في حضرة المحبوب 

processed with vscocam with f2 preset
Picture of سمية بادي
سمية بادي

مثقفة وكاتبة صحراوية، تدير مركز «لحبالية» لتقديم الخدمات الاجتماعية. تتناول في كتاباتها موضوعات اجتماعية وثقافية متنوعة، وتقدّم قراءة نقدية للواقع الثقافي والاجتماعي والهوياتي داخل المخيمات.

عن الكاتب

❝

سمعت عن بعض ثوراته المزاجية، وعن لحظات كان فيها قاسيًا ومقيتًا. ومع ذلك، لم ينتقص شيء من إعجابي به. كنت أجد له الأعذار دائمًا، وأحمّل الآخرين نصيبًا أكبر من اللوم. ربما كانوا هناك في لحظات غضبه، وربما لم يكن مسؤولًا وحده عما حدث، وقد تكون هناك تفاصيل لا يعرفها من يكتفون بالحكم على المشهد من الخارج.

«أغدًا ألقاه، يالشوقي واحتراقي، في انتظار الموعد»…

منذ أن لمحته بالقرب من مطار كوتونو، وأنا أدندن بهذه المقطع، وأُعِدّ نفسي، بما استطعت، لليوم الذي سنلتقي فيه، وأرتب في مخيلتي تفاصيل هذا اللقاء.

يا لتصاريف القدر! ها أنا، أخيرًا، أقف أمامه وجهًا لوجه، بعد سنوات من التواصل الافتراضي، وآلاف الرسائل والحكايات، ومئات الوعود التي قطعها لنا كل من سمع بقصتنا، مؤكدًا أن اللقاء لا بد أن يأتي يومًا، وأن ما طال انتظاره لا بد أن يجد طريقه إلى التحقق.

لطالما بدا لي أن الغد كلمة قاسية، بعيدة المنال، وأن الوصول إليه يحتاج إلى صبر لا أعرف إن كنت أملكه. لكن الغريب أن الغد، حين يصبح اليوم، يفقد شيئًا من هيبته، وحين يتحول إلى أمس، يبدو كأنه لم يكن سوى لحظة عابرة.

أليس الزمن، مثل المكان، في حاجة إلى الأحداث كي يكتسب معناه؟ فالأيام، في ذاتها، لا تحمل قصصًا؛ نحن الذين نمنحها حكاياتنا، ونحوّل لحظاتها إلى محطات تستحق أن نتذكرها.

كم مرة حاولنا اجتياز المسافات التي حالت بيننا؟ وكم اختبارًا من اختبارات الصبر والانتظار اجتزنا بنجاح؟ كانت أجسادنا أبعد من الثريا، لكن أرواحنا أقرب من حبل الوريد.

كلما أوشك طرف خيط حكايتنا أن يفلت من قبضتي، كان هو يشد عليه بنواجذه. لم تكن المسافة عدونا الوحيد، بل تكالبت علينا صروف العصر ومحنه، لتجعل اللقاء مؤجلًا، حتى حين بدا أن لا شيء بقي ليحول دونه سوى إرادة غامضة لا نملك تفسيرها.

أُغلقت الطرق جوًّا وبرًّا، وتعذّرت السبل، وتوالت الأسباب التي كان من شأنها أن تدفعنا إلى الاستسلام. لكننا صمدنا. كان في داخل كل منا إيمان خفي بأن بعض الحكايات لا تنتهي لمجرد أن العالم قرر أن يضع أمامها ألف حاجز.

وغدًا، سأختبر لذة اللقاء بلا ميعاد.

سأحاول أن أسأله ألف سؤال: عن المنفى، وعن الوطن، وعن الأشياء التي لم أجد لها بداية واضحة في علاقتنا، وعن السنوات التي عشناها بعيدين، وعن الحكايات التي ظلت معلقة بيننا، تنتظر لحظة نمتلك فيها الوقت والشجاعة لنرويها.

لكنني أخشى أن يظن أنني لا أستطيع الصبر معه، وأن ينتهي اللقاء قبل أن أستوفي ما أعددته له من أسئلة.

لقد صبرت بما يكفي، أو هكذا  أظن.

«ما لي أحدق في المرآة .. أسأله

بأي ثوب من الأثواب ألقاه»

لم أكن أؤمن كثيرًا بالمقولة التي تدعونا إلى أن نأكل ما نشتهى ونلبس ما يعجب الناس. كانت اختياراتي في الملابس، في الغالب، عفوية؛ أرتدي ما يناسب المناسبة والطقس والمكان، بشرط أن يعكس اختياري قناعاتي الشخصية، وأن أجد فيه شيئًا من هويتي الفكرية والروحية، مع مراعاة القيم وحدود الذوق الاجتماعي العام.

أحيانًا كنت أتلقى المديح، وأحيانًا أخرى لا أجد سوى اللامبالاة. ولم يكن هذا يزعجني كثيرًا؛ فقد كنت أفضل البقاء في تلك المنطقة التي لا تجعلني أسيرة إعجاب الآخرين، ولا تدفعني إلى مخالفتهم لمجرد إثبات الاختلاف.

لكن الأمر مختلف الآن.

لقد قضيت في اختيار ملابس مناسبة للقاء ما يكفي لقراءة صفحات من كتاب، أو لتأدية وردي الديني، ومع ذلك وجدتني عاجزة عن حسم اختياري لما يناسب اللقاء.

طالما أردت أن أبدو كما أنا، لا كما يحب الآخرون أن أبدو. لكنني اكتشفت الآن أن الإنسان، حين يتعلق الأمر بمن يحب، لا يتحرر تمامًا من رغبته في الظهور بأفضل صورة؛ ليس بالضرورة طلبًا للإعجاب، بل لأنه يريد أن يكون جديرًا باللحظة التي انتظرها طويلًا.

كيف يستطيع حدث واحد أن يغير عاداتنا الصغيرة التي لم نكن نظن أنها قابلة للتغيير؟

تمنيت لو أنني اصطحبت معي كل الرسائل التي كتبتها إليه، لأستعين بها حين يلجم لساني عن الكلام أمامه. كنت واثقة من أن لساني سيخذلني، وأن الكلمات التي طالما تدفقت في غيابه قد تتعثر في حضوره.

لم يكن ذلك خجلًا منه بالضرورة، بل ربما كان فرحًا أكبر من قدرتي على التعبير، أو ارتباكًا يصيب الإنسان حين تتحول الفكرة التي عاش معها طويلًا إلى حقيقة تقف أمامه.

لطالما آمنت بأننا سنلتقي يومًا ما، وأننا سنمنح علاقتنا نهاية سعيدة.  سنتغافل عن الحواجز كلها، و سنجد طريقنا مهما تعقدت السبل. فلا بد أن يحدث ذلك، ولو مرة واحدة.

لكن ما لم يخطر ببالي قط أن يكون لقاؤنا الأول على هذه الأرض، في أقاصي الجغرافيا التي لم تكن يومًا جزءًا من حساباتي.

اهتممت بالجغرافيا كثيرًا، وقرأت عن البلدان والبحار والمضائق، ومع ذلك لم أكن قد أوليت خليج غينيا ما يستحقه من اهتمام. لم أكن أعرف أنني سأقف يومًا على شاطئه، وأن هذا الاسم الذي مرّ بي في الكتب والخرائط سيصبح جزءًا من حكاية شخصية، ومن ذاكرة لا تشبه أي ذاكرة أخرى.

كم نعرف عن العالم، وكم نجهل عنه في الوقت نفسه! نحفظ أسماء الأماكن وحدودها، ونستطيع تحديد مواقعها على الخرائط، لكننا لا نعرف ما الذي يمكن أن تعنيه لنا إلا حين تمنحنا الحياة سببًا للوصول إليها.

فالإنسان هو الذي يمنح المكان قيمته، وهو الذي يحوّل المساحة الجغرافية إلى ذكرى، والعبور العابر إلى حدث يستحق أن يُروى. هناك أماكن جرداء تخلّدها الحكايات، وأماكن فاتنة تزول من الذاكرة، كأن جمالها لم يكن كافيًا ليمنحها البقاء.

كنت أظن أنني أعرف المكان من خلال ما قرأت عنه، لكنني بدأت أفهم أن المعرفة شيء، وأن تكون لك حكاية مع المكان شيء آخر تمامًا.

أصل الحكاية؟

عرفته أول مرة من صورة عرضتها عليّ صديقة أجنبية، وقالت لي إنه من عندكم. لم يكن لافتًا للنظر كثيرًا؛ بدا بسيطًا وهادئًا، وربما كان ذلك الهدوء، الذي يشبه شيئًا أعرفه في نفسي، سببًا كافيًا لأن يمر حضوره الأول دون أثر.

لكن صديقتي أخذت تحكي لي عنه  في مناسبات كثيرًا، حتى بدأت أشك في أنها تحاول استفزازي أو إثارة غيرتي. لم أفهم سر إصرارها على الحديث عنه، فقررت أن أتعرف إليه بطريقتي، بعيدًا عن روايات الآخرين وانطباعاتهم.

كان لافتًا أن أجد إجماعًا على الإعجاب به؛ فلم أقابل أحدًا يعرفه إلا ووجد لديه ما يستحق الثناء والتقدير. وهذا الإجماع، بدل أن ينهي فضولي، زاده اشتعالًا.

فهل يمكن أن يجتمع الناس على تقدير أمر واحد؟، أم أن لكل واحد منهم تجربة مختلفة جعلته يرى فيه شيئًا لا يراه الآخرون؟

بدأت أبحث عنه، وكان حظي جيدًا؛ فقد أتاح لي وجوده على وسائل التواصل الافتراضية أن أستكشف بعضًا من أحواله. شاهدته عنه فيديوهات عديدة، في حالات مزاجية مختلفة، وتحت ظروف قاهرة لم تنل من عزيمته، ولم تجعله يستسلم أو ينكفئ على نفسه، كما حدث مع أقران له لم يصمدوا طويلًا أمام ظروف مشابهة.

سمعت عن بعض ثوراته المزاجية، وعن لحظات كان فيها قاسيًا ومقيتًا. ومع ذلك، لم ينتقص شيء من إعجابي به. كنت أجد له الأعذار دائمًا، وأحمّل الآخرين نصيبًا أكبر من اللوم. ربما كانوا هناك في لحظات غضبه، وربما لم يكن مسؤولًا وحده عما حدث، وقد تكون هناك تفاصيل لا يعرفها من يكتفون بالحكم على المشهد من الخارج.

نحن دائما نمنح من نحبهم أعذارًا لا نمنحها لغيرهم و نبحث عن الظروف و الأسباب التي تفسر قسوتهم، بينما نكتفي بإدانة الآخرين عند أول خطأ، هل نرى الحقيقة كما هي، أم أننا نعيد ترتيبها حتى تتوافق مع الصورة التي أحببناها؟

كنت أسمع عنه كثيرًا، وعن محاولات عديدة لسبر أغواره واكتشاف أسراره، لكن أحدًا لم يستطع الإحاطة به، رغم كل الإغراءات والمحاولات، ورغم كل من ظنوا أنهم قادرون على إخضاعه أو تغيير طبيعته.

كان هناك شيء غامض وقوي يحميه دائمًا، ويجعله في مأمن من مكائد من حوله. كلما ظن أحدهم أنه اقترب من فهمه، اكتشف أن ما عرفه ليس إلا جزءًا صغيرًا من حقيقة أوسع.

ولعل ذلك كان أكثر ما يثير إعجابي؛ أنه ظل عصيًا على الاختزال، وأن كثرة الحكايات عنه لم تمنحنا الحق في الادعاء بأننا نعرفه حق المعرفة.

«صادف قلبا خاليا فتمكن»

لا أعرف متى حدث ذلك؟، ولا كيف؟، ولا لماذا؟

ربما كان في داخلي استعداد لم أكن أدركه. لكنني، في النهاية، وجدت نفسي عاشقة، دون أن أعرف متى انتقلت من الفضول إلى الإعجاب، ومن الإعجاب إلى التعلق، ومن التعلق إلى ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان مستعدًا لقطع المسافات، وتحمل المشقة، وانتظار ما لا يعرف يعرف موعده.

وها أنا أستعد للخروج من فندق في بلد بعيد، لملاقاته، دون أن أكون واثقة تمامًا من أنه يبادلني المشاعر نفسها.

حتى تلك اللحظة، لم يكن قد أخبرني بشيء صريح. صحيح أنه كان يحافظ على الصلة بيننا، ويظهر كلما احتجت إليه، أو كلما فتحت هاتفي أو حاسوبي، فأجد له صورة أو حكاية تدعوني إلى تتبع أثره، لكنه لم يصرّح بشيء.

كنت أبحث عن المعنى فيما يفعل، وأحاول قراءة ما بين السطور، لكنني لم أملك إجابة مؤكدة.

أحيانًا كنت أقول إن الأمر قد يعود إلى كبريائه واعتزازه بنفسه، أو إلي اعتقاده أن أفعاله تغنيه عن الكلام. وأحيانًا أخرى كنت أعتقد أن الكلمات عاجزة عن نقل ما يكنّه لي، وأن بعض المشاعر لا تجد طريقها إلى التعبير المباشر.

وضعت احتمالات كثيرة لذلك، لم يكن الخجل  من ضمنها؛ فلم ألمس فيه أثرًا واضحًا لهذه الصفة، على الرغم من رقيّ أخلاقه و لباقة تصرفاته.

هكذا ظللت أفسر صمته، وأبحث عن دلالات في حضوره وغيابه، وأجمع الإشارات الصغيرة لأصنع منها إجابة لم يمنحني إياها مباشرة.

قد يكون ذلك من طبائع الحب نفسه؛ أن يجعلنا نبحث عن المعنى حتى في الصمت، وأن نحول التفاصيل العابرة إلى رسائل محتملة، وأن ننتظر من الآخر أن يقول ما لم نجرؤ نحن على سؤاله عنه.

لكن تلك هي الحياة، ومفاجآتها التي لا تنتهي. لا أحد يعرف في أي أرض  يموت ،و لا  في أي أرض يلتقي محبوبه، ولا في أي لحظة سيقرر القدر أن يضع حدًا لسنوات من الانتظار.

كنا نتحدث كثيرًا عن اللقاء على أرض الوطن، حين يصبح محررًا. لن يكن الأمر، في تصوري، مجرد لقاء حبيب بحبيب، بل لقاء للأرض أيضًا؛ لقاء القاصي بالداني، وعودة ما تفرّق إلى ما يجمعه.

كنت أتخيل أن يحمل لقاؤنا معنى يتجاوزنا نحن الاثنين، وأن يكون امتدادًا لحكاية أرض لم نتمكن من أن نعيش فيها ما أردناه.

لكن الحياة اختارت لنا مكانًا آخر، وموعدًا لم نخطط له، وأرضًا لم تكن ضمن تصوراتنا الأولى.

صباح اللقاء

استقر رأيي أخيرًا على ما سأرتديه، وإن كنت لم أقتنع تمامًا باختياري. كان الوقت يداهمني، وكان عليّ أن أخرج قبل أن يستيقظ بقية أعضاء الوفد.

نزلت لتناول الفطور على عجل، ولم أستطع الاستمتاع به. كنت مأخوذة بالفرح والحب، ومنشغلة بكيفية اللقاء وما سأقوله حين أقف أمامه. كانت الأسئلة تتزاحم في رأسي، والكلمات التي أعددتها طوال سنوات تتراجع كلما اقترب الموعد.

قطع أفكاري صوت أحد أعضاء الوفد، الذي استغرب استعدادي للخروج في ذلك الوقت. أخبرته أنني أنوي مقابلة أحدهم، فرأى، من باب الاطمئنان، أن يرافقني؛ للحماية أولًا، وحتى لا أضل طريقي في العودة.

بدا واثقًا من أنني لن أضل طريق الذهاب، وكان محقًا؛ فقد كنت أعرف العنوان جيدًا، وأحفظ تفاصيل الموعد كأنني أستعد لامتحان لا أريد أن أخفق فيه.

وجدتني مضطرة إلى قبول عرضه. انتظرته في بهو الفندق حتى يغيّر ملابسه، ولم يمض وقت  حتى عاد و خرجنا.

وقفت أمام الفندق أبحث عن حمامتي التي سمعتها تهدل بالقرب مني ليلة البارحة. قلت في نفسي إنها ربما سهرت مثلي، فلم تستيقظ بعد.

ثم التفتُّ نحو العنوان الذي حددته سلفًا للقاء.

خيّل إليّ أنني أشم عطره؛ ذلك العطر الذي طالما حدثني عنه، والذي اشتهر به بين محبيه. ومع تقدمنا في السير، بدأت نفسي تتعبأ بشيء من حضوره، وصرت أتخيل هيئته، وأراجع الصورة التي احتفظت بها في ذاكرتي.

لم أكن مطمئنة تمامًا إلى الصورة التي وصلتني عنه، خاصة في عالمنا هذا، حيث لم يعد بإمكاننا أن نثق حتى بما تراه أعيننا. فهل الصورة التي نراها هي الصورة الأصلية، أم أنها نسخة منقحة اختار صاحبها أن يظهر فيها أفضل ما لديه؟

أليس الإنسان، حتى حين يقف أمامنا، قادرًا على تنقيح تصرفاته وإخفاء بعض قناعاته ليظهر بأحسن صورة، قبل أن نفاجأ لاحقًا بشخصيته الحقيقية؟

كنت أفكر في كل ذلك وأنا أقترب من الموعد. لم يكن خوفي من أن يكون مختلفًا عما تخيلت فحسب، بل من أن تكون الصورة التي صنعتها عنه على امتداد السنوات قد أصبحت أقوى من الحقيقة نفسها.

فما أصعب أن نلتقي مع من  حملناه طويلًا في خيالنا! نحن لا نذهب إليه وحده، بل نذهب ومعنا كل ما تخيلناه عنه، وكل ما تمنيناه منه، وكل المعاني التي اضفناها إلي صمته وحضوره وغيابه.

ومع ذلك، واصلت السير.

وما إن اجتزت الشارع الرئيسي حتى لمحته.

كان من المستحيل أن أخطئه؛ كنت أحفظ ملامحه بكل تفاصيلها. عرفته بقلبي قبل أن تكتمل صورته أمام عينيّ.

حين أنهيت درجات السلم المؤدي إلى حيث كان، بدا لي أنه تعرّف إليّ، ربما من ملابسي. لا أعرف إن كان قد تفاجأ بهيئتي، لكنني بدأت أقترب منه بخطوات متسارعة، تكاد تكون هرولة.

كان هو أيضًا يتجه نحوي، وعلى وجهه علامات الابتهاج، كأنه يريد اختصار المسافة بيننا. رأيته يكشف عن بياض أسنانه مبتسمًا، فلم أملك إلا أن أبادله الابتسامة.

لكن شيئًا ما فاجأني؛ دمعة صغيرة تسللت إلى عينيّ، ولم أستطع منعها من الانحدار على وجتنى.

قلت في نفسي: ما بك؟ ما الذي أوصلك إلى هذه الحال؟ طالما تغنّى الشعراء بعناد المحبوبة وقوتها، فماذا لو رأوا حالك الآن؟

لم أنتظر طويلًا. وجدتني ألقي عليه التحية بطريقة مختلفة، بكلمة واحدة فضحت كل ما حاولت كتمانه من لهفة وشوق:

«أخيرًا!»

حيّاني بحرارة، وبصوت جهوري قوي، بدا لي كأنه يعزف سيمفونية خاصة.

لم نزد على التحية كثيرًا، وبدأنا نسير بمحاذاة بعضنا.

كان الشاطئ يمتد أمامنا، برمال بدت كأنها مرآة حسناء مصقولة. لم تكن أقدامنا قد تركت عليه أثرًا واضحًا، وكأننا أول من وطئ تلك المساحة الممتدة من الرمل المتدرج الألوان، تحت قبة تزينها فسيفساء من أشكال الغيوم .

شعرت ببرودة الرمل تمتص شيئًا من حرارة جسدي، وتخفف ما كان يضطرب في داخلي من حيرة وارتباك. ولولا بعض سعف النخل المحترق، لظننت أنني أسير على رمال كوكب لا يسكنه بشر.

فأنا أؤمن تمامًا بأنه إذا كانت النظافة من  علامات الإيمان، فإن الأوساخ من علامات وجود الإنسان في المكان.

أخذ يتحدث ويخبرني عن نفسه، كأننا نتعارف للمرة الأولى، أما أنا فاكتفيت بالاستماع.

نسيت كل الأسئلة التي ظللت أعدّها منذ وقت طويل، ونسيت الكلمات التي كنت أهيئها لهذا اللقاء. كأن لساني فقد وظيفته فجأة، فأسعفتني عيناي وقررتا أن تتوليا الحديث نيابة عني.

وصلنا إلى سفينة راسية على الشاطئ. جلست على الأرض، بينما بقي هو في مكانه .

كان في داخلي مدّ من الرغبة وجزر من الخوف، وكنت أحاول أن أسيطر على مدّ المتعة وجزرها، وألا أترك أمواج المشاعر المتضاربة تجرفني بعيدًا عن اللحظة التي طالما انتظرتها.

واصل حديثه غير عابئ بالرد أو بما قد يثيره كلامه من نقاش، بينما كانت الأفكار تتلاطم في رأسي: عنه، وعن الحياة، وعن قصتنا، وعن حظنا الذي ما زال يعاندنا، وعن أننا لم نتمكن من أن نحيا هذه الحكاية على أرضنا؛ الأرض التي لم نولد فيها، ولم نحب فيها، وها نحن نعيش فيها موعدنا الأول على نحو لم نتوقعه.

كان غريبًا أن نجد أنفسنا في أقاصي الجغرافيا، نعيش لحظة طالما تخيلناها في مكان آخر. كأن الحياة، وهي تمنحنا ما أردناه، أصرت على أن تفاجئنا بالطريقة التي لم نتوقعها.

لا أعرف لماذا اعتراني الحزن فجأة، ولا لماذا لم أستطع الاستسلام للفرح الذي انتظرته طويلًا. كنت أتخيل أن اللقاء سيجعل كل شيء أكثر وضوحًا، وأنه سيبدد ما تراكم من أسئلة، لكنني وجدت نفسي أمام مشاعر متداخلة، لا أعرف كيف أرتبها.

ربما لأننا، حين ننتظر شيئًا طويلًا، لا ننتظر حدوثه فحسب، بل نبني حوله تصورات كثيرة، ونحمّله من المعاني ما قد لا يحتمله في الواقع.

وربما لأن الغياب يمنحنا رفاهية الخيال؛ نستطيع أن نكتب ما نشاء، وأن نعيد ترتيب الحكاية كما نحب، وأن نختار للكلمات توقيتها ومعناها. أما الحضور، فيفاجئنا بعفويته، ويضعنا أمام حقيقة لا نستطيع تنقيحها كما ننقح رسائلنا.

كلما ابتعد الشيء عن دائرة اهتمامنا المباشر، كنا أكثر قدرة على التفكير فيه والكتابة عنه. لكن حين يصبح أمامنا، تتغير علاقتنا به؛ تتعثر الكلمات، وتضطرب الأفكار، ونكتشف أن القدرة على التعبير في الغياب لا تضمن لنا القدرة نفسها في الحضور.

عاودنا السير، وعاد هو يتحدث ويشرح، و واصلت أنا الاستماع إليه. تبدلت الأدوار بين شهرزاد وشهريار.

لكن حكايته لم تكن مرتبة. كانت أشبه بحكايات الخضر، متقطعة ومتداخلة، لا يبدو أن بينها رابطًا واضحًا، سوى الغاية التي تسير نحوها.

كنت أنتظر أن يحكي عن نفسه، أن يمنحني شيئًا أستطيع أن أفهمه، أو أن أضعه في مكانه من الصورة التي رسمتها عنه طوال السنوات الماضية. لكن الحكاية كانت تتشعب، وتنتقل من موضوع إلى آخر، وكأنها ترفض أن تُختصر في رواية واحدة.

ما عجزت عن جمعه من كلامه، جمعته من على الشاطئ: مشط بني، وصدفات بحرية متعددة الألوان، مثقوبة، بأحجام مختلفة.

قال إنها تصلح لأن تكون عقدًا أعلقه حول رقبتي. لم أشعر أن هناك حاجة إلى تفسير ما قاله؛ فقد كان في الأشياء التي صادفناها ما يكفي لإثارة فضولي، دون أن أضطر إلى البحث عن معنى لكل تفصيل.

بعد ذلك، ظهرت ثمرة جوز هند مقلوبة، ثم بقايا أسماك. أخبرني أن لها فوائد في تعويض نقص المغنيسيوم وتبييض الأسنان.

كانت الحكاية تمضي من شيء إلى آخر، كما لو أن الطريق نفسه يختار موضوعاتها، وكأن اللقاء الذي انتظرته طويلًا لم يكن بحاجة إلى أن يشبه الصورة التي رسمتها له في خيالي.

جئت لأملأ فراغات حكايتي، لكنني وجدت نفسي أستمع إلى حكايات عن أشياء صغيرة لا أعرف الرابط بينها.

كنت أبحث عن حكاية واحدة، فإذا به يمنحني العالم في شذراته؛ أشياء متباعدة في ظاهرها، لكنها تنتمي كلها إلى فضاء واحد، وتعيش وفق قوانين لا تتوقف عند رغبتنا في ترتيبها.

منحني وقتًا مستقطعًا، أو فرصة للحديث، لا أعرف، لبّت عيناي نداء دمعة تذكرت بها جيرانًا في الوطن، أردت لهم هم أيضًا أن يحظوا بلقاء طال انتظاره. وتساءلت  في نفسي  محبوب كتب لحبيبته كي يلتقيا، أو عن انسان ما يقف الآن في مكان ما من العالم، ينتظر إنسان آخر لم يره منذ سنوات.

 كنت أفكر في أن مدة اللقاء على وشك النفاد، ولم أقضِ بعد الحاجات التي ادخرتها لنفسي لهذا اللقاء.

وصلنا إلى سفينة أخرى، بدا أنها أصبحت خارج الخدمة. لمح في عينيّ سؤالًا عن الذين كانوا على متنها، وعن الأرواح التي عاشت بين جوانبها، وعن مصيرها بعد أن غادرت البحر. ترى، هل رست يومًا على مرافئ تخصني؟

قال لي إنه سينبئني بخبرها لاحقًا، ثم استطرد  أن خروجها من الخدمة البحرية لا يعني أن حياتها قد انتهت. فالأشياء، مثل البشر، بإمكانها أن تعيش حياة ثانية بعد موتها، لكنها تحتاج إلى أن تقدم لتلك .

أدرت نظري إلى جوفها، وفهمت فكرته من خلال أدوات الصيد التي كانت تملأ حوضها.

أليس في ذلك شيء من حياتنا نحن أيضًا؟ كم من مرة نظن أن مرحلة ما قد انتهت، وأن ما كان يمنحنا المعنى لم يعد صالحًا للحياة، ثم نكتشف أن الأشياء لا تفقد قيمتها بالضرورة حين تتوقف عن أداء وظيفتها الأولى، بل قد تجد معنى جديدًا لم نكن نتوقعه.

واصلنا السير بخطوات وديعة، حتى لا نزعج سرطانات البحر التي كانت تعبث على الشاطئ. كنا نخافها، وهي تخافنا، في مفارقة غريبة؛ كل منا يحاول أن يتجنب الآخر، مع أن أحدًا منا لا يعرف على وجه اليقين ما الذي يخشاه في الآخر.

مرت ساعات طوال لم أشعر بها وأنا في حضرته. أوشكت شهرزاد على الذهاب إلى مخدعها، لكن شهريار لم يكن قد قال كل ما عنده، وقد فهمت ذلك وأنا أستعد للوقوف.

لم أستطع وداعه. فضّلت أن أنسلّ على عجل، مستفيدة من ابتعاده عني، كأنني أحتاج إلى مسافة صغيرة أستعيد فيها نفسي، وأجمع ما تبعثر مني خلال الساعات الماضية.

لم أستطع الحصول على إجابات عن كل تلك الأسئلة التي حملتها معي، لكنني استطعت أن أنتزع منه اعترافًا بعشقه لي.

ألم يكن ذلك ما جئت أبحث عنه، في نهاية الأمر؟

ربما لم أحصل على الحكاية التي أعددت نفسي لسماعها، ولم أتمكن من ترتيب التفاصيل التي ظللت أبحث عن روابط بينها. لكنني حصلت على شيء آخر؛ على اعتراف انتزعته من بين الكلمات، وعلى لحظة حقيقية لا تشبه أيًّا من اللحظات التي تخيلتها.

وعندما ابتعدت عنه، مولية ظهري له، أرسل أمواجه إلى أقصى مسافة من شاطئه، علّها تجذبني إليه مرة ثانية.

غنيت:

( شوفو مزين محطينا يتبسم عند امجينا ما نمشو  ما جرالنا خوفت يمرگ عينينا).

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top