وتر يعزف وطنًا…

عالي محمد احمد سالم
Picture of احمد علين محمد سالم
احمد علين محمد سالم

أحمد علي محمد سالم، صحفي وكاتب ومدوّن صحراوي، يهتم بقضايا الثقافة والهوية والشباب. يسعى من خلال عمله الإعلامي والكتابي إلى تسليط الضوء على تحولات المجتمع الصحراوي، وإبراز قصصه وتجربته الإنسانية والثقافية.

عن الكاتب

❝

وجد عالي نفسه في فرقة تتسع فيها مسؤولية الفنان لتشمل الألحان والعزف والمشاركة في التوزيع. كانت الإمكانات محدودة، والعمل قائمًا على الرفاقية والتطوع، فيما يدفع انتظار الجمهور للأغاني الجديدة إلى مواصلة الإنتاج. وفي هذا المحيط، شارك في توسيع أدوات الأغنية، مستفيدًا من تكوينه وانفتاحه على آلات متعددة، وباحثًا في الصلة بين المقامات التي تعلمها والموروث الحساني. كان التجديد عنده متصلًا بسؤال واضح: كيف تتطور الموسيقى وتظل مسموعة بوصفها موسيقى صحراوية؟

يتذكر عالي محمد احمد سالم طاولة الفصل التي جمعته بزميله محمد فاضل ولد اجدود، المعروف بـ«كيلو»، وهما يعملان على أغنية في عام 1986. يستعيد هذه اللحظة في حديثه إلى «انتماء» بوصفها واحدة من تجاربه الأولى في صناعة الأغنية. ومن تلك البدايات، سيتسع حضوره داخل فرقة الشهيد الولي، ليصبح من الموسيقيين الذين أسهموا في تشكيل الرصيد الذي كبر عليه شباب صحراويون، وارتبط في وجدانهم بالوطن والحنين إليه.

بدأ تعلقه بالموسيقى في الطفولة، ثم أتاحت له الدراسة في ليبيا المشاركة في الفرق المدرسية والتعرف إلى آلات ومقامات مختلفة. يتذكر أستاذًا مصريًا شجعه على التشيلو، فيما احتفظ الغيتار بمكانة خاصة في تجربته. ومن البرامج الصيفية للشباب والطلبة منذ 1984، وصل إلى الانضمام الرسمي إلى فرقة الشهيد الولي في مطلع 1987، حاملًا معرفة أراد اختبارها وتطويرها داخل التجربة الوطنية.

64788d8b 6344 4bd0 95d6 de9bdfa35093
عالي في الجانب الايسر و العازف حمة حسان في الجانب الايمن

وجد عالي نفسه في فرقة تتسع فيها مسؤولية الفنان لتشمل الألحان والعزف والمشاركة في التوزيع. كانت الإمكانات محدودة، والعمل قائمًا على الرفاقية والتطوع، فيما يدفع انتظار الجمهور للأغاني الجديدة إلى مواصلة الإنتاج. وفي هذا المحيط، شارك في توسيع أدوات الأغنية، مستفيدًا من تكوينه وانفتاحه على آلات متعددة، وباحثًا في الصلة بين المقامات التي تعلمها والموروث الحساني. كان التجديد عنده متصلًا بسؤال واضح: كيف تتطور الموسيقى وتظل مسموعة بوصفها موسيقى صحراوية؟

وكان السلم الخماسي أحد منابع إلهامه، ومجالًا للبحث في إمكانات اللحن وصلات الموسيقى الصحراوية بمحيطها. راح علي يقارن بين مقامات أزوان ومقامات عربية مثل النهاوند وجهار كاه، مستحضرًا تسميات حسانية مثل «فاقو» و«كحال سنيمة». وفي شرحه لهذه الصلات، تظهر أذن تلتقط أوجه التقارب وتبحث في اختلاف طرق الأداء. أتاحت له هذه المعرفة أن يصل ما تعلمه في الدراسة بما يسمعه في بيئته، وأن يتعامل مع الموروث بوصفه مادة حية للتأليف والتجديد.

تظهر ملامح إجابته في طريقته في التلحين. ففي تعاونه مع الشاعر محمد الأمين ولد علال، كان يضع اللحن أحيانًا قبل الكلمات، ويتصور الصوت الذي سيؤديه، ثم يطلب نصًا يراعي المقام والقافية وخامة المؤدي. كانت الأغنية تتشكل في هذا الحوار بين الشاعر والموسيقي، حتى تجد الكلمات مكانها داخل اللحن. ومن أمثلتهما «تيرس نبغيها وهي منايا»، التي يستعيد عالي حكاية ولادتها من لقاء ليلي كان فيه منشغلًا بالغيتار، قبل أن يدعو محمد لمين إلى كتابة كلمات للحن أعده.

وعلى الركح، كان عالي يضطلع بدور قائد الأوركسترا الصحراوية، يشارك في صياغة أدائها كما يشارك في بناء أغنياتها. قد يتوارى خلف الأصوات حاملًا غيتاره، وقد يتقدم ليغني أو يؤدي كلمات عمل من أعماله، محافظًا على تواضعه وروحه التطوعية. وتلتقي شهادات من سألناهم عنه عند هذه الصورة: موسيقي كان القلب النابض للفرقة، يترك أثره في ما تقدمه حتى حين لا يكون هو الواقف في مقدمة المشهد.

وحين يتحدث الموسيقي القدير «فكّو»، إلى «انتماء»، يذكر عالي محمد احمد سالم بوصفه مصدر إلهام له. تمنح هذه الشهادة معنى ملموسًا لأثره؛ فأسلوب الفنان يستطيع أن يفتح أمام موسيقي آخر طريقًا للتجريب وتكوين لغته الخاصة. وفي تجربة عالي، يلتقي هذا الأثر بما يرويه عن مرونة التعاون مع زملائه، وعن بحثه الدائم عن اللحن الذي يلائم الكلمات والصوت.

وامتدت شبكة تعاونه عبر أجيال الموسيقى الصحراوية. فقد تفاعل مع رواد الأغنية وشارك أصواتًا من الجيل الأول، بينها أم دليلة والمحفوظ علين “ادريببة” وفتاتة، ثم واصل العمل مع أبناء جيله ومع موسيقيين من الجيل الثالث. تكشف هذه اللقاءات عن قدرته على الإصغاء إلى اختلاف الأصوات والخبرات، وبناء عمل مشترك يحتفظ فيه كل فنان بملامحه. ولهذا تتوزع بصمته على تجارب تتباين أعمار أصحابها وأساليبهم، ويجمع بينها حضور عالي عازفًا أو ملحنًا أو شريكًا في بناء الأداء.

ويحتفظ ألبوم «تيرس» لفرقة الشهيد الولي، المسجل في بلجيكا سنة 1994، بصورة مسموعة من تلك المرحلة. تورد بياناته اسم علي محمد على الغيتار، لكنه في الحقيقة كان اكثر من ذلك فقد ادى اغاني خالدة في ذلك الالبوم ومنها رائعته “شدني الشوق اليك” وضمن تشكيلة جمعت التيدينيت والباس والكيبورد والإيقاع، وأصوات السالمة “شويطة” وفتاتة والبندير. يوثق الألبوم عملًا جماعيًا اتسعت فيه الأدوات الموسيقية، مع احتفاظ الأغاني بموضوعاتها الوطنية وصلتها بالحياة في المخيمات.

في هذا الرصيد يمكن قراءة جانب من هوية الشباب الصحراوي الذين نشأوا على أغاني فرقة الشهيد الولي. حملت الألحان إليهم أسماء الأرض وحكايات الصمود، ومنحتهم لغة مشتركة للتعبير عن الانتماء. وتكتسب مساهمة عالي محمد احمد سالم قيمتها داخل هذه العلاقة بين الموسيقى ومستمعيها؛ فما ينجزه العازف أو الملحن في لحظة العمل يصبح لاحقًا جزءًا من الذاكرة الشخصية لمن يسمع الأغنية ويربطها بسنوات من حياته.

ويظهر اتساع هذا الأثر في الأمكنة التي احتضنت هذه الأغاني. ففي المدارس العسكرية، كما في المدارس الإعدادية والثانوية، وبين الطلبة في الخارج، وفي المناسبات الاجتماعية وسيارات الأجرة داخل المخيمات، وصولًا إلى المظاهرات في شوارع العيون، حضرت أغاني مثل «من عمق الاوطان ادلي» و«سنمضي يومًا إلى الكفاح» في حياة أجيال متعاقبة. يساعد هذا الانتشار على فهم مكانة هذا العبقري في وجدان مستمعيه؛ فقد رافقت الموسيقى التي أسهم في صنعها تعلّمهم ولقاءاتهم وتعبيرهم عن مطالبهم، وصارت جزءًا من الطريقة التي يتعرفون بها إلى أنفسهم وإلى وطنهم.

ومع تغير المرحلة بعد وقف إطلاق النار، اتسعت لغة الأغنية لتمنح الحب والاشتياق مساحة أكبر. يشرح عالي ذلك من خلال «شدني الشوق إليك»، المسجلة في بلجيكا، حيث تحيل صورة الحبيبة، بحسب تفسيره، إلى الأرض ومسقط الرأس. صار الحنين وسيلة أخرى لغناء الوطن، وأصبح في مقدور الرسالة الوطنية أن تصل إلى المستمع عبر تجربة وجدانية حميمة. ومن هنا يمكن فهم جانب من قدرة هذه الأغاني على مرافقة الناس خارج المناسبة التي أُنتجت من أجلها.

captura de pantalla 2026 09 29 a las 20.21.47
صورة عالي محمد احمد سالم ، مصدرها صفحة Saharawi Rasd على فيسبوك

وحمل عالي هذه الخبرة إلى التدريس حين انطلقت تجربة المدرسة الوطنية للموسيقى. واصل دوره أستاذًا ينقل ما راكمه، في فضاء كان يُنتظر منه أن يمنح الموسيقى الصحراوية أساسًا أكاديميًا، وأن يتيح دراسة مقاماتها وتطوير أدوات تعليمها. وفي حديثه عن المدرسة، يتحسر على مشروع لم يكتمل. تحمل هذه الحسرة سؤالًا يتجاوز مسيرته الفردية: كيف تنتقل المعرفة التي راكمها الفنانون إلى الأجيال الجديدة ضمن مؤسسة تتيح دراستها وتطويرها؟ كانت المدرسة بالنسبة إليه فرصة لهذا الانتقال، ولتحويل الخبرة الشخصية إلى معرفة يمكن تعليمها وحفظها.

تتضح خصوصية عالي محمد احمد سالم بالنسبة لجيله، في هذه القدرة على وصل التكوين بالممارسة، وعلى منح اللحن شخصية تراعي الكلمات ومن سيغنيها. وبين أغنية تبدأ على طاولة الدراسة، وأعمال تصل إلى جمهور واسع، وشهادة موسيقي لاحق وجد فيه إلهامًا، تتشكل سيرة فنان ترك أثره في التجربة الصحراوية. وهو، حين يستعيد هذا المسار، يؤكد أن الموسيقى الوطنية ملك جماعي. استعادة اسمه وأسماء زملائه تمنح تلك الذاكرة وجوه أصحابها، وتتيح للأجيال التي أحبت الأغاني أن تتعرف إلى من صنعوها.

بالنسبة لنا، نحن الجيل الذي وُلد بعد وقف إطلاق النار، يشكل عالي محمد احمد سالم ممرًا إلى نهاية جميلة لتلك المرحلة الثورية وبداية لغة أوسع. فقد حملت موسيقاه إلينا حديثًا عن الوطن والأرض والنضال وعن الحب والسلام، وجعلت من الأغنية فضاءً يتسع للجميع، لا حكرًا على طبقة أو فئة كما كان شائعا في مجتمع البيضان الواسع سابقًا. ومن خلال هذا المعنى، لا يبدو عالي مجرد موسيقي او فنان أو عازف فحسب، بل تعبيرًا عن لحظة نضج جماعية أصبح فيها الفن جزءًا من هوية وطنية تتجاوز الولاءات الضيقة، وتجمع ما كان متناثرًا، ومع ذلك لا يمكن أن نتوقف عند الاحتفاء فقط، إذ إن روح البدايات التي يتحدث عنها بحاجة إلى دراسة أوسع وإلى إنصات أطول. ربما لا تكون تلك الروح مجرد تاريخ، بل مدارس حية تسير معنا، وتضيء الدرب كلما أظلم الزمان.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top