الراحلة…. عشق وإزدراء..!!

fb img 1690935999096
Picture of احمد علين محمد سالم
احمد علين محمد سالم

أحمد علي محمد سالم، صحفي وكاتب ومدوّن صحراوي، يهتم بقضايا الثقافة والهوية والشباب. يسعى من خلال عمله الإعلامي والكتابي إلى تسليط الضوء على تحولات المجتمع الصحراوي، وإبراز قصصه وتجربته الإنسانية والثقافية.

عن الكاتب

فداخل خيمة “لمعلمين” يعكف الصانع – الرجل – على جلب الخشب وتقسيمه ثم تهيئته، وبعد ذلك تقطيعه وصناعة أجزاء الراحلة منه، وأخيرًا تركيبها… لتأتي المرأة الحرفية وتبدأ بتغليفها بالجلد وتزيينها بالصباغة التقليدية “لانكر” والخياطة البارزة على الحواف. وهنا أيضًا تتحقق “التويزة” بين أفراد الأسرة الكادحة في سبيل كسب القوت.

لربما لا نحتاج إلى التذكير بما قدّمه الصانع التقليدي تاريخيًا لمجتمعه وشعبه، فتاريخ الصناعة الوطنية يبدأ من بين مطرقة وزَبْرَة الصُّنّاع، وهو تاريخ حافل بالإنتاج والابتكار وتطويع الطبيعة. لكن من الجميل الحديث عن تراث عائلات الصناع التقليديين، لا تفاخُرًا، بل دراسة للماضي ومقارنة بالحاضر ونظرة إلى المستقبل.

اليوم أود الحديث عن “الراحلة”، تلك الأداة التي جمعت بين الهندسة والابتكار والذكاء الفطري للصانع التقليدي، وإبداعه منقطع النظير.
تصنع الراحلة الصحراوية من أنواع مختلفة من الخشب، حسب المنطقة وتوفّر المادة. يقول المقاتل والصانع التقليدي الحكيم، محمد ولد أبيشيري ولد يارة (دائرة بوكراع، ولاية العيون)، إنه تربّى وسط عائلة معروفة بالشعر والأدب، وتتقن صناعة الحُلي والتحف الفنية والأواني المنزلية، وخَبِرت أيضًا صناعة الفضة والنحاس، لكن هناك أسرًا كثيرة منهم تتقن صناعة الخشب، ويقصد هنا كل المنتجات الخشبية أو أغلبها، مثل: الرحلة، امشغبن، ارواگن، الحرجة، تحمارت… إلخ.

قال لي في آخر اتصال بيننا إن الراحلة تعتبر مفخرة الصناعة التقليدية إذا ما نظرنا إلى هندستها وكيفية تركيبها وتقنيات الأمان التي توفرها للحيوان كما للإنسان، فضلًا عن كونها منتجًا محليًا من الطبيعة وإليها؛ فهي تُصنَع باستخدام مواد عضوية: الخشب، والجلد، والقليل من المعادن، وكلها مواد طبيعية قابلة للتحلل أو إعادة التدوير.
ويرى الصانع التقليدي المخضرم محمد بَبّة (دائرة مهيريز – ولاية السمارة)، وهو من الصناع التقليديين ومن مهندسي جيش التحرير الشعبي الصحراوي الأوائل، أن الراحلة جاءت لتتوج جهود التفكير لدى الصناع التقليديين القدماء، فأخذتهم إلى القمة مرتين: مرة فوق قمة الإبل، ذلك الحيوان العظيم الخِلقة، ومرة فوق قمة التفكير المجتمعي، حيث الإنتاج والابتكار وتطويع الطبيعة وتسخيرها لخدمة مجتمع يعيش فوق ظهور النوق (في إشارة إلى كثرة الترحال).

وفي مقابلة أخرى مع المنتجة ومربية الأجيال، المرحومة دادة منت أمزيدف (دائرة 27 فبراير، ولاية بوجدور)، قالت إن الراحلة هي رمز لوحدة المجتمع الصحراوي في مواجهة قسوة الطبيعة… وحدة أفقية وعمودية؛ فهي إنتاج مشترك بين الرجال والنساء، وتُهدى للأبطال والحكماء والفقهاء وحتى المحاربين والعرسان على اختلاف أصولهم وطبقاتهم، كما يشتريها الرجال للمفاخرة والرفاهية.

فداخل خيمة “لمعلمين” يعكف الصانع – الرجل – على جلب الخشب وتقسيمه ثم تهيئته، وبعد ذلك تقطيعه وصناعة أجزاء الراحلة منه، وأخيرًا تركيبها… لتأتي المرأة الحرفية وتبدأ بتغليفها بالجلد وتزيينها بالصباغة التقليدية “لانكر” والخياطة البارزة على الحواف. وهنا أيضًا تتحقق “التويزة” بين أفراد الأسرة الكادحة في سبيل كسب القوت.

تصنع الراحلة من أنواع مختلفة من الخشب، على سبيل الحصر: خشب آغْنين بالأخص، ولكن يمكن أيضًا صناعتها من تيشط، ولثل، واجداري. هذا طبعًا عند الصناع التقليديين الصحراويين، ولربما في موريتانيا القائمة أشمل نظرًا لتوفر أنواع مختلفة من الخشب.

تتكون هذه الأداة الفريدة من القطع التالية:
1- القربوص: الجزء الأمامي من الراحلة.
2- تانتفرت: الجزء الخلفي الذي يسند عليه الراكب ظهره.
3- الصفف: القطعتان الجانبيتان اللتان يضع الراكب ذراعيه عليهما.
4- الغربان: قطعتان سفليتان تحميان الجمل، وهما وسادتان من الخشب تُحشى المنطقة بينهما بجلد الإبل (الجنبة)، وفوق الحشوة توضع قطعة فضفاضة مزخرفة من جلد الماعز المدبوغ مزينة بزخارف ملونة.
5- امراشيق: أعمدة خشبية تصل الصفف بالغُربان وتثبتهما.
6- اللبدة: وسادة ثالثة تُصنع تقليديًا من نبات “أزاران” وتُغلف بالجلد، وتوضع على ظهر الإبل ليتم وضع الراحلة فوقها.
7- لحْلَق: حلقتان من المعدن (لا يوجد معدن محدد لصناعتهما) تمرَّر من خلالهما “الغرظة” و”لقشاط” لتثبيت الراحلة على سنام الجمل.

توابع الراحلة:

  • الغرظة: حزام مصنوع من جلد الغنم المضفور، يُمرَّر عبر الحلقات لتثبيت الراحلة أكثر، كحزام أمان.
  • لقشاط: سير من جلد البقر أو الإبل يربط الغرظة بالراحلة.
  • آسفل: حبل غليظ يُضفر من جلد الغنم، ويمر من الجهة الخلفية للراحلة (تانتفرت) إلى أسفل ذيل الإبل ثم عبر بطنها.
  • التاسوفرا: حقيبة كبيرة الحجم يستخدمها البدوي لحمل جميع أمتعته من لباس وأدوات وغذاء، وتثبت خلف الراحلة.

تاريخيًا، لا توجد مصادر دقيقة عن أول من صنع الراحلة، وللأسف، هذا جزء من المظلمة الكبرى التي عاشها الصناع التقليديون، وتسبب فيها المجتمع والصناع أنفسهم، من خلال عدم تدوينهم تاريخ الصناعة التقليدية كفضاء للتفاعل بين الإنسان والطبيعة. كما أن المؤرخين – باختلاف جنسياتهم – اهتموا بالأصول والنسب والحروب ومناطق السيطرة، ولم يهتموا بواقع الإنتاج والابتكار في مجتمع البيظان، بل جرى الدوس على تاريخ الصناع والتلاعب به وتجاهله، تمهيدًا لواقع عنصري طبقي إقطاعي نعيش الآن جزءًا منه.

هكذا تبرز الراحلة قصة ابتكار وتفاعل بين الحاجة والعقل، وكيف أحب الصانع التقليدي الملتزم عمله وأبدع فيه، حبٌّ تجاوز مرحلة الحب إلى العشق، وسط مجتمع ظل يزدريه ولا يزال إلى يومنا هذا.

أحمد علين محمد سالم

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top