بين الأدباء والفلاسفة والأطباء.. حديث في الجمال.

118296611 10222319170665631 2161363513068970145 n
Picture of لهبيلة اسودح
لهبيلة اسودح

كاتبة ومدونة صحراوية، وأستاذة للغة الإنجليزية، تعمل بوزارة الرعاية الاجتماعية. تهتم في كتاباتها بالقضايا المجتمعية، وتسعى إلى تقديم رؤى تسهم في فهم التحولات التي يشهدها المجتمع الصحراوي ومناقشة قضاياه المختلفة.

عن الكاتب

حين نحكم بجمال أو قبح شيء أو شخص، فإننا نستحضر حمولة ثقافية تاريخية واجتماعية ونفسية هائلة ينصهر فيها الذاتي في الموضوعي وتمثل في مجملها تصوراتنا عن الخير والوفرة والمصلحة والجمال

حين نتحدث عن الحُسن، تتبادر إلى الأذهان لأول وهلة صورة حسية بسيطة من صوره: خدٌ أسيل وجيدٌ طويل وشعر أسود فاحم ومبسم كالجمان وغيرها من سمات الجمال التي تلتقي البشرية في بعضها وتفترق عند البعض الآخر وفق الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع وتفضيلاته.

وهذا جانب منه على قدر من الأهمية، يشهد له بها ما أثار من ملكات إبداعية أجرت أقلام الكُتاب والأدباء، وفتّقت قرائح الشعراء والفنانين عن روائع خالدة، كلما دَرَست كشفت عن وجه جديد من وجوهه.

لكن الحقيقة هي أن هذا الوجه وإن كان من أبرز وجوهه فإنه لا يعدو كونه نقطة في بحر “علم الجمال الأستيطيقا Aesthetic”.   

أحد أكبر وأعمق الموضوعات التي حظيت باهتمام بالغ واشتمل  تفسيره على طيف واسع من العلوم والفنون منذ فجر التاريخ، واستحوذ على عقول مجموعات كبيرة من أهل الفن والأدب والتاريخ والشعر والفلسفة والعمارة وعلم الاجتماع وعلم النفس والطبيعة والمنطق بل وحتى الرياضيات!!

وتصدرت لدراسته مدارس وتيارات فكرية تضاربت نظرياتها حوله حتى فاقت رؤاها الحد، ونحت في سبيل تفسيره إلى التعقيد أحيانا.. 

فأفلاطون مثلا بمثالية بالغة، يرى أن ما نراه من حُسن في الأشياء من حولنا، إنما هو انعكاس له من عالم المُثُل، عالم فوق حسي.

وقد وُجد -حسبه- قبلنا، خارج عنا وبدوننا.. ويجيب من هذا المنطلق عن سؤال هل الجمال موضوعي أو ذاتي؟ بأنه موضوعي لا علاقة له بالذات بل هو من جوهر الموضوع محل الذوق.

وهناك مَن رآه تجليا من تجليات الطبيعة لقوانينها يد السبق في إدراكنا له، فالتناسب والتناظر والانسجام، قوانين ترسم ملامح الجمال في الأشياء من حولنا ويُعزى إليها استحساننا لها.

في مقابل هذا الاتجاه الموضوعي، نقل كانط مركز الاهتمام إلى تجربة الذات فجعل الحكم الجمالي مرتبط باللذة الناشئة عن “اللعب الحر للخيال والفهم”  كأنه وأهل هذا الرأي يعترضون على “هذا الجمال الخارجي الذي يقصي طبيعتنا  المفكرة” 

فهو حسبهم يعود إلى الطريقة التي نتصور بها الأشياء وأنها “ليست جميلة أو قبيحة في ذاتها” 

وهؤلاء حتى في هذه الاستيطيقا الذاتية منقسمون:

فعلماء النفس رأوه من مرآة النفس تعكسه من خلال لواعجها وبحسب ما يعتريها من تغيّرات.

ومن رآه خاضع لبراغماتيتنا سواء وعينا ذلك أم لا، فما يمثل بالنسبة لنا الخير والوفرة والنماء والصحة وغيرها من المعاني، نجد فيه تمثلا من تمثلات الجمال تبعا للمصلحة المتوخاة منه. 

وليس بعيد من هؤلاء أهل الاجتماع أيضا، حين نسبوا الحُسن لثقافة المجتمع وأعرافه وأن ما هو مستحسن في مجتمع ما، قد يكون مستقبحا في آخر وهكذا. 

وعلى اختلاف كل تلك المدارس فإنها تلتقي جميعها عند حقيقة أنه ثيمة كونية لا يختلف على وجودها إنما الاختلاف في تفسيرها، لكلٍ فيه مذهبه وشيعته وكلٌ بما لديهم فرحون. 

غير أن ما ذهب إليه شارل لالو في كتابه[مبادئ علم الجمال الاستيطيقا] هو رؤية تكاملية للجمال قدّم بها تصورا مركبا حين رأى أنه -أي الجمال- ثنائي المصدر: ذاتي وموضوعي.

وهو بهذا يُدرس من حيث إدراكنا له من ناحيتين: نفسية واجتماعية، في مزاوجة بين الطبيعة والنظرية الفلسفية وعلم النفس الذي يعمل بينهما على تفسير الكيفية التي يتلقّى بها الفرد الصوّر فيحوّلها إلى أحكام ذوقية. 

والذي يهمنا من كل ذلك -ونحن بصدد وضعه تحت مشرط بعض تلك الرؤى والمدارس الفلسفية- هو موضوع من أخص موضوعاته، وهو الامتلاء كسمةٍ بارزة من سمات الجمال الأنثوي في المجتمع الصحراوي.

في محاولة لكشف السر وراء صمّ هذه السِّمة الآذان عن صخب نواقيس الخطر التي بات المهتمون بالشأن الصحي يدقّونها كل حين، ووقوفها كصخرة كأْداء في وجه تيار الحداثة وترسانته الإعلامية وإملاءاتها.

 بمقابل ما جرفه هذا التيار من سمات عاصرتها حينًا من الدهر، ثم أسلمتها الحداثة للاندثار متأثرةً بواقع صيحات وتقليعات المظهر المتغيرة، كالفلجة (الفتحة بين القواطع) وسواد اللثة والشفاه وعرض الجبهة وغيرها.

والحق أن زاوية المعالجة التي يريد منها دعاة الصحة والإعلام كسر هذا الصنم -إن جاز التعبير-  تفتقر للواقعية أولا.

ذلك أن الامتلاء لم يكن مرتبطا في ثقافة المجتمع قديما أو حديثا بالمرض، بل إنه على النقيض تماما ارتبط دائما بالصحة والنضارة والشباب!

السر يكمن في مفاهيم أعمق من المظهر، بعضها موضوعي يتعلق بملامح وتقاسيم الشخص أو الشيء نفسه محل الذوق، وبعضها ذاتي يتحدد باصطلاح أفراد المجتمع ورؤيتهم  التي بنيت بدورها على عوامل ثقافية متعددة.

فلطالما كان الامتلاء أو “الحال” دليلا على الرخاء والوفرة  والخصوبة والجاذبية والقدرة على إنشاء أسرة في المجتمعات الرعوية التقليدية كمجتمعنا.

ودلالة من دلالات الوجاهة أيضا، خلاف النحافة التي كانت مرادفٍا للفاقة والعقم في المخيال الشعبي.

فالنساء إذن واجهة اجتماعية تعكس حالتهن البدنية، الحالة الاجتماعية للأب والأخ والزوج بل والقبيلة ضمن منظومة ثقافية شاملة.

كما يفهم من بعض الممارسات التي تعزى للدين  -وهو أحد أهم روافد المجتمع الثقافية- أنه بتحذيره من التشابه بين الجنسين وتحديده الأعمال التي يجوز لأي منهما مزاولتها مما لا تنتفي به الفوارق أو تذوب الحواجز بينهما، دوره -وإن بطريقة غير مباشرة- في رسم بعض سمات الجسد التي تتمايز بها النساء عن الرجال. 

وهذه مفاهيم كانت وما تزال على مركزيتها من ثقافتنا.

وإن كانت الرأسمالية الغربية وبعض رواسبها المتمثلة في الفكر النسوي في سبيل زعمها تحرير المرأة وبدعوى المساواة والندية، قد سلّعت المرأة بفرض أسلوب حياة صارم لا يشبه طبيعتها الأنثوية في شيء، فإن كثيرا مما يطلق عليه “مجتمعات بدائية” كمجتمعنا، لا تزال تحترم تلك الاختلافات الجوهرية بين الرجل والمرأة.

 وقد أشارت إلى هذا المعنى، الكاتبة ريبيكا بوبينوا -وإن على سبيل الفخر بتفوق الغرب في موضوع حرية المرأة واستقلاليتها- 

في كتابها [feedind desire: fatness, beauty and  sexuality among a saharan people] الصادر سنة 2003 وهو دراسة انثروبولوجية مستفيضة حول معايير الجمال في شعب عرب الأزواغ (المور) في النيجر بالقول:

“في المجتمعات الغربية الحديثة مثلا، حيث يتوقع من الرجال والنساء أداء أدوار متشابهة، يكون الجسد الأنثوي المثالي بوجه عام ذكوريا -نحيلا ورشيقا- بينما لدى العرب الأزواغ ينظر إلى النساء والرجال على أنهم أنواع مختلفة جدا من الكائنات، حيث ينبغي للنساء أن يبدين أبعد ما يكون عن الشبه بالرجال، مستديرات وممتلئات.

ويمكن القول إن هذه المعايير تعبر عن قيم ثقافية واقتصادية في مجال آخر ولذلك لا يمكن فهمها خارج سياقها” 

وهذا الذي نعدُّه خصوصية ثقافية، نحن في الواقع نتشاركه حتى وقت قريب، مع مجموعات عرقية كبيرة وشعوب وثقافات أخرى وحتى مع المجتمعات الغربية نفسها، المُصدِّر الأول للنحافة اليوم كمعيار من معايير الجمال الأساسية!

بل ونتشارك في اختيار الأوقات التي يصبح فيها امتلاء النساء مطلوبا

تقول بوبينوا “فبينما توجد شعوب مثل الفيجيين والمور ترى قدرا معينا من الامتلاء لدى النساء مناسبا في جميع مراحل الحياة، يجري في كثير من الثقافات تعزيز امتلاء النساء في لحظتين: قبيل الزواج مباشرة وبعده مباشرة”

لهذا ولغيره من الأسباب، ظل أثر التحذيرات بشأن المخاطر الصحية للسمنة على الفرد والمجتمع محدودا، لأن زاوية المعالجة لا تنطلق من أصل المشكلة أساسا -إن افترضنا أنها مشكلة-

لأننا حين نحكم بجمال أو قبح شيء أو شخص، فإننا نستحضر حمولة ثقافية تاريخية واجتماعية ونفسية  هائلة ينصهر فيها الذاتي في الموضوعي، وتمثل في مجملها تصوراتنا عن الخير والوفرة والمصلحة والجمال.

وهذا مما لا يمكن تحييده إلا باجتثاث كل تلك الأصول المختلفة لهذه العادة، وهو ما يكاد يكون مستحيلا.

لا أدل على ذلك من عادة تسمين البنات من سن صغير “لبلوح” التي وإن تراجعت شعبيتها في السنوات الأخيرة بصورتها الأولى، إلا أنها ظلت كممارسة تتخذ أشكالا أخرى بعضها بالغ الخطورة حتى اليوم!

وما كثرة الأسماء المؤنثة التي تحمل معنى الامتلاء أو معنىً قريبا من معانيه كالتَّثني والليونة، مثل خديجة ولمخرفة وسمّن والرعبوب وغيرها.

والأمثال المتداولة منذ قرون والتي لا تزال حاضرة هي الأخرى في ثقافة المجتمع كأمر مُتجاوَز لا يثير غرابة من أي نوع.

كالمثل “الشحم زينة واللي اخطاتو احزينة”

والقصص الشعبية على غرار القصة الشهيرة للسمينة التي يدللها زوجها رغم كسلها ورعونتها وسوء تدبيرها، بمقابل ضرتها النحيفة الحذقة التي قوبلت براعتها واتفكريشها، بأن رُدّت لأهلها! 

ما هذه كلها إلا شواهد!

بهذا يمكن الرد على الحملات الإعلامية التي تسوّق لأنمطة الجمال وتوحيد معاييره واتخاذ الغرب مثلا أعلى فيه، بأن الامتلاء لم يكن موضة ليتأثر بتقليعاتها ورواج سوقها أو كساده، وإنما هو من صميم ثقافة المجتمع.

وهذا ما أشارت له بوبينوا في موضع آخر من هذا الكتاب:

“رغم أن بعض عناصر الموضة قد تكون عابرة وعشوائية وسطحية، فإن معايير الجمال في مجملها ليست عشوائية بل ترتبط بطرق معقدةٍ، بمعايير المجتمع في مجالات أخرى من الحياة، وتستمد إشاراتها من الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية”

ختاما -وأعيذ من يقرأ هذا القول، من الفهم أنه دفاع عن السمنة أو هجوم على النحافة-

يبدو أن الحرب على السمنة ينبغي أن تبدأ من فهم ما تمثله في الثقافة التي تخاطبها.. 

مع حسبان أنها واقع يحتاج قبل الشروع في علاجه من أوجه أبعد ما تكون منه إلى تفكيك عناصره.

وتقديم دراسات وإحصائيات أو أرقام (محلية) يمكن من خلالها إقناع من ينتمون لهذه الثقافة أن البُدَّن مثلا أقصر أعمارا أو أقبح من غيرهم -برؤيتهم هم للقبح لا رؤية موديلات الموضة التي تفرضها الشاشات- 

أو إثبات أن النحافة ترفع حظوظ الزواج!

وغيرها من أسباب قد تبدو أكثر واقعية في محيطنا.

وإلا فإن مسألة تقبيح الامتلاء دون تجميل مقنع للنحافة حتى الآن، لن تجدي إلا إن كنا نتحدث عن

“ركّة الجلد” أو “ركّة الحاشية” لا غير. 

المصادر:

مبادئ علم الجمال الاستيطيقا شارل لالو، ترجمة مصطفى ماهر .. المركز القومي. 

feeding desire: fatness, beauty and sexuality among a saharan people.. Rebecca popenoa.. 2003

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top