقديمها خارج سياقاتها التاريخية والثقافية.
سمية بادي: من قضية هدارة إلى سؤال السطو الثقافي
وسّعت سمية بادي دائرة النقاش، فلم تتعامل مع قضية هدارة باعتبارها خلافًا منفصلًا حول شخصية واحدة، وإنما قرأتها بوصفها جزءًا من ظاهرة متنامية تتعلق بإعادة تقديم عناصر من الموروث الصحراوي داخل هويات محلية أو وطنية أخرى.
وتقوم زاوية بادي على التمييز بين أمرين: اشتراك مجتمعات المنطقة في عناصر ثقافية متقاربة، وهو أمر طبيعي فرضته الجغرافيا والتاريخ والتداخل الاجتماعي، وبين اقتطاع عنصر ثقافي من سياقه الأصلي وتقديمه باعتباره موروثًا خالصًا لجماعة أخرى.
وتكتب في هذا السياق:
«الإشكال هنا لا يتعلق بمجرد تداول عناصر ثقافية مشتركة بين مجتمعات المنطقة؛ فهذا أمر طبيعي في البيئات المتجاورة والمتداخلة تاريخيًا. وإنما يكمن الإشكال في إعادة تقديم عناصر ذات سياق اجتماعي وتاريخي محدد باعتبارها موروثًا محليًا خالصًا، مع إغفال أو طمس سياقاتها الأصلية ومسارات انتقالها وتطورها».
وبهذا تنقل بادي النقاش من سؤال: «لمن ينتمي هدارة؟» إلى سؤال أكثر اتساعًا: «كيف تُحفظ الحكايات المشتركة من أن يعاد نسبها بصورة أحادية؟». فانتقال الشخصية أو الحكاية بين مناطق متعددة لا يلغي تاريخ نشأتها، ولا يسمح بفصلها عن البيئات التي حفظتها وتناقلتها.
وتحذر الكاتبة من أن يبدأ الاستحواذ بعناصر تبدو بسيطة، مثل الملابس والشاي، ثم يمتد إلى الشعر والموسيقى والحكاية الشعبية والشخصيات الرمزية. كما تلفت إلى أن العملية لا تحدث دائمًا من خارج المجتمع الصحراوي، بل قد يشارك فيها أفراد من أصول صحراوية أصبحوا جزءًا من فضاءات قانونية واجتماعية أخرى، ما يجعل إعادة إنتاج الهوية أكثر تعقيدًا.
ولا تطرح بادي حماية الموروث باعتبارها دعوة إلى إغلاقه أو احتكاره، بل بوصفها مطالبة بإثبات سياقاته وتعدد الروافد التي أسهمت في تشكيله. وتلخص موقفها بوضوح:
«الدفاع عن الموروث لا يعني احتكاره أو منع الآخرين من التفاعل معه، وإنما يعني حمايته من التزييف، وتوثيق نسبه وسياقاته التاريخية، والاعتراف بتعدد البيئات التي أسهمت في تشكيله وانتقاله».
لذلك تنتهي معالجتها إلى الدعوة إلى مشروع توثيق علمي للموروث الصحراوي، يقوم على جمع الروايات الشفوية، وتسجيل شهادات حملتها، وتحديد مصادرها ومسارات انتقالها، قبل أن تضيع هذه الشهادات أو يعاد تفسيرها بعيدًا عن سياقاتها.
حمه عبد الفتاح: السينما بوصفها أداة للاستحواذ
ينقل حمه عبد الفتاح القضية من مجال الجدل الثقافي إلى مجال الصورة والسينما. فهو لا يرى فيلم «طفل الصحراء» منفصلًا عن أعمال سينمائية أخرى صُورت في الصحراء الغربية، وفي مقدمتها فيلم «الأوديسة» الذي صُورت أجزاء منه في مدينة الداخلة المحتلة.
وبالنسبة إليه، لا تكمن المشكلة في تحويل قصة هدارة إلى عمل سينمائي، وإنما في قدرة السينما على إعادة تعريف الحكاية والأرض أمام الجمهور العالمي. فالفيلم لا ينقل الرواية فقط، بل يمنحها هوية وجغرافيا، وقد يجعل النسخة السينمائية أكثر انتشارًا من الذاكرة التي أخذت عنها.
ومن هنا يستخدم عبد الفتاح تعبير «العدوان السينمائي»، معتبرًا أن النقاش الصحراوي انصرف عن القضية الرئيسية، وهي استخدام السينما في الاستحواذ على المكان والموروث، نحو خلاف جانبي بشأن الجنسية التي ينبغي منحها لهدارة.
ويضع الكاتب «الأوديسة» و«طفل الصحراء» داخل سياق واحد: الأول يستخدم مدينة الداخلة المحتلة فضاءً لملحمة أوديسيوس الباحث عن وطنه، والثاني يقدم هدارة، وفق قراءته، بوصفه إرثًا ثقافيًا مغربيًا. وفي الحالتين، يرى عبد الفتاح أن الصورة استُخدمت من طرف جهات لا ترتبط بالأرض والحكاية كما يرتبط بهما أصحاب الذاكرة الأصلية.
ويكتب:
«حكاية هدارة، وملحمة الأوديسة، استخدام سينمائي لمن لا علاقة له بالأرض، وجب فضحه وعلى أكثر من مستوى، على أن تبقى الجغرافيا الجامعة والتاريخ المشترك مرجعية للمعالجة».
لكن رفضه لهذا التوظيف لا يقوده إلى وضع هدارة داخل حدود وطنية مغلقة. فهو يصف قصته بأنها «تراث جمعي حساني» تجاوز حدود الدول التي ظهرت في المنطقة، ويرى أن تنقل الحكاية بين أدرار وموريتانيا وتندوف وزمور والصحراء الغربية جزء من قوتها، وليس سببًا لاختزالها في هوية سياسية معاصرة.
كما يعيد عبد الفتاح بناء بعض عناصر قصة هدارة كما وردت في رواية مونيكا زاك: الطفل الذي ضاع بعد عاصفة، وعاش قرابة عشر سنوات مع النعام، ثم عاد إلى الحياة البشرية. ويتوقف عند ما تحمله الحكاية من رموز تتعلق بالصحراء والنعام والعطش والعقرب والغراب، ويقارنها بقصص عالمية مثل «الأوديسة» و«حي بن يقظان».
وتكشف هذه المقارنة أن هدارة، بالنسبة إلى عبد الفتاح، ليس مجرد شخصية تاريخية مختلف على أصلها، بل بطل لحكاية إنسانية وأدبية قادرة على منافسة الملاحم العالمية. ولذلك يدعو إلى الحفاظ عليها وتدريسها للأجيال، بدل تركها رهينة للمعالجة السينمائية الخارجية.
الدكتور غالي الزبير: سيرة هدارة تفكك منطق الحدود
يختار الدكتور غالي الزبير مدخلًا تاريخيًا وسيريًا، ويبدأ برفض السؤال الذي انشغل به جزء من النقاش: هل كان هدارة صحراويًا أم موريتانيًا أم جزائريًا أم مغربيًا؟
بالنسبة إلى الزبير، يقوم هذا السؤال على إسقاط الحدود والجنسيات الحالية على شخصية عاشت في زمن مختلف، داخل مجال كانت الحركة فيه مفتوحة بين مكونات المجتمع البيظاني. ولذلك يحاول إعادة النقاش إلى سيرة هدارة الفعلية، وإلى الأماكن التي مر بها والأشخاص الذين عرفوه.
ويكتب:
«القول إن هدارة شخصية صحراوية أو جزائرية أو مغربية أو موريتانية لا معنى له، ومثله كثير من الشخصيات البيظانية الأخرى التي كانت سابقة على استقلال الدول بحدودها الموروثة عن الاستعمار».
وبحسب المعلومات التي جمعها الزبير، تعود أصول هدارة إلى منطقة أدرار الموريتانية، لكنه عاش متنقلًا بين تيرس والطرفاية وأدرار سطف، وتتلمذ على الشيخ ماء العينين وأقام معه فترة في السمارة. كما عاش في محيط تندوف، وزار بني عباس وأدرار الجزائرية، ووصل في بعض أسفاره إلى الأردن.
ولا يقدم الزبير هذه المعلومات اعتمادًا على الرواية المتداولة وحدها، بل يشير إلى مقابلات أجراها مع أشخاص عرفوا هدارة أو ارتبطوا بأسرته. فقد تحدث، بحسب مقاله، مع من جالسه في الطرفاية، ومن عاش معه شمال بئر كندوز، ومن كان هدارة رفيقًا لوالده، كما التقى ابنه أحمدو في الناحية الخامسة لجيش التحرير الشعبي الصحراوي، وحفيدته النعمة في مدينة الزويرات.
ويستعين كذلك بما كتبه الباحث في التراث الحساني سعدي بيه أمباركي، الذي تتبع مراحل حياة هدارة منذ ميلاده في شمال أدرار الموريتانية، ومروره بالسمارة وصلته بالشيخ ماء العينين، وصولًا إلى إقامته بين الرقيبات ومشاركته في بعض الأحداث ورحلاته إلى الساورة وتوات، قبل وفاته شمال تندوف.
ومن خلال هذه السيرة، يقدم الزبير هدارة بوصفه شخصية جامعة لمناطق توزع المجتمع البيظاني. فتنقل الرجل ليس تفصيلًا ثانويًا في حياته، بل هو الذي جعل قصته معروفة في فضاء جغرافي واسع، وهو أيضًا ما يجعل احتكارها من طرف دولة واحدة مناقضًا لمسارها التاريخي.
كما يستعيد الزبير مقالًا كتبه سنة 2007 عن الطبعة العربية من رواية «الولد الذي عاش مع النعام» لمونيكا زاك. ويشير إلى أن الكاتبة استقت مادتها من لقاءات مع أقارب هدارة، ولا سيما ابنه أحمدو المقيم في مخيمات اللاجئين الصحراويين، وأنها زارت المخيمات عدة مرات أثناء إعداد الرواية.
ويثني على الجهد الذي بذلته الكاتبة في نقل القصة، لكنه ينتقد الأخطاء اللغوية والترجمية التي أفقدت النص العربي جزءًا من صلته بالبيئة الصحراوية، مثل الخطأ في نقل أسماء النباتات والأعلام والموسيقى الحسانية. وهنا يلتقي نقد الترجمة مع قضية الاستحواذ نفسها: فالحكاية قد تفقد هويتها أيضًا عندما تُنقل من دون معرفة كافية بلغتها وبيئتها وتفاصيلها الثقافية.
حكاية مشتركة لا تقبل المحو
تكشف القراءات الثلاث أن رمزية هدارة أكبر من الخلاف حول جنسيته. فهو شخصية صنعتها جغرافيا واسعة، وحفظت قصته مجتمعات متعددة، لكن هذا الامتداد لا يجعل حكايته بلا جذور أو سياقات يمكن تجاوزها.
سمية بادي تضع القضية ضمن خطر إعادة نسب الموروث الصحراوي، وحمه عبد الفتاح يحذر من قدرة السينما على تحويل الحكاية إلى ملكية ثقافية وسياسية، بينما يعيد غالي الزبير بناء سيرة هدارة لإثبات أن الرجل سابق على الحدود التي يتنازعها الخطاب المعاصر.
بهذا المعنى، لا يتمثل إنصاف هدارة في منحه جنسية بأثر رجعي، ولا في فصله عن الفضاء الحساني الذي تحرك داخله، وإنما في حماية حكايته من الاختزال. فالاعتراف بالتراث المشترك لا يعني القبول بمحو أحد أطرافه، مثلما أن الدفاع عن السياق الصحراوي لا يقتضي إنكار بقية الأماكن والمجتمعات التي مرت بها الحكاية.
لقد كشف النقاش عن حساسية متزايدة لدى النخب الصحراوية تجاه ظاهرة الاستحواذ الثقافي، وعن وعي بأن المعركة على الذاكرة لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فالحكايات والأغاني والشخصيات الشعبية ليست عناصر محايدة؛ إنها شواهد على وجود المجتمع وتاريخه، ومن ينجح في إعادة نسبها قد ينجح، مع مرور الوقت، في فرض روايته على الماضي نفسه.




