أمام الفندق، وبينما كنا ننتظر بقية أفراد الفريق لننطلق إلى يوم آخر من أيام المنتدى، جلست على حافة نافورة متوقفة عن العمل ألتقط بعض الصور، حينها حطّت بالقرب مني حمامة، وبدأت تلتقط ما تيسر لها من زاد من على الأرض. كانت ثاني فصيلة حيوانية أراها في كوتونو.
تذكرت أن أحد جيوب حقيبتي تستقر في قعره منذ مدة قطعة بسكويت، لا أعرف منذ متى، ولا من أين جاءت. اقتربت منها وبدأت أفتّت لها القطعة.
سبحان الله ؛ قلتها بصوت عال، إذا كتب لإنسان رزق ، فلا بد واصل إليه ،كم يثقلنا القلق خوفًا من الفقر والحاجة، على الرغم مما تقوله الكتب والرسالات السماوية والتجارب الإنسانية عن النصيب. صحيح أن للرزق أسبابًا لا بد من الأخذ بها، وأن السعي مسؤولية، لكننا كثيرًا ما ننسى أن السبب قد يأتي من حيث لا نتوقع.
ماذا لو أن هذه الحمامة نفرت مني، أو نظرت إليّ كغريب وخشيت الاقتراب مني؟ لربما فوتت على نفسها فرصة الحصول على طعام جديد .
وأنا التي فكرت طويلًا في الوصول إلى كوتونو، وخططت للرحلة وانتظرت المنتدى، هل كان أحد أسباب هذه الرحلة أن أوصل، دون أن أدري، قطعة بسكويت إلى حمامة؟ هل كنت أعرف وأنا أحفظها في حقيبتى أنني لن آكلها، وأنها ستبقى في حقيبتي وتقطع معي آلاف الأميال حتى تصل في النهاية إلى صاحبها؟
سبحان من يسوق الأرزاق إلى أصحابها بطرق لا نعرفها:
«وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها».
تجمع الفريق أخيرًا وغادرنا الفندق، واخترت هذه المرة الجهة الأخرى من السيارة حتى أرى الجانب الآخر من الطريق. في البداية بدا لي أن المشهد نفسه يعاد، لكن سرعان ما بدأت أكتشف وجهًا آخر من المدينة؛ محال قارة، وسلعًا شتى ، من الملابس والأغذية إلى الهواتف ومستلزمات الحياة اليومية، لكن أكثر ما استوقفني كان الخشب الذي بدا حاضرًا في كل مراحله، من المادة الخام إلى الألواح، ثم إلى الكراسي والطاولات والخزائن، وصولًا إلى قطع فنية مصقولة وملونة.
المشهد يوحي بأن الأشياء هنا لا تفقد قيمتها بسهولة، وأن ما يبدو مادة أولية يمكن أن يتحول إلى منتج، وما يبدو بسيطًا يمكن أن يصبح ذا قيمة. وربما لهذا كانت النفايات والفضلات أقل حضورًا في المدينة مما توقعت؛ فكل شيء تقريبًا يجد طريقه إلى الاستخدام، وكل مادة تجد من يحتاجها. حتى الصيدليات كانت تقدم صورة عن هذا التنوع، بين مظاهر حديثة وأخرى بسيطة، لكنها تؤدي الوظيفة نفسها.
اكتفيت بهذا القدر من المشاهدة، وعدت للجلوس مع عقلي أفكر في المحطة القادمة.
الجزء الأهم من يومي كان ينتظرني في الجامعة. وصلنا إلى الجامعة، واتجهت مباشرة إلى معهد اللغة العربية والثقافة الإسلامية، حيث استقبلني عند الباب الدكتور مشهود لاميدي، رئيس قسم اللغة العربية، رجل فارع الطول، في بداية الأربعينيات من عمره، يرتدي لباسًا محليًا أسود، وفي مظهره أناقة لافتة.
كان استقباله حارًا وحميميًا، يعكس شيئًا مما وقفت عليه في هذا البلد من كرم الناس وسهولة الاقتراب منهم.
صعدنا إلى الطابق الثاني، حيث المكاتب الإدارية، ودخلنا مكتب العمادة ،وقد جهزت فيه ضيافة من خيرات البلد، وجلسنا في حوار امتد أكثر من ساعتين.
لم يبقَ الحديث طويلًا عن المعهد وحده؛ بدأنا من نشأته وتطوره، ثم انتقلنا إلى اللغة والعلم والمجتمع، والإنسان في أفريقيا، والعلاقات بين أفريقيا والعالم العربي، وصولًا إلى أسئلة أوسع عن الثقافة والهوية وعلاقتنا بالآخر.
الدكتور مشهود شخصية متعددة الاهتمامات؛ فهو دكتور في اللغة العربية وآدابها، ويحضر لمناقشة الدكتوراه في اللغة الفرنسية، وله تكوين اكاديمي في التصميم الغرافيكي والإعلام الآلي، وباحث في التراث العربي والإسلامي، ويتحدث إلى جانب العربية والفرنسية والإنجليزية عددًا من اللغات المحلية، وهو شاعر وكاتب باللغة العربية.
أخبرني أن المعهد بُني سنة 1991 بدعم من الحكومة الليبية انذاك، لكنه لم يبدأ عمله فعليًا حتى سنة 1999، وظل مغلقًا كل تلك السنوات بسبب مخاوف السلطات البنينية في ذلك الوقت من بعض الأفكار المتطرفة، إضافة إلى طبيعة الدولة العلماني.
وفي الحكاية مفارقة لافتة؛ إذ إن الرئيس الذي أوقف نشاطه أصبح لاحقًا -بعد إسلامه- من أبرز الداعمين له.
بمرور السنوات، لم يعد المعهد مجرد قسم جامعي، بل تحول إلى مؤسسة علمية تستقطب طلابًا وباحثين من بلدان أفريقية مختلفة، ويسهم في تخريج أجيال من دارسي اللغة العربية، وأصبح وجوده في حد ذاته دفعة مهمة لحضور العربية وانتشارها في غرب أفريقيا.
سألت الدكتور مشهود عن واقع اللغة العربية في بنين، فقال إن الاهتمام بها ليس حديثًا؛ فمنذ دخول الإسلام إلى البلاد ارتبط تعلمها بتعلم الدين، بدأ من الكتاتيب القرآنية وحلقات المساجد والمعلمين الخواص، ثم تطور من خلال البعثات العلمية إلى الخارج. و قد ظلت الأسر المسلمة حريصة على تعليم أبنائها العربية، و للمتحدث بها مكانة محترمة في المجتمع.
وأنا أستمع إليه، تمنيت ألا تكون قد ظهرت على وجهي علامات الحسرة وأنا أقارن، في صمت، بين هذا الواقع وبين واقع العربية عند كثير من أبنائها؛ فالعربية هنا تُتعلم بوصفها لغة دين وثقافة ومعرفة، بينما أصبحت في بعض بيئاتها الأصلية غريبة عن أبنائها.
في بنين، لا تدخل العربية ضمن النظام الحكومي العام للتعليم بالصورة التي تجعل تعلمها متاحًا للجميع، ولذلك تضطر الأسر الراغبة في تعليم أبنائها إياها إلى البحث عن التعليم الموازي، لكنها مع ذلك بقيت حاضرة في المساجد والكتاتيب والمدارس الخاصة والمعاهد وفي ذاكرة العائلات.
سألته عن علاقة المعهد بالدول العربية، فقال إنه باستثناء الدعم الذي قدمته ليبيا في مرحلة معينة، لم يحظَ المعهد بدعم عربي مستمر يتناسب مع الجهد الذي يبذله في نشر العربية وتعليمها، ولكن هو شخصيا سبق له أن شارك في أنشطة علمية في بعض الدول العربية.
عدنا للحديث عن القسم والمواد التي يدرسها، فقال إنها تشمل الأدب العربي القديم والمعاصر، والدراسات الأدبية الحديثة، ومجالات مختلفة من علوم اللغة والأدب. سألته إن كان هناك أدب بنيني مكتوب بالعربية، فأخبرني بوجود كتابات بنينية بالعربية، خصوصًا في المجالات الدينية، إلى جانب ترجمات من الفرنسية وبعض اللغات المحلية إلى العربية. كما توجد مدارس ومعاهد خاصة أسسها أساتذة وخريجو المعهد لتعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وقدمت خدمات مهمة للمجتمع المسلم في بنين.
اتفقنا على أن العربية ليست مجرد لغة مرتبطة بجغرافيا محددة أو قومية بعينها، وإنما لغة حملت دينًا وثقافة وأدبًا وعلومًا، واستطاعت أن تجد لنفسها موطئ قدم في مجتمعات بعيدة عن موطنها الجغرافي الأول، وربما كان هذا أحد وجوه عالميتها وإنسانيتها.
ومن هنا انتقل الحديث بصورة طبيعية إلى مسألة الانفتاح على الآخر، وإلى سؤال بدا لي أكثر أهمية من سؤال اللغة نفسه: ماذا يحدث حين يتوقف الإنسان عن النظر إلى نفسه بعينيه، ويبدأ في رؤيتها من خلال عيون الآخرين؟
تحدثنا عن أن المشكلة ليست دائمًا في نقص المعرفة، ولا قلة الإمكانيات؛ ربما المشكلة الحقيقية هي قلة تقدير معارفنا وتوظيف إمكاناتنا، و قد تكون المشكلة في الصورة التي نحملها عن أنفسنا. فالآخر لا يصدر إلينا المنتجات والأفكار فقط، بل قد يصدر إلينا أيضًا صورة عن ذواتنا، نعتاد هذه الصورة حتى تصبح جزءًا من وعينا. يقال لنا إننا جهلة، فنبدأ بتكرار أننا جهلة؛ يقال إننا متوحشون، فنستخدم الوصف نفسه على أنفسنا؛ يقال إن عاداتنا تخلف، فنبدأ في النظر إلى تاريخنا وثقافتنا وقيمنا بعين الآخر. ومع الوقت، لا يعود الآخر بحاجة إلى إقناعنا بشيء، لأننا نقوم بالمهمة عنه.
لم يكن حديثنا رفضًا للغرب أو إنكارًا لما حققه من علم وتنظيم واقتصاد ومؤسسات، بل كان محاولة للتمييز بين التعلم من الآخر والتبعية له، وبين الانفتاح عليه والتنازل له عن حقنا في تعريف أنفسنا. فليس المطلوب أن نكره الآخر حتى نحافظ على هويتنا، وإنما ألا نضطر إلى كراهية أنفسنا كي نثبت أننا تعلمنا منه.
ساقنا الحديث إلى موضوع الاقتصاد، وإلى تغير أدوات السيطرة بين الماضي والحاضر؛ ففي زمن الاستعمار كانت القوة العسكرية إحدى وسائل السيطرة على الموارد، أما اليوم فقد أصبحت العلاقات الاقتصادية والثقافية أكثر تعقيدًا، وأصبحنا نستهلك منتجات الآخر، ونستقبل أفكاره، وأحيانًا نسهم بأنفسنا في تسويقها، وهو ما يجعل سؤال الاستقلال الاقتصادي والفكري أكثر إلحاحًا.
هنا فتح ملف العلاقات الأفريقية ـ الأفريقية، و الشرخ الذي أحدثه الاستعمار بين شمال القارة وجنوبها، وبين شعوبها ومجتمعاتها، و ضرورة بناء جسور جديدة من خلال الثقافة والعلم والتعاون والمصالح المشتركة؛ فربما تستطيع الجامعات والكتب واللغات والرحلات والتبادل الثقافي أن تفعل ما عجزت السياسة وحدها عن فعله.
واصلنا حديثنا ونحن نتجول داخل المعهد، فمررنا بقسم الطلبة الأجانب، ثم الإدارة، ثم قاعة المحاضرات الكبرى التي كانت تعج بالناس. سألت الدكتور إن كانوا طلابًا، فقال لا، ثم أضاف أنه يستطيع تمييز طلاب المعهد من ملابسهم وهيئاتهم وطريقة حركتهم. ابتسمت، فقد أدركت أن ثمة أشياء لا نتعلمها في الكتب، وإنما من كثرة العيش مع المكان.
محطتنا الأخيرة كانت مكتبة الجامعة، وما إن دخلتها حتى شعرت أنني انتقلت إلى زمن آخر؛ لم أرَ أمامي مجرد مجلدات وكتب، بل رأيت وجوه أصحابها: البصرة وعلماءها، والكوفة وشيوخها، والأندلس وفلاسفتها، وبغداد ومكتباتها، وخراسان ومعلميها، ودمشق ورُواتها، والقاهرة ومدوّنيها. كانت الرفوف بالنسبة إليّ مدنًا كاملة، وكل كتاب يبدو كأنه ذاكرة إنسان لم يمت تمامًا.
قال لي الدكتور مشهود: «خذي ما تريدين من الكتب»، فوجدت نفسي عاجزة عن الاختيار؛ كيف أفضّل كتابًا على آخر وأنا أقف أمام هذا التاريخ كله؟ تركت له مهمة الاختيار، والمفارقة الجميلة أنه اختار لي كتبًا كانت تنقص مكتبتي الخاصة، وكأنه يعرف ما ينقصها أكثر مني.
خرجنا بعد ذلك للالتحاق ببقية الفريق، وكنت أحمل معي هدايا من نوع خاص؛ كتبًا ستصل إلى مكتبتي وتبقى فيها طويلًا، لكن ما تركته تلك الزيارة في نفسي كان أثمن من كل ما حملته معي.
بقي في ذهني سؤال لم يغادرني وأنا في الطريق: كيف نتعلم من الآخر دون أن نصبح نسخة منه؟ وكيف ننفتح على العالم دون أن نفقد القدرة على تعريف أنفسنا؟
بدا لي أن يومي كله كان متصلًا بخيط خفي؛ من تلك الحمامة التي ذكرتني بأن الرزق قد يصل إلى صاحبه من حيث لا يحتسب، إلى اللغة العربية التي قطعت المسافات والقرون حتى وجدت لها بيتًا في غرب أفريقيا، إلى الكتب التي انتقلت من رفوف مكتبة بعيدة إلى مكتبتي الخاصة.
أشياء صغيرة، لكنها جميعًا كانت تقول لي شيئًا واحدًا: إن ما نظنه بعيدًا قد يكون، في الحقيقة، قريبًا منا.




