محمد سليمان لبات لـ«انتماء»: حدائق المقاومة تستعيد حق الصحراوي في الأرض والقرار

محمد سليمان لبات لـ«انتماء»
Picture of حاوره: أحمد علين محمد سالم
حاوره: أحمد علين محمد سالم

أحمد علي محمد سالم، صحفي وكاتب ومدوّن صحراوي، يهتم بقضايا الثقافة والهوية والشباب. يسعى من خلال عمله الإعلامي والكتابي إلى تسليط الضوء على تحولات المجتمع الصحراوي، وإبراز قصصه وتجربته الإنسانية والثقافية.

عن الكاتب

قصة الفوسفات لا تتوقف عند المنجم؛ فهو يُنقل عبر الممرات البحرية إلى مناطق مختلفة من العالم. وفي سياق بحثها، صادفت كريستال بينيس جزيرة صناعية في السويد شُيّدت خلال سبعينيات القرن الماضي لتكون مكبًّا لمخلّفات صناعة الأسمدة المستخدمة في الزراعة الأوروبية. وتمثل الجزيرة اليوم شاهدًا على التلوث البيئي الذي تخلّفه معالجة المواد الأولية والمواد الكيميائية من أجل إنتاج الغذاء.

محمد سليمان لبات فنان بصري وصانع أفلام وكاتب صحراوي متعدد التخصصات، وُلد ونشأ في مخيمات اللاجئين الصحراويين جنوب غربي الجزائر، وجعل من الذاكرة الشفوية وحياة الترحال وعناصر الصحراء وعلاقة الإنسان بالأرض والغذاء محاور لممارسة فنية تجمع الفيلم والكتابة والتركيب والعمل الجماعي. وفي مخيم السمارة أسس «موتيف آرت ستوديو»، وهو فضاء للفن المعاصر والبحث والتجريب، بناه خلال عام كامل من بقايا السيارات والأثاث المحطم وأقمشة الخيام المتضررة من فيضانات سنة 2015، مستلهمًا تصميمه من الخيمة الصحراوية ذات الأبواب الأربعة. تحوّل «موتيف» لاحقًا إلى مساحة للورشات والعروض والنقاش وإنتاج المعرفة، ومنه طوّر محمد سليمان مشاريع تربط الفن بحفظ الذاكرة والسيادة الغذائية والتكيف البيئي؛ من بينها «التقويم البدوي» لتوثيق الطريقة الصحراوية في تسمية الأعوام، و«بنك البذور» لجمع البذور المحلية وحفظها وتبادلها بين العائلات، و«تبادل الحدائق الشقيقة» مع جامعة ولاية بنسلفانيا، إلى جانب «حديقة الزراعة الرملية» و«خيمة الفن المجتمعي». ولذلك لا يعمل «موتيف» بوصفه مرسمًا شخصيًا فقط، بل منصةً مجتمعيةً يشارك فيها المزارعون والمهندسون الزراعيون والرواة والنساء الحافظات لفنون الخيمة والمعرفة المحلية.

في قلب هذا المسار يقع مشروع PHOSfate، وهو بحث فني أنجزه محمد سليمان بالتعاون مع الفنان والباحث الفنلندي بيكا نيسكانن، ويتتبع الفوسفات بوصفه مادةً تصل بين الاحتلال واستخراج الموارد وإنتاج الغذاء والأزمة البيئية. ومن هذا البحث خرج فيلمه الوثائقي التجريبي «ديزرت فوسفات» (DESERT PHOSfate، 2023)، ومدته 58 دقيقة؛ وهو عنوان يمزج شعريًا بين phosphate، أي الفوسفات، وfate، أي المصير، في إشارة إلى أثر هذه المادة في مصير الصحراويين والاقتصاد العالمي والأنظمة البيئية. يتكون الفيلم من خمسة فصول غير خطية، تتحرك بإيقاع يشبه العاصفة الرملية، وتجمع أصوات مزارعين ومهندسين زراعيين ورواة وحفظة للذاكرة، لتربط بين استخراج الفوسفات من الصحراء الغربية، واقتلاع الصحراويين من أرضهم، وانتقال المعادن عبر الاقتصاد العالمي، وبين معرفة زراعية جديدة تنمو في مخيمات اللجوء. ويأتي الفيلم داخل معرض «الجزيرة، المنجم وحدائق المقاومة» بوصفه أحد مفاتيحه الأساسية، إذ ينقل رحلة الفوسفات من خرائط الاستخراج والتجارة إلى حياة البشر والنباتات وذاكرة المكان، ويرويها من داخل التجربة الصحراوية وبأدواتها السردية.

من هذه المسارات، ومن النقطة التي يلتقي  معرض «الجزيرة، المنجم وحدائق المقاومة»، المقام في «فوتوغاليريت» بالعاصمة النرويجية أوسلو، يتتبع الفنان الصحراوي محمد سليمان لبات والفنانة الأسكتلندية كريستال بينيس رحلة الفوسفات من مناجم بوكراع في الصحراء الغربية المحتلة إلى الصناعات الزراعية الأوروبية وآثارها البيئية، وصولًا إلى حدائق صغيرة تقيمها عائلات صحراوية في مخيمات اللاجئين. في هذا الحوار مع «انتماء»، يتحدث لبات عن الخيط الذي يصل هذه الجغرافيات المتباعدة، وعن الحدائق بوصفها ممارسة للحياة والمقاومة، وعن دور الفن في كشف الصلات الخفية بين الاستعمار والاستخراج والبيئة واللجوء.

حاوره: أحمد علين محمد سالم

انتماء: ينطلق معرض «الجزيرة، المنجم وحدائق المقاومة» من جزيرة صناعية في السويد، ويمر بمناجم الفوسفات في بوكراع، وينتهي بحدائق تقيمها العائلات الصحراوية في مخيمات اللاجئين. ما الخيط الذي يجمع بين هذه الأمكنة المتباعدة؟ وماذا تكشف رحلة الفوسفات عن الاستغلال الاستعماري للأرض وآثاره في الإنسان والبيئة؟

محمد سليمان لبات: في البداية، أتوجه بالشكر إلى منصة «انتماء» والقائمين عليها على استضافتي للحديث عن هذا المعرض، الذي أقدمه مع الفنانة الأسكتلندية كريستال بينيس. إنه معرض تشاركي، بحثي واستقصائي، يستكشف بعض التقاطعات بين الفن والإيكولوجيا والبيئة والسياسة.

يتتبع المعرض رحلة مادة تؤثر في أشكال الحياة وبيئات مختلفة؛ رحلة تمتد من الصحراء الغربية إلى بحر البلطيق، ثم تتفرع إلى مناطق أخرى من العالم. وبالنسبة إليَّ، بوصفي صحراويًا شُرّد من أرضه، تبدأ قصة الفوسفات مع الاجتياح المغربي للصحراء الغربية: رغبة فيما يوجد تحت الأرض لا فيما يعيش فوقها، ولا سيما فوسفات بوكراع.

لكن قصة الفوسفات لا تتوقف عند المنجم؛ فهو يُنقل عبر الممرات البحرية إلى مناطق مختلفة من العالم. وفي سياق بحثها، صادفت كريستال بينيس جزيرة صناعية في السويد شُيّدت خلال سبعينيات القرن الماضي لتكون مكبًّا لمخلّفات صناعة الأسمدة المستخدمة في الزراعة الأوروبية. وتمثل الجزيرة اليوم شاهدًا على التلوث البيئي الذي تخلّفه معالجة المواد الأولية والمواد الكيميائية من أجل إنتاج الغذاء.

تتيح الأسمدة زيادة الإنتاج الزراعي، لكنها تترك آثارًا جانبية خطيرة. فعندما يصل فائض الفوسفور إلى بحر البلطيق، يغذي نمو الطحالب بكميات تفوق قدرة النظام البيئي على استيعابها، فتُحجب أشعة الشمس عن كائنات أخرى، ويُستنزف الأكسجين عند تحلل الكتلة العضوية، ما يؤدي إلى اختلال التوازن البيئي وتراجع كثير من أشكال الحياة.

وهكذا تكشف رحلة الفوسفات أن نهب ثروات الصحراء الغربية لا ينتهي عند اقتلاع المادة من أرض واقعة تحت الاحتلال، بل يمتد عبر سلسلة عالمية من النقل والتصنيع والاستهلاك، ويخلّف تداعيات بعيدة المدى، بعضها كارثي على البيئة. هذا هو الخيط الذي يجمع المنجم والجزيرة والحدائق: مادة واحدة، لكن آثارها السياسية والاقتصادية والبيئية تظهر في جغرافيات متباعدة.

انتماء: يضع عنوان المعرض «المنجم» في مقابل «حدائق المقاومة»: ففي بوكراع تُستخرج ثروة أرض واقعة تحت الاحتلال، بينما تصنع العائلات الصحراوية في المخيمات مساحات للحياة وسط الندرة واللجوء. ماذا تمثل هذه الحدائق فنيًا وسياسيًا؟ وهل يمكن النظر إليها بوصفها شكلًا من أشكال مقاومة الاقتلاع واستعادة العلاقة بالأرض؟

محمد سليمان لبات: كان من الضروري أن نوسّع دائرة البحث لتشمل ممارسات الزراعة في مخيمات اللاجئين الصحراويين. وهنا ينبغي التوضيح أننا لا نزعم أن هذه الممارسة تشمل جميع الصحراويين، ولا نقول إن الشعب الصحراوي يحاول تحويل الصحراء كلها إلى منطقة خضراء. نحن نتحدث عن ممارسات صغيرة، لكنها تحمل رمزية كبيرة، وتُظهر قدرة الإنسان الصحراوي على الاستجابة لتحديات قاسية، في تناقض واضح مع الممارسات الاستنزافية التي ينتهجها الاحتلال المغربي والشركات الرأسمالية التي لا تضع الآثار البيئية في صلب اهتماماتها.

تكشف الحدائق أيضًا مفارقة لافتة. فالسردية التي يروّج لها الاحتلال المغربي والشركات التي تعالج الفوسفات وتحوله إلى أسمدة تقول إن استنزاف هذه الموارد ضرورة لإنتاج الغذاء. لكن بعض العائلات الصحراوية في مخيمات اللاجئين تحاول إنتاج جزء من غذائها من دون الاعتماد على الفوسفات المستخرج من أرضها أو على الأسمدة الصناعية؛ تفعل ذلك في بيئة شديدة القسوة، وبتربة رملية فقيرة بالمواد العضوية، بينما يعتمد سكان المخيمات بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية.

لهذا تمثل هذه الممارسات تحديًا لسردية اقتصادية عالمية تبرر استنزاف موارد الشعوب بالحاجة إلى إنتاج الغذاء. وثمة بحوث علمية جادة تؤكد إمكان تطوير أنماط زراعية لا تقوم على الاستنزاف المفرط للموارد، ولا على استغلال أراضي شعوب لا تريد أن تُستغل بهذه الطريقة.

سمّيناها «حدائق المقاومة» لأنها تتحدى فكرة الاعتماد الكلي على هذا النموذج من الإنتاج، ولأنها تعبر عن قابلية الإنسان الصحراوي للتكيف وقدرته على ابتكار حلوله بنفسه. نحن أبناء بيئة صحراوية تفتقر تربتها إلى المواد العضوية، لكن تفاعلنا معها عبر قرون أكسبنا معرفة وقدرة كبيرتين على التكيف. لذلك لا تمثل الحديقة مجرد مساحة صغيرة لإنتاج الغذاء؛ إنها محاولة لاستعادة الفاعلية والعلاقة بالأرض والحق في تقرير طريقة العيش.

انتماء: يجمع المعرض بين تجربتك بوصفك فنانًا صحراويًا وتجربة الفنانة الأسكتلندية كريستال بينيس، كما يوظف الصور والوثائق الشخصية والمواد الأرشيفية وأعمال الفيديو. كيف تشكل هذا التعاون؟ وكيف ساعد تعدد الوسائط والرؤى في تحويل قضية اقتصادية وسياسية معقدة، مثل الفوسفات، إلى تجربة فنية يستطيع الزائر أن يراها ويشعر بها؟

محمد سليمان لبات: بدأ التعاون بيني وبين كريستال عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل المباشرة. هي فنانة بصرية تهتم بقضايا الاستخراج واستغلال الموارد الأولية، وأنا أيضًا أعمل، منذ مدة، على هذه القضايا وعلى تقاطعات الفن والبيئة والثقافة. من هنا اكتشفنا أن أبحاثنا، رغم انطلاقها من موقعين وتجربتين مختلفتين، تلتقي عند الأسئلة نفسها تقريبًا.

سمح لنا هذا الاختلاف في المواقع والرؤى بتوسيع الحكاية: من منجم بوكراع والاحتلال ونهب الموارد، إلى الجزيرة الصناعية في السويد ومخلّفات صناعة الأسمدة، ثم إلى ممارسات الزراعة العائلية في مخيمات اللاجئين الصحراويين. لم نعد أمام قصة مكان واحد، بل أمام شبكة من العلاقات تكشف كيف تنتقل المادة وآثارها بين الأرض والبحر والصناعة والغذاء والإنسان.

وكان تعدد الوسائط ضروريًا لتجسيد هذه الشبكة. فالصور تقرّب الزائر من الأمكنة والوجوه، والوثائق الشخصية تعيد الإنسان إلى قلب القضية، والمواد الأرشيفية تكشف التاريخ والبنى الاقتصادية والسياسية التي تقف خلف عملية الاستخراج، بينما تمنح أعمال الفيديو للزمن والحركة والصوت حضورًا لا تستطيع الصورة الثابتة وحدها توفيره. لا يقدم المعرض شرحًا اقتصاديًا مباشرًا فحسب، بل يتيح للزائر أن يرى الصلات بين هذه العناصر، وأن يشعر بأن ما يبدو قضية بعيدة يرتبط بحياته وبيئته وغذائه أيضًا.

انتماء: يُعرض هذا العمل في أوسلو أمام جمهور أوروبي قد لا يعرف الكثير عن مصدر فوسفات بوكراع أو ظروف استخراجه. ما الذي تريد أن يخرج به الزائر من المعرض؟ وكيف يمكن للفن أن ينقل القضية الصحراوية من إطارها الإنساني الشائع إلى حقيقتها السياسية؟

محمد سليمان لبات: كثيرًا ما تُختزل قضية اللاجئين الصحراويين في المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. ومع أهمية هذه المساعدات، فإن التركيز عليها يحجب أصل المشكلة: نحن أمام قضية سياسية، لا أمام أزمة غذاء فحسب.

تقول الحدائق العائلية، بمعنى ما، للعالم: توقّفوا؛ ليست المشكلة أن مجموعة من اللاجئين تحتاج إلى الغذاء فقط. نحن قادرون على إنتاج جزء من غذائنا، وعلى ابتكار حلولنا، وعلى اتخاذ القرار بشأن الطريقة التي نريد أن نعيش بها. أما مسؤولية الأمم المتحدة والمنظمات والمجتمع الدولي فهي العمل من أجل حل سياسي يضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير.

من خلال الصور والوثائق والأعمال الفنية، يتيح المعرض لزواره الاقتراب من الصحراء الغربية ومن المناطق المحررة ومخيمات اللاجئين، والتعرف إلى حقيقة النزاع بوصفه قضية استعمار واحتلال ونهب للموارد، لا مجرد ملف إنساني. كما يدعو الجمهور الأوروبي إلى التفكير في مصدر المواد التي تدخل في إنتاج غذائه، وفي الثمن الإنساني والسياسي والبيئي الذي قد يُدفع بعيدًا عنه. بالنسبة إلينا، تكمن قوة الفن في قدرته على جعل هذه الروابط مرئية ومحسوسة، وعلى نقل القضية من الأرقام والتقارير إلى تجربة تضع الزائر وجهًا لوجه أمام مسؤوليته الأخلاقية والسياسية.

في ختام هذا الحوار، تتقدم منصة «انتماء» بخالص الشكر إليك اخي الفنان محمد سليمان لبات على قبول دعوتنا، وعلى الوقت الذي خصّصته لنا٬ لتقريب هذا المشروع من قرائنا. كما نثمّن جهده الفني والبحثي الملهم، وقدرته على تحويل أسئلة الأرض والذاكرة والاقتلاع والبيئة إلى أعمال تفتح مساحات جديدة للفهم والحوار، وتمنح التجربة الصحراوية صوتها وصورتها من داخلها. والشكر موصول إلى قرّاء «انتماء» على متابعتهم واهتمامهم، وعلى مشاركتنا هذا الحوار والأسئلة التي يفتحها حول الأرض والإنسان وحق الشعوب في رواية تجاربها بأصواتها.

قائمة المصادر

  1. فوتوغاليريت، معرض «الجزيرة، المنجم وحدائق المقاومة».
  2. موتيف آرت ستوديو، نبذة عن محمد سليمان لبات.
  3. موتيف آرت ستوديو، من نحن: تعريف الاستوديو وفلسفته وتاريخ تأسيسه.
  4. موتيف آرت ستوديو، قائمة المشاريع الفنية والبحثية.
  5. موتيف آرت ستوديو، فيلم «ديزرت فوسفات» DESERT PHOSfate.
  6. موتيف آرت ستوديو، مشروع حديقة الزراعة الرملية PHOSfate Sandoponic Garden.
  7. موتيف آرت ستوديو، مشروع «حديقة الفوسفور» Phosphorus Garden.
  8. موتيف آرت ستوديو، مشروع «بنك البذور» Seed Bank.
  9. موتيف آرت ستوديو، مشروع «تبادل الحدائق الشقيقة» Sister Garden Exchange.
  10. موتيف آرت ستوديو، مشروع «التقويم البدوي» Nomadic Calendar.
  11. موتيف آرت ستوديو، مشروع «خيمة الفن المجتمعي» في بينالي لوليو 2024.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top