كوتونو… للقصة وجه آخر

كوتونو... للقصة وجه آخر
Picture of سمية بادي
سمية بادي

مثقفة وكاتبة صحراوية، تدير مركز «لحبالية» لتقديم الخدمات الاجتماعية. تتناول في كتاباتها موضوعات اجتماعية وثقافية متنوعة، وتقدّم قراءة نقدية للواقع الثقافي والاجتماعي والهوياتي داخل المخيمات.

عن الكاتب

السيارات الفارهة تتقاسم الشارع مع التكتوك والدراجات النارية، دون أن يبدو أحدها غريباً عن الآخر. لا يوجد هناك صراع واضح بين الحديث والقديم، ولا بين الغنى والفقر؛ الجميع، وبطريقة ما، يعرف قواعد اللعبة.

بشيء من الطمأنينة والرضا، سلّمتنا كوتونو إلى أبومي كالافى-.  حيث ينظم المنتدى شيئاً فشيئاً ،أخذ إيقاع المدينة الصاخب يخفت، وانحسرت كثافة التجمهر، ففسحت المجال لما في أعماقها كي يظهر ويطفو على السطح. وكأنها أرهقها الاستعراض والإدعاء، فنزعت عن وجهها مساحيق كثيفة كانت تخفي بها بعض مما تخجل منه، أو ما لا ترغب في أن تراه عين عابرة.

هنا بدأت كوتونو أخرى.

بيوت من كل ما يخطر على البال: قصدير، خشب، إسمنت، صفائح زنك،  وفلل فاخرة تقف غير بعيدة عن أكواخ متواضعة. لا شيء يحاول أن يتوارى خلف الآخر، الرأسمالية هنا في أوج تجلياتها المباشرة؛ الثروة والفقر يتجاوران بلا حواجز واضحة، في المدينة ذاتها وعلى الطريق ذاته.

أسواق فوضوية وأخرى غارقة في العتمة، محلات قائمة على جوانب الطريق، وباعة لم يجدوا أماكن لعرض بضاعتهم؛ فاستعانوا بأجسادهم التي تحولت إلى مشاجب حيّة ورفوف متنقلة، يعلّقون عليها ما يريدون بيعه. فهذا شاب على ذراعه اليسرى سراويل من نفس اللون تقريباً، و بيمناه تتلألأ حُليّ صفراء، وعلى مسافة منه جعل هذا المراهق من ظهره سلة لأدوات النظافة من مكانس وغيرها، وتضع امرأة شابة على رأسها صفيحة حديدية مربعة الشكل، لم اتبين ما فيها، وعلى الرصيف طفل رتب أمامه ثلاث زجاجات كبيرة فيها سائل أصفر، عرفت لاحقاً أنه بنزين للدراجات النارية.

كل شيء قابل لأن يصبح مساحة للتجارة: الرصيف، الدراجة، العربة، اليد، وحتى الجسد.

السيارات الفارهة تتقاسم الشارع مع التكتوك والدراجات النارية، دون أن يبدو أحدها غريباً عن الآخر. لا يوجد هناك صراع واضح بين الحديث والقديم، ولا بين الغنى والفقر؛ الجميع، وبطريقة ما، يعرف قواعد اللعبة.

بقيت كوتونو محافظة على شيء من قوانينها الذاتية في العيش المشترك، وكأنها طوّرت، بعيداً عن الكتب والقوانين الرسمية، نظاماً خاصاً بها في تدبير الاختلاف. وحتى الطبيعة نفسها لم تشأ أن تحيد عن ذلك؛ رطوبة المدار، أشجارها، ضوؤها، غيومها الثقيلة، كلها تبدو وكأنها تنسج مع المدينة النسيج نفسه: كثيف، متداخل، ومتعدد الطبقات.

يعيش في كوتونو مجتمع شديد التنوع و الثراء الثقافي. طوائف دينية مختلفة (مسلمون، مسيحيون، ديانات محلية)، وعرقيات متعددة (الفون والغون والأدجا والمينا واليوروبا والناغو والأيزو والماهي والتوفين والخولا والخويدا)، بالإضافة إلى جنسيات متنوعة قدمت من دول الجوار أو حتى باقي العالم. هنا، تتجاور لغات متعددة لكل منها ثقافتها الخالصة؛ فالفرنسية هي اللغة الرسمية، فيما تحضر اللهجات المحلية (الفون والغون واليوروبا والمينا وغيرها) في الحياة اليومية، ويلاحظ انتشار بسيط للإنجليزية بسبب القرب من نيجيريا.

حتى الدين لا يبدو هنا جداراً يفصل الناس بعضهم عن بعض. المسيحية والإسلام والمعتقدات المحلية، وفي مقدمتها تقاليد الفودون، تتجاور في فضاء واحد، وفي حالات خاصة قابلت أشخاصاً يتبنون أكثر من منظومة دينية وثقافية في سلوكياتهم وتصرفاتهم، وإذا كان هذا على مستوى الشخص ذاته، فكيف بالأسرة.

وسط هذا الاختلاف كله، كان عليا البحث  عن علامة وخيط  يدلنى لمعرفة هوية الشخص دون سؤاله عنها، أو قبل أن يتحدث ،لما لا؟!!.

الجسد هو أول الاحتمالات التي خطرت لي.

لكن لم يقدم شيئاً. غالبية السكان، وخاصة الرجال، لهم – تقريباً – نفس التضاريس الجسدية: قامات قصيرة، أكثر ميلاً للقصر منه للطول، كتلة جسدية خفيفة وخفيفة جداً، أجساد يغلب عليها النحول، وجوههم دقيقة الملامح، تفاصيلها غير بارزة، عيونهم على نفس المقاس. ليس هناك ما يثير في أجسامهم غير تلك العناية اللافتة بالجسد من حيث النظافة الشخصية في البدن وما على البدن من ملابس.

حتى في أكثر الأعمال تواضعاً، كان هناك شيء من الاعتناء بالمظهر. قميص مرتب، ثوب نظيف، أظافر مقلمة، ويدان تبدوان وكأنهما لم تغادر طقس العناية بهما. العطور حاضرة بقوة؛ روائح استوائية تختلط برطوبة الجو وتبقى معلقة في الهواء بعد مرور أصحابها.

أما البشرة، فكانت تبدو رطبة لامعة؛ ربما بفعل  الجو الرطب ، وربما كانت العناية الشخصية وراء ذلك. تضيف إليها  تلك الابتسامة الساحرة الوديعة المرسومة على الشفاه. جاذبية خاصة، ما إن تمعن النظر إلى أحدهم، حتى يبادرك بابتسامة مشرقة، وكأنه يقول لك قبل أن تسأله شيئاً: أهلاً بك. ذكرتني بقول أبي تمام: «ترى وجهه إذا ما جئته متهللاً، كأنك تعطيه ما أنت سائله».

حتى في مشيتهم كانوا متشابهين.

يمشون بتروٍّ، لا يبدو أنهم في سباق دائم مع الزمن. والأمر ذاته عند إبداء ردّات  فعل او القيام باستجابة طلب منك، تأتي دائماً ببطء هادئ، قد يكون مستفزاً – أحياناً – لشخص اعتاد السرعة والاستجابة الفورية.

أما إذا نظرت للملابس، فقد تجد فيها ما يقودك لغايتك، وإن كان بطريقة حذرة.

الملابس هنا قد تكون العلامة الأولى التي تكشف لك شيئاً عن خلفية صاحبها الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية. ومهما بلغ التعايش والانسجام، تظل لكل جماعة ذاكرتها الخاصة في اللباس، تحتفظ بها وتظهرها بعفوية، وربما بشيء من القصدية أيضاً.

وللملابس في كوتونو حكايتها الخاصة.

وهي معلقة في الأسواق، يمكنك استنطاقها تجذبك بألوانها الصارخة، لا لتبيع نفسها بقدر ما تعرض تاريخاً كاملاً من الذوق والهوية. هناك الواكس، بألوانه ورسوماته المتكررة، والباتيك بأشكاله التي تحمل آثار الصباغة اليدوية، وهناك الكانفو، ذلك النسيج التقليدي البنيني الذي ارتبط بالاحتفالات والهوية المحلية وأخذ يجد طريقه أيضاً إلى الموضة المعاصرة.

في حياتهم اليومية يميل الرجال – غالباً – إلى الألوان الهادئة والمحايدة؛ ألوان لا تصرخ ولا تستدعي الأنظار إليها، كأن الرجل يفضل أن يمر في الشارع دون أن يعلن عن نفسه أكثر مما ينبغي.

لكن ما إن تأتي مناسبة أو احتفال حتى ينقلب المشهد.

الألوان التي كانت مختبئة في الخزائن ومتروكة على رفوف الأسواق تخرج دفعة واحدة. الأزرق الصريح، الأصفر، الأحمر، الأخضر، البنفسجي، والأقمشة ذات النقوش الجريئة. يصبح الثوب إعلاناً عن الحضور، وتتحول الملابس من مجرد غطاء للجسد إلى طريقة للقول: هأنذا.

يكفي أن ترى الرجل في لباسه حتى تعرف أن هذا اليوم ليس يوماً عادياً.

أما النساء، فهن متشابهات من حيث القامة،-وهن أطول نسبيا من الرجال – لكنهن مختلفات من حيث الملامح الجسد بنية وتضاريس، فرفضهن التشابه ظاهرا جدا ، ورغبتهن في التمايز اوضح.

لتأتي الثياب وتكرس ذلك الرفض و تلك الرغبة ، بداية من اللون ولا ينتهي عند طريقة ارتداء الثوب. قسم يلفن قطعة قماش حول الجسد من الصدر إلى ما تحت الركبتين، مهما اختلف القوام ،الوزن او السن حتى. بينما أعتمد قسم اخر الملابس الإفريقية على اختلاف التصاميم و الألوان ،وقسم ثالث فتح القوس امام اشكال عالمية كثيرة تكشف من الجسد أكثر مما تغطي. ورابع التزم الملابس الدينية، سواءً مسيحية أو إسلامية.

واللافت أن الحجاب الإسلامي لا يأتي هنا دائماً ضمن الصورة التقليدية التي اعتدناها؛ فقد رأيت نسوة  تضعن حجابا على الرأس، فيما تتركن باقي الجسد مكشوفا، وكأن كل جزء من الجسد يحتفظ بحقه الخاص في التعبير، ولا يخضع بالضرورة لقانون واحد.

في الجامعة والفندق وبعض المرافق العامة، بدأ الميل إلى الألوان الداكنة أكثر حضوراً، بينما خارج تلك الأماكن تنفلت الألوان من عقالها، وتظهر النساء ولعاً واضحاً بالألوان الصارخة واللامعة. لكن مهما بلغ بريق تلك الألوان فإنها لا شىء في حضرة الشعر !!!

معرضاً فنياً آخر يضم الأنشطة الفنية التي وجدت أنها تليق بكوتونو، معرضاً خاصاً لا يضم سوى الضفائر والتسريحات.

طويلة وقصيرة، أفقية وعمودية، دقيقة ومعقدة، ملتفة حول الرأس أو منسدلة على الظهر. بعضها تتدلى من أطرافه وصلات ملونة، وبعضها تزينه حبات خرز وحلي صغيرة بألوان مختلفة.

وحين تمر إحداهن بجانبك، تكاد تسمع موسيقى خافتة.

إنها حبات الخرز وهي تحتك ببعضها، تتحرك مع حركة الرأس والجسد، فتمنح الشعر إيقاعاً خاصاً. وحين تتأمل تلك الضفائر، تدرك أن الأمر يتجاوز التسريحة بكثير؛ إنها حرفة كاملة، مساحة للإبداع، ومجال آخر تشتغل فيه أصابع النساء على تحويل الشعر إلى زينة وهوية في الوقت نفسه.

كنت أرى في كل رأس تقريباً فكرة.

وفي كل ضفيرة وقتاً طويلاً من العمل والتفاني.

وفي كل حبة خرز شيئاً من الرغبة في ألا يكون الجسد عادياً.

الجسد إذاً لم يعد مجرد معطى بيولوجي. إنه أداة أخرى يتحدث بها الإنسان عن نفسه؛ عن انتمائه الثقافي، وذوقه، ووعيه، وربما عن معتقده أيضاً. اللباس والشعر والزينة وطريقة الحركة كلها تتحول إلى لغة، يعرف بها الإنسان نفسه للآخر، سواء كان ذلك الآخر ابن المدينة أو غريباً جاء إليها من بعيد.

وما قد يبدو أنه منافسة لإبراز الهوية لم يكن بالضرورة رغبة في إقصاء الآخر، بل محاولة لإثبات الوجود.

أن تقول للآخر: أنا هنا أيضاً.

ثقافتك ليست الثقافة الوحيدة الممكنة، وإن العالم ليس حكراً لنموذج واحد فقط.

ربما كان هذا، في أحد وجوهه، شكلاً يومياً من مقاومة العولمة التي تريد أن تجعل الأذواق متشابهة، والملابس متشابهة، والأجساد متشابهة، وحتى الأحلام متشابهة.

الجسد هنا أداة مقاومة، ولا يعيش فقط للأكل والشرب والنوم ومتاع الحياة؛ إنه يحمل طبقات من الذاكرة ويستوعب الفكر والثقافة والدين والمكان، ثم يمشي بها في الشارع.

ثم هناك الأطفال.

لم أستطع أن أمر بهم دون أن أتوقف ، لهم 

نصيبهم من هذا الاختلاف،  ولهم نصيبهم من القسوة.

كثير منهم خرجوا مبكراً إلى معترك الحياة، كما توحي أعدادهم في سوق العمل غير الرسمي. ومع ذلك، لم تستطع الحاجة أن تنتزع منهم طفولتهم بالكامل.

ها هو أمامي الآن طفل يبيع مجموعة من الدمى ومجسمات قطنية لحيوانات مختلفة وبينما ينتظر المشتري، لا ينسى أن يداعب قرداً صغيراً منها بنعومة، كأنه يبيع لعبة ويحتفظ لنفسه بحق اللعب بها.

وبالقرب منه طفل آخر يبيع الإسفنج المقلي؛ يقضم قطعة منه كلما سنحت له الفرصة. لا يبدو أنه يقاوم إغراء بضاعته، أو ربما لا يملك رفاهية التفريق بين ما يبيع وما يأكل.

وثالثة تتجول بدلو شفاف مملوء بالمشروبات المحلية، تتذوق منها خلسة، ثم تترك دلوها لتشاهد أطفالاً محظوظين يتبارون في الرماية.

مهما بلغ انهماكهم في العمل أو اللعب، يظل شيء طفولي منهم يقاوم. إن مرت حافلة، رفعوا أيديهم لتحيتها. وإن لمحوا غريباً، نظروا إليه بفضول. وإن وجدوا لحظة للعب، اغتنموها.

بإدراكهم الصغير يدركون أهمية لحظات الطفولة، يريدون ألا يُفٓرطوا فيها،وأن لا يُفرطوا فيها في آن واحد، كأن الطفولة دين ينبغي تسديده قبل أن تنتهي المهلة.

أثر فيّ ذلك كثيراً.

وفجأة، عاد صخب الجماهير. بدأ قاع المدينة يتوارى أمام مظاهر الحداثة.

صفحة جديدة في كتاب الرحلة، في أول سطر منه، رأيت رجل أمن.

كان أول حالة أصادفها بهذه الصفة، لم يقترب منا رغم أنه كان مدركاً لوجودنا. استغربت الأمر. توقعت منه أن يفعل شيئاً تخوّله له صفته، أدركت لاحقاً أنني كنت أحمل معي صوراً مسبقة عن بلدان كثيرة، وعن السلطة والأمن وحقوق الإنسان فيها.

حتى تلك النقطة من المدينة، لم ألحظ ما يجعلني أشعر بأن الإنسان يعيش تحت عين تلاحقه في كل خطوة.

رأيت الإنسان يمارس حقه في العيش.

رأيته في الشوارع والمحلات.

رأيته يعمل.

كل واحد يفعل ما يستطيع من أجل كسب عيشه. لم أرَ من ينهر بائعاً أو سائقاً أو امرأة أو طفلاً. لم أرَ سلطة تتدخل في كل تفصيل صغير من تفاصيل الحياة.

وكان هناك شيء آخر لافت: الأمان.

الناس يتركون بضائعهم، يذهبون ويعودون، ويتصرفون كما لو أنهم مطمئنون إلى أن ما تركوه سيظل في مكانه. ذلك النوع من الأمان الذي لا يحتاج إلى إعلان؛ لأنه يصبح عادة يومية.

والنساء في الشوارع جزء أساسي من هذا المشهد.

يعرضن بضاعتهن، يبعن، ويشترين، يتفاوضن، ويتحركن في الفضاء العام. ورغم تنوع الملابس وما قد تحمله من إغراء بصري، لم أرَ في المشهد ما كنت أتوقعه من تحرش أو مضايقة مستمرة.

بل بدا لي أن الرجال تركوا للنساء مساحتهن الخاصة في التجارة والعمل، وذهب كل طرف إلى مهمته.

لم أرَ الدولة تنهر عاملاً.

لم أرَ مداهمة لبائع متجول.

لم أرَ أحداً يُطرد من الرصيف لأنه اختار أن يجعل منه مكاناً لرزقه.

ولم أرَ الناس يحدقون في الغريب كما لو أنه متهم يحتاج إلى تفسير.

كانوا ينظرون إليّ، نعم، لكن نظرتهم كانت أقرب إلى فضول مرحّب منه إلى شكّ أو ريبة.

من أين جئت؟

ربما كانوا يتساءلون في داخلهم.

لكنهم لم يسألوا.

اكتفوا بالابتسامة.

ومع قسوة الإمكانيات وشحها، كان الإنسان هنا يبدو قادراً على النهوض مرة أخرى.

لا ينتظر أن تصبح الحياة عادلة حتى يبدأ.

ولا ينتظر أن تأتيه الفرصة مكتملة.

يصنع شيئاً من القليل الذي يملكه؛ من عربة، أو دراجة، أو دكان صغير، أو قطعة قماش، أو دلو شفاف، أو مجموعة دمى قطنية.

يضع حلمه في الشارع ويمضي.

صور أضفتها إلى أخرى سوف تبقى عالقة في ذهني من كوتونو: حيث الإنسان يستطيع، حتى حين تضيق به الإمكانيات، أن يخلق لنفسه منفذاً إلى الحياة.

يجسد آماله وطموحاته بالأفعال، ويترك للسياسة والإعلام ما يتقنونه وحدهم:

الأقوال.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top