حديث الليلة الأولى…

8046a74b 92d4 4f4b a68c d1e4d1e59b7f
Picture of سمية بادي
سمية بادي

مثقفة وكاتبة صحراوية، تدير مركز «لحبالية» لتقديم الخدمات الاجتماعية. تتناول في كتاباتها موضوعات اجتماعية وثقافية متنوعة، وتقدّم قراءة نقدية للواقع الثقافي والاجتماعي والهوياتي داخل المخيمات.

عن الكاتب

أَطَبَقَ الليلُ أجنحته على المدينة، معلنًا دخولها تحت جناحه، كأنه يحمي محبوبته من عيون المتلصصين. ومع تقادم الساعات، بدأت كوتونو تركن إلى مزيد من الهدوء والسكينة، شيئًا فشيئًا، حتى بدا لي أن ضجيج النهار ينسحب منها على مهل.أغلقت الشرفة وعدت للاستلقاء 


المقال 6

استقبلت في غرفتي أول زائر من زوار المدينة: بعوضةً واحدة. لم ألحظ في تحيتها لجسدي حميميةً أكثر من أقرانها في أماكن أخرى، ولم تكن عنيدةً ثقيلة الظل كما قيل لي عنها. فما إن أغلقت نوافذ الغرفة في وجهها حتى سحبت أجنحتها، ربما إلى نافذة أخرى، أو إلى مستنقع قريب، أو إلى فريسة أقل حذرًا مني.

وصلت إلى هنا محمّلةً بكمّ هائل من التحذيرات عنها وعن البلد عمومًا؛ تحذيرات تراكمت في رأسي و اصبحت تملي عليه ردات فعل غريبة .

استلقيت على سريري بشيء من السأم. لم تكن شبكة الإنترنت قد وصلت إلى غرفتي بعد، فأشعلت التلفاز. كانت هناك قناتان؛ إحداهما تبث برنامجًا بدا كأنه ألعاب عائلية، والأخرى لا تفعل شيئًا سوى بث الإعلانات. تأكدت سريعًا أنني لن أستطيع التعويل عليه لقتل الوقت لاحقًا، فأطفأته ووضعت جهاز التحكم في مكانه، معلنةً له أن هذا آخر عهدي به.

كان وقت العشاء لا يزال بعيدًا، والمدينة قد انتزعتها العتمة، كما انتزعت مني قلة معرفتي بالفرنسية ترفيهًا كان يمكن أن تمنحني إياه شاشة التلفزيون.

أخذت أتفحص الغرفة بإمعان.

خمنت أن مساحتها أربعة أمتار في أربعة تقريبًا، بالحمام، وفيها، بأريحية واضحة، يتمدد سرير كبير مغطى بشراشف بيضاء. لم تبدُ جديدة، لكنها كانت نظيفة؛ نظافة لا تفوح منها رائحة مطهرات حديثة،ربما عهد الغرفة بالزوار كان بعيدا من الآن.

على يسار السرير خزنة صغيرة ذات درجين. فتحت الأول فوجدته فارغًا، وفي الثاني عثرت على إنجيل باللغة الفرنسية. ومن معلوماتي المتواضعة عرفت أنه كتاب العهد الجديد، بكتبه الأربعة الكبرى: متى ومرقس ولوقا ويوحنا.  في سري تساءلت إن كان للكتاب علاقة ما بهوية الفندق، أم أنه مجرد ضيف آخر نسيه أحد النزلاء.

وعلى وجه الطاولة كانت هناك ورقة صغيرة ملصقة. اقتربت منها، فإذا بها تحمل كلمات المرور الخاصة بالإنترنت، مع توضيح للمواقع التي يمكن أن تلتقط فيها الشبكة داخل الفندق. جربت الطابق الرابع، فلم تستجب لي. لم اهتم كثيرا ،اتجهت قرب الباب، حيث  خزانة الملابس الكبيرة ذات البابين.

فتحتها؛ ثلاثة رفوف ، وفي أعلاها علاقة واحدة للملابس.

وعلى يسار الباب طاولة قراءة صغيرة، كنت قد وضعت حقيبتي عليها، وإلى جانبها كرسي من نفس اللون  ( الأسود الخشبي) ومن نفس نوعية الخشب الذي صُنعت منه معظم محتويات الغرفة. كان خشبًا بدا لي نوعيًا وفاخرًا، ومميزًا إلى حد جعلني أسجل في رأسي موضوع الخشب ضمن المواد التي تستحق شيئًا من الاستطلاع في المدينة كلها.

عند طرف السرير كانت طاولة صغيرة تجمع أشياء متفرقة: مفاتيح، وبعض القطع الزائدة، وأداة لم أتبين وظيفتها في البداية. عبثت بها قليلًا حتى اكتشفت أنها تتحكم في كهرباء الغرفة. وبعد محاولات قصيرة اشتغل المكيف.

عدت إلى سريري، مستسلمةً لبعض الاسترخاء، شاردةً في أفكاري.

رفعت رأسي نحو المصابيح. أربعة مصابيح في الغرفة؛ اثنان إلى جانبي السرير، واحد عن يمينه وآخر عن يساره، وواحد عام فوق السرير مباشرة، ورابع عند الباب.

وثلاثة مقابس كهربائية، ذات الفتحات الثلاث، للشحن: واحد في أقصى الجهة اليمنى من السرير، وآخر فوق الطاولة قرب الباب، وثالث عند كرسي الحمام، ربما خُصص لمجفف الشعر. وكانت جميعها تخضع لتحكم قاعدة مثبتة في الجدار إلى يسار السرير.

بدأ المكيف يبدو لي غير ضروري، خصوصًا في ظل غياب غطاء سميك في الغرفة. أطفأته.

لكنني ما لبثت أن شعرت بشيء من الاختناق.

أعدته إلى العمل.

لم أكن مستعدة لمواجهة أسراب البعوض من أجل انتصار صغير على المكيف.

الله أكبر، الله أكبر… إنه وقت صلاة العشاء.

كنت قد صليت الظهر والعصر جمعًا عند وصولي إلى الفندق. وبسبب ضيق الوقت لم أُمعن كثيرًا في تحديد اتجاه القبلة. تذكرت أين يقع البحر بالنسبة إليّ، فملت عن اتجاهه قليلًا، نحو زاوية قدرتها بحوالي ثلاثين درجة، وصليت، ثم فعلت الشيء نفسه في صلاة المغرب.

أما الآن، فقد اتسع الوقت، وكان ينبغي أن أعرف الاتجاه الصحيح.

نزلت إلى البهو، وأخذت من موظفة الاستقبال كلمة مرور الإنترنت، ثم عدت إلى غرفتي وصليت. فتحت الهاتف على مصحف إلكتروني، وقلت في نفسي: سأمرر يدي عشوائيًا على أي سورة تقع عليها.

كانت سورة إبراهيم.

ثم الحجرات.

توقفت طويلًا عند الأمر.

كلا السورتين تحدثنا عن  في المعتقدات 

، وفي ذلك الكم الهائل من المعلومات التي نتوارثها، فنصدق بعضها اعتقادًا جازمًا، ثم لا نكتفي بأن نحملها نحن، بل نصبح طرفًا في نقلها إلى الآخرين، حتى تتحول الحكاية مع مرور الزمن إلى حقيقة لا تحتاج إلى دليل.

حمدت الله أن يسّر لي ذكر اسمه في مكان آخر من هذا العالم؛ لعل المكان يشهد لي يومًا أنني مررت به، وذكرت الله فيه.

عدت إلى التمدد، وقرأت اعلانا في مجموعة الاتصال عن تأخير وقت العشاء، ثم رددت على رسائل من يسأل عن أوضاعنا، وأخبرت بها من لم يسأل.

بعدها فتحت متصفح غوغل وكتبت:

دولة بنين.

لكن قبل أن أضغط على زر البحث، عادت إليّ عشرات الأصوات التي سبقتني إلى هنا:

أفريقيا؟ وماذا تفعلين في أفريقيا؟

أفريقيا الفقر والأمراض!

ألم تبحثوا عنها؟ إنها بلد فقير جدًا، مليء بالأوساخ والأمراض!

ما المتعة أو الفائدة من هذه الرحلة؟

أكيد لم يجدوا من يقبل السفر!

وعندما تعودين من هناك، إياك أن تقابليني… ستعودين حاملةً الأمراض!

هذا ما بقي في ذاكرتي من عشرات التحذيرات وردود الفعل التي وصلتني قبل السفر. وكلها، حين أمعنت النظر فيها، كانت مبنية على الشيء نفسه: ما قيل، وما توارثناه من صور ومفاهيم عن أفريقيا وأهلها.

واحد فقط قال لي:

«بنين وتوجو من أنظف بلاد العالم، سافري.»

وقال آخر:

«سافري ولن تندمي.»

اثنان مقابل عشرات.

وفي طبعي ميل غريب إلى الأقليات، ربما لأنني أحب أن أفتش دائمًا عن الحقيقة في الجهة التي لم يقف عندها الجميع.

استخرت ربي، لكن السفر إلى بنين تعذر أكثر من مرة، حتى أصبح في حكم الملغى.

عندما كان  السائق ينقلني إلى المطار. وحين اقتربنا من بابه، توقف فجأة، ثم أدار السيارة وعاد بها إلى مكان الإقامة.

حمدت الله في سري، ورضيت بما قسم.

وحين وصلت إلى عدد التسبيحات التاسع والتسعين، وجدت السائق يعود إلى المسلك نفسه المؤدي إلى المطار.

اتضح أنه أخطأ الاتجاه في محاولته الأولى، وكان عليه أن يخرج ثم يعود من جديد.

دخلنا المطار.

التحقنا بالبعثة الرسمية المشاركة في المنتدى الاجتماعي في بنين. بدأت عمليات التسجيل، ثم اقتطاع التذاكر. وحين وصل دوري، لم يجدوا اسمي في القوائم.

كان الأمر طبيعيًا إلى حد ما؛ التحاقي بالمجموعة جاء استثنائيًا، ولذلك كان عليّ انتظار مرور الركاب جميعًا، ثم البحث عن حل.

شعرت بطمأنينة غريبة.

قلت في سري:

الحمد لله الذي لم يقدر لي هذا السفر.

بل قلت للمسؤول عن البعثة، مازحة وجادة، إن الأمر يسعدني؛ فأنا متعبة من سفر آخر، ومن كل الظروف التي سبقت هذه الوجهة.

فقال لي، هو أيضًا مازحًا وجادًا:

«لن تقلع الطائرة دونك.»

ثم أضاف:

«ولست وحدك هناك، هناك آخرون معك.»

قلت:

«هذه إشارة قوية إلى أنني لا أريد السفر معكم.»

فضحك وقال:

«لكن نحن نريدك معنا.»

وكنت معهم.

وها أنا الآن هنا.

مرة أخرى في حيرة مع المكيف.

من خلال بحثي عن بنين في الهاتف، اكتشفت أن جودة الإنترنت هنا قوية؛ فقد بدأت استجابة الشبكة سريعة لطلباتي، وبدأت المعلومات الجديدة تتدفق إليّ.

تمددت على بطنى في محاولة جديدة لتجنب المكيف، لكنها لم تفلح. سحبت الكرسي إلى ركن من الغرفة بعيدًا عنه، وفي طريقي إلى تلك الزاوية سألت نفسي:

كيف عرفتى بنين؟

في مراحل كثيرة من حياتي، كنت أعتقد أن بنين مجرد اسم امرأة، واسم لا يليق إلا بالجميلات. فقد كانت كل فتاة عرفتها تحمل اسم بنين جميلة، وفي أسفل فم بعضهن شامة صغيرة تزيد الاسم جمالًا في عيني.

ثم اعتقدت، في مرحلة أخرى، أنها المكان الذي يأتي منه (لبنون).

أو هكذا فهمت من معلومة أعطتني إياها إحداهن ونحن صغيرتان.

كنت أعرف أن الفول السوداني يأتي من السودان، والجبن من سويسرا، فقلت في براءة الأطفال:

ولبنون من بنين!

ثم أصبحت أريد اسمها في أغنية تعلمتها من أثير الإذاعة الوطنية. وقيل لي يومًا إنها دولة أفريقية تعترف بالصحراء الغربية.

وكانت كلمة «تعترف» في قاموسي الصغير تساوي تقريبًا: تحبنا.

وكنت أتعامل مع الدول كما نتعامل نحن الصغار مع الأشخاص؛ من يحبنا نحبه، ويصبح قريبًا منا.

ثم جاءت ثلاثة أحداث في حياتي منحتني اهتمامًا مؤقتًا ببنين.

الأول كان سنة 2004، عندما لعب منتخبها لأول مرة في كأس أمم أفريقيا التي نظمتها تونس.

ثم جاءت المفاجأة الأكبر سنة 2019 في مصر، عندما اقصت منتخب المغرب في الدور ربع النهائي.

وقبل ذلك، في منتصف العقد الثاني من الألفية الحالية، كنت قد عملت مع طبيب مختص في العلاج الطبيعي من بنين في المستشفى الوطني. كان طبيبًا ومعالجًا لي وصديقًا أيضًا ،عمل مع بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مخيمات اللاجئين الصحراويين.

ثم غادرت المخيمات، وانقطعت كل صلتي ببنين.

وعادت الدولة إلى مكانها القديم في ذاكرتي:

مجرد اسم فتاة جميلة.

أعتقد أن حرارة الجو ارتفعت أكثر مقارنة بالنهار. عدت من الزاوية إلى السرير واستلقيت من جديد، وبدأت أقرأ البحث الذي دفعني إليه سؤال جاءني بعد مكالمة عبر واتساب.

قرأت:

«تقع بنين في غرب أفريقيا، وتحديدًا بين دائرتي عرض 6° و12° شمالًا، وبين خطي طول 0° و4° شرقًا تقريبًا.»

أما كوتونو، المدينة التي أنا فيها الآن، فتقع تقريبًا عند خط عرض 6°22′ شمالًا، وخط طول 2°26′ شرقًا.

توقفت عند الأرقام.

هذا هو الموقع الذي يهمني الآن.

أنا في مدينة تقع شمال خط الاستواء، قريبة نسبيًا من الساحل الأطلسي، وتطل على خليج غينيا. وقربها من المنطقة الاستوائية يفسر ذلك الحر الذي لم يغادرني منذ المطار و ارتفاع معدل الرطوبة الأن .

طلبت صورة بالأقمار الصناعية للفندق وموقعه من المدينة.

ظهرت الخريطة أمامي.

كان الفندق يقع في أقصى جنوب غرب المدينة، قريبًا من ساحل خليج غينيا، كأنه وضع نفسه عمدًا بين المدينة والبحر.

نظرت إلى النقطة الصغيرة التي تمثل الفندق.

ثم إلى المساحة الزرقاء الممتدة في الأسفل.

وخطر لي أنني، طوال السنوات الماضية، كنت أبحث عن بنين في أسماء النساء، وفي الأغاني، وفي كرة القدم، وفي طبيب صديق، وفي معلومة عابرة عن دولة تعترف بنا.

أما الآن، فقد أصبحت بنين مكانًا.

مكانًا له إحداثيات.

بحر ومناخ ورطوبة وبعوض ومكيف وعنصر غريب من الخشب، غرفة فندق، مصحف إلكتروني، وإنجيل باللغة الفرنسية، وامرأة جاءت إليه بعد أن حاولت كثيرًا ألا تأتي.

ابتسمت ثم اعتدلت في جلستي

الأن  بدأت أتعرف إلى بنين حقًا.

ليس كما قالوا لي عنها.

ولا كما تخيلتها وأنا صغيرة، و أنا واعية

بل كما وجدتها هذه الليلة، من سريري، في غرفة تطل على مدينة أطبق الليل عليها جناحيه

شارك المقال

مقالات ذات صلة

Scroll to Top