أگديم إزيك : منعطف تاريخي في مسار الانتفاضة الصحراوية.. الفرصة الضائعة..!!

gdeim izik acaps 1
Picture of أنة محمد السالك
أنة محمد السالك

أنة محمد السالك حبيبي، ناشطة إعلامية وحقوقية صحراوية من مدينة بوجدور المحتلة، تهتم بنقل واقع المناطق المحتلة وتوثيق الانتهاكات، والدفاع عن حقوق الإنسان وقضايا الطلبة الصحراويين.

عن الكاتب

لم يكن أگديم إزيك مجرد احتجاج اجتماعي على التهميش والبطالة، بل شكل لحظة إجماع شعبي غير مسبوقة بين الصحراويين، حيث توحدت القاعدة الشعبية في المدن المحتلة والمواقع الجامعية، وارتفعت وتيرة الحماس الثوري إلى أقصى درجاتها. في تلك اللحظة، كان الشعور العام أن ساعة الحسم قد اقتربت، وأن الشعب الصحراوي على أهبة الاستعداد للانتقال إلى مرحلة الكفاح المسلح، متجاوزًا قيود الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

لا يتناول هذا المقال حدث أگديم إزيك وما تلاه باعتباره مجرّد تسلسلٍ زمني للأحداث، كما هو شأن العديد من المقاربات الوصفية، بل يسعى، بمنهجٍ علمي وموضوعي، إلى التعمّق في أبعاده باعتباره منعطفا وطنيًا مفصليا، واستجلاء انعكاساته على المستويين الشعبي والجماهيري، فضلا عن تحليل علاقته الجدلية مع منظومة الاحتلال. وفي هذا الإطار، ينطلق النقاش من جملة من الإشكالات المركزية:

1. إلى أي حد مثل أگديم إزيك لحظةً فارقة في مسار الانتفاضة الصحراوية؟ وهل كان بالفعل فرصةً تاريخية لم تُستثمر كما ينبغي؟

2. كيف قرأ الاحتلال المغربي حدث أگديم إزيك، وما انعكاسات تفكيكه له على المستويين النفسي والسياسي؟

3. ما طبيعة التحوّل الذي شهده النضال الصحراوي بعد 13 نوفمبر 2020 مع استئناف حرب التحرير؟ وهل يمكن اعتباره انتقالًا حاسمًا من الاحتجاج المدني إلى الحرب الشعبية والكفاح المسلح؟

أگديم إزيك كمنعطف تاريخي:

حدث أگديم إزيك لا يمكن اختزاله في سرد زمني تقليدي كما اعتدنا في تناول الأحداث الوطنية التاريخية، بل يستدعي قراءة أعمق باعتباره منعطفا وطنيا كشف عن بنية الوعي الجماهيري الصحراوي، وأعاد تشكيل العلاقة بين الشعب الصحراوي والاحتلال المغربي.

كانت بداية مخيم المدنيين الصحراويين العزل، الذي شيد جنوب شرق العاصمة العيون المحتلة بحوالي 14 كلم في منطقة گديم إيزيك، والتي منها استمد اسمه الشهير “ملحمة گديم إيزيك”، قد انطلقت بخيمة واحدة نُصبت في العاشر من أكتوبر 2010 تحديدا فوق تراب “لمليحس”، وسرعان ما تحول المخيم من بضعـة أفراد إلى عشرات الآلاف من الصحراويين، ومن خيمة واحدة إلى ما يقارب أربعة آلاف خيمة؛

نقطة تحول حاسمة في مسار الأحداث السياسية والاجتماعية بالصحراء الغربية، بل وفي العالم العربي عموما، إذ يرى العديد من الباحثين والناشطين أن هذا الحدث كان الشرارة الأولى لما بات يعرف لاحقا بـ”الربيع العربي”، أو على الأقل استلهمت فكرته من مخيم گديم ازيك، وما تبعه من إعادة تشكيل للخريطة السياسية والاقتصادية في المنطقة، وتبدلات في موازين القوى والتموضع الجيوسياسي.

أگديم إزيك والانتفاضة الصحراوية: الفرصة الضائعة

لم يكن أگديم إزيك مجرد احتجاج اجتماعي على التهميش والبطالة، بل شكل لحظة إجماع شعبي غير مسبوقة بين الصحراويين، حيث توحدت القاعدة الشعبية في المدن المحتلة والمواقع الجامعية، وارتفعت وتيرة الحماس الثوري إلى أقصى درجاتها. في تلك اللحظة، كان الشعور العام أن ساعة الحسم قد اقتربت، وأن الشعب الصحراوي على أهبة الاستعداد للانتقال إلى مرحلة الكفاح المسلح، متجاوزًا قيود الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

إقدام الاحتلال المغربي على استعمال الرصاص الحي وإحراق الخيام دفع شباب المخيم إلى الدفاع عن النساء والشيوخ والأطفال الذين استُبيحت دماؤهم على أيدي عسكر الاحتلال. وحدت روح الجماعة والشعور بجسامة اللحظة المفصلية الصفوف، ودفعت الصحراويين إلى التوجه سيرا على الأقدام لتحرير مدينة العيون المحتلة في ساعات قليلة بعد وصولهم إليها؛ خاصة بعد ما أُشيع خبر قصف أم دريگة من قبل الجيش الشعبي الصحراوي، قبل أن يتبن سريعا أنه مجرد إشاعة، وهو ما انعكس سلبا على معنويات الجماهير التي كانت قد بلغت ذروة عطائها، لكنها لم تجد المساندة العسكرية التي توقعتها، رغم أنّ كل الظروف كانت مواتية؛ فالاحتلال فخرق وقف إطلاق النار مرات عدّة داخل مخيم گديم إيزيك بالتزامن مع انعقاد مجلس الأمن. ولأول مرة توحدت كلمة الجماهير فعلا وجهودهم، غير أن الصدمة النفسية التي أعقبت الأحداث شكلت انتكاسة غير مسبوقة تلقّفها الاحتلال ليُمعن في جرائمه.

وما اعتقال أبطال “ملحمة گديم إيزيك”، وقد زج بالبعض منهم في السجون حتى قبل الهجوم الغادر، فلم يكن سوى ضربة استباقية هدفها الحيلولة دون إعادة تنظيم صفوف الجماهير وتأطيرها من طرف هذه الكوادر والاطارات الثائرة.

لكن هذه اللحظة التاريخية ضاعت، ولم تترجم إلى فعل سياسي أو عسكري حاسم، وقد خلف ذلك نوعا من الانكسار والإحباط لدى القاعدة الشعبية، وأدى إلى تراجع في النشاط النضالي لدى العديد من المناضلين والمناضلات، الذين قيدوا أو جمّدوا حركتهم بعد تفكيك المخيم وما تبعه من قمع واعتقالات.

و رغم أن النضال الحقوقي في المناطق المحتلة قد أظهر بعض  الإيجابيات في ظرفيات محددة، إلا أنّ غالبية شباب الأرض المحتلة يرونه استلابًا لحقهم الشرعي الذي يكفله القانون الدولي الإنساني في الدفاع عن أنفسهم، وممارسة العنف الثوري كخيار مشروع في مواجهة آلة الاحتلال المغربي في ظل فرض ما يسمى النضال السلمي. بل يعتبرونه تحريفًا وتخليًا عن أهم المبادئ المؤسسة للجبهة الشعبية.

يضاف إلى ذلك الانعكاس السلبي المترتب عن إنشاء الجمعيات الحقوقية في الأرض المحتلة، حيث أدى إلى تفتيت الجهد وتقسيم الصفوف، ما ساهم في تعميق الهوة بين هذه الإطارات وقواعدها النضالية، بسبب الصراعات الاوفقية.

ويظهر ذلك بوضوح من خلال ضعف التفاعل مع دعوات هذه الجمعيات بالمقارنة مع قوة وزخم الهبّات الشعبية العفوية، كما حدث مثلًا عند فوز المنتخب الجزائري أو عند اعتقال أحد شبان مدينة السمارة المحتلة.

قراءة العدو: تفكيك أگديم إزيك كمؤشر نفسي وسياسي

من زاوية تحليلية، شكل الهجوم على مخيم أگديم إزيك فرصة ذهبية للمحتل المغربي لفهم نفسية الجبهة الشعبية والدولة الصحراوية. فقد اعتبر النظام المغربي أن هذا الحدث هو الأهم منذ اجتياح الصحراء الغربية سنة 1975، وأن رد الجبهة الصحراوية لم يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، دون أي فعل ميداني أو ردع حقيقي.

هذه القراءة عززت لدى المحتل شعورا بإمكانية ارتكاب المزيد من الانتهاكات والجرائم دون رد فعل دولي أو إقليمي، مما منحه هامشا واسعا من حرية الحركة في المنطقة، وسمح له بتضييق الخناق على ما تبقى من الحريات العامة.

من جهة أخرى قراءة الاحتلال المغربي لأحداث گديم إيزيك أوصلته إلى استنتاج مفاده ضرورة التسريع في تغيير الواقع الديمغرافي للمدن المحتلة، وخصوصًا العاصمة العيون، بهدف تقليص وجود الصحراويين إلى أقليات لا تكاد تلاحظ مقارنة بسيل المستوطنين، الذين سهل لهم كل ظروف الحياة والاستثمار لضمان استمرار استقرارهم في الأرض المحتلة. وقد تحقق هذا الواقع عمليًا كما خطط له الاحتلال.

التحالف العضوي بين المستوطنين وأجهزة الاحتلال المغربي أثبت أن الاستيطان في الصحراء الغربية ليس مجرد وسيلة لتغيير ديمغرافي، بل أداة قمع وعنف ممنهجة تستهدف السكان الأصليين. فقد اندلعت أحداث الداخلة المحتلة الأولى يوم *26 فبراير 2011* عندما أطلق الاحتلال العنان للمستوطنين، بدعم مباشر من أجهزته الأمنية، لشن هجوم منسق على أحياء صحراوية مثل *حي أم التونسي، بئر زران، حي السلام، وحي الرحمة*، ما أسفر عن ضحايا وجرحى وتخريب واسع للممتلكات الصحراويين .

وبعد *سبعة أشهر فقط*، تجددت المواجهات في *سبتمبر 2011*، واندلعت شرارتها من *ملعب كرة قدم*، قبل أن تمتد إلى مختلف أحياء المدينة المحتلة وتستمر *ثلاثة أيام*، تدخل خلالها جيش الاحتلال، الذي واجه المتظاهرين الصحراويين بكل عنف، مما أدى إلى *استشهاد ميشان* واعتقال عدد كبير من النشطاء، من أبرزهم *الشهيد حسنة الوالي*، الذي توفي لاحقا في سجون الاحتلال نتيجة *الإهمال الطبي المتعمد*.

شكلت هذه السلسلة من الأحداث امتدادا واضحا لسياسة القمع المزدوج: مستوطنون مدنيون مدعومون بأجهزة أمنية وعسكرية ضد الصحراويين العزل ، 

للمرة الثانية يستخدم الاحتلال الرصاص الحي ضد المدنيين الصحراويين العزل، ولم يحدث رد فعل رسمي مكافئ له، ولا دولي حتى،  الشيء الذي عزز النتائج السلبية المترتبة عن ما بعد الهجوم الغادر على مخيم أگديم إزيك.

ولعل ما تعرضت له المناضلة سلطانة سيد ابراهيم خيا وعائلتها خلال ملحمة صمودها البطولي ما بين نوفمير 2020  و ماي 2022 ، التي تابعها الشعب الصحراوي والعالم *عبر كاميرا هاتفها المحمول*، ليس إلا امتدادًا لنفس المنظومة القمعية التي تجمع بين المستوطنين وأجهزة الاحتلال. فالحصار، والانتهاكات الجسيمة، والاعتداءات المتكررة، لم تكن سوى فصل آخر من سياسة الترهيب والردع الجماعي وكي الوعي التي تُمارس ضد الصحراويين كلما عبّروا عن رفضهم للاحتلال، لتُثبت سلطانة، بالصوت والصورة، أن الصمت الدولي و ضعف وفعلنا الوطني هو جزء من المعاناة.

ما بعد 13 نوفمبر 2020: التحول نحو الفعل العسكري:

بعد إستئناف الكفاح المسلح في نوفمبر 2020، تلاشت تقريبا أحلام الانتفاضة السلمية،بل في واقع الأمر هي تسقط مع أول رصاصة؛  حيث رأى مناضلو ومناضلات المناطق المحتلة أن المرحلة لم تعد تحتمل العمل السلمي، بل تستوجب الفعل العسكري المباشر، أو الحرب الشعبية في مواجهة الاحتلال كحق مشروع يكفله القانون الدولي الإنساني.

وهنا تبرز نقطة حساسة لا بد من الإشارة إليها بوضوح: تحميل سكان المناطق المحتلة وحدهم مسؤولية التغيير أو المواجهة المباشرة في ظل غياب الأدوات وتكوين الأفراد فكريا و عسكريا ، هو تبسيط مخل لواقع معقد يعيشه الصحراويون تحت الاحتلال، الذين هم أول المتضررين من هذا الاخير بشكل مباشر على كل الاصعدة, واقع يسلب الإنسان مقومات إنسانيته ويكبله في حركته اليومية. فهل يمتلك هؤلاء فعلا أدوات التغيير؟ هل لديهم السلاح أو التدريب العسكري أو هامش حرية في الحركة والتنقل؟ الإجابة الواقعية: لا، أو على الأقل ليس بالقدر الذي يسمح بخوض معركة التحرير منفردين.

المطلوب اليوم ليس الاتكال ولا المزايدات،ولا البحث عن من يتحمل  مسؤولية كل هذه التخفاقات،  بل مطلوب مراجعة جادة داخل التنظيم السياسي تعيد تقييم الاستراتيجيات، وتطرح هذه الإشكالات على طاولة النقاش الوطني، وتعمل على ترجمة حلول واقعية على الأرض.

يجب إعادة النظر في أدوات الدعم، في التنسيق، في بناء القدرات، وفي توزيع المسؤوليات بشكل عادل وفعال.

في المقابل، انتهج المحتل سياسة ممنهجة لإفراغ المنطقة من طاقاتها الشبابية، عبر تسهيل الهجرة السرية تحت إشراف مباشر من أجهزة الأمن المغربية، أو عبر الزج بالشباب في السجون وتلفيق التهم الجنائية لهم. وقد نجح النظام المغربي إلى حد كبير في تنفيذ هذا المخطط، مما أدى إلى تراجع ملموس في الحراك الشعبي داخل المدن المحتلة، وتفكك جزئي في البنية النضالية للانتفاضة.

في ضوء هذه المعطيات، تبرز أسئلة جوهرية لا بد من طرحها بجرأة ومسؤولية:

هل استفاد الصحراويون من دروس أگديم إزيك وما تلاه من أحداث؟

هل التنظيم السياسي الصحراوي واعٍ بما يكفي لهذه السياسات والممارسات التي تستهدف تفكيك النسيج النضالي؟

هل نحن قادرون على تشخيص الخلل ومعالجته بشكل علمي وعملي؟

الخلاصة: أگديم إزيك كمرآة للوعي الشعبي

أخيرًا، لا يمكن إغفال أن حدث أگديم إزيك قدّم للنظام المغربي قراءة واضحة مفادها أن الصحراويين، بمختلف أطيافهم، يرفضون الاحتلال، وأنهم عند أول فرصة سيعبرون عن قناعاتهم الراسخة، حتى أولئك الذين ظن الاحتلال أنه كسب ولاءهم بالمال والمناصب.

أگديم إزيك لم يكن مجرد مخيم احتجاجي، بل كان مرآة لوعي شعبي عميق، وتجسيدًا لإرادة التحرر، وفرصة تاريخية لم تستثمر كما يجب. ويبقى التحدي الأكبر اليوم هو تحويل هذه التجارب إلى أدوات فعالة في بناء استراتيجية نضالية أكثر وعيًا وصلابة.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في من يحمل العبء، بل في كيفية تحمله جماعيا، عبر إعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب الصحراوي داخل الوطن وخارجه وفي الشتات، على أساس أن التحرير مسؤولية مشتركة لا تفوض ولا تؤجل.

أنة محمدالسالك أحبيبي

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top