أمامنا سبع ساعات كاملة قبل مغادرة كوتونو. ولاستثمار هذه الساعات، اتفقت مع صديق صانع محتوي طوغولى -مقيم في بنين- على القيام بجولة عنونها هو بـ (اكتشاف ما تبقى من أسرار كوتونو). وكان قد أرسل إليّ قائمة بالأماكن التي سوف نمر بها، لكنني فضّلت في النهاية رفقة بني قومي، خاصة أنه لا يوجد اختلاف كبير بين الخطتين، ثم إنني أفضل أن أخوض تجربة الاكتشاف وحدي، على أن يرافقني عبد الله بالشرح عبر الهاتف.
رست بنا الحافلة في ساحة قريبة من القصر الجمهوري، في منطقة تضم عددًا من المرافق الرسمية والاقتصادية المهمة. فكوتونو، وإن لم تكن العاصمة السياسية لبنين، فإنها عاصمتها الاقتصادية والثقافية، وفيها مؤسسات رسمية عديدة وحيوية، مثل الميناء والبنك الوطني، إلى جانب مرافق إدارية كبرى جعلت منها قلبًا نابضًا بالحياة في البلاد.
في وسط تلك الساحة، ينتصب تمثال امرأة منحوت من البرونز، تقف شامخة ، تحمل سلاحها وترفع قامتها، كأنها تستعد لمعركة ما، أو كأنها تخوض غمارها في تلك اللحظة. أصبح كل ما حولها باهتًا ومتوارياً.
استحوذ التمثال على انتباهنا قبل حتى أن نلج تلك الساحة، بسبب ارتفاعه أولًا، ثم شكله والحشود التي تجمّعت حوله، وبصعوبة بالغة، استطعنا تخطي تلك الحشود، المتجمهرة حوله،وأصبحنا على مقربة منه.
على اللوحة التعريفية عند قدمي المرأة، وُضعت معلومات عن التمثال:
الأمازونيات…
الطول: 30 مترًا.
الوزن: 150 طنًا.
التدشين: 30 يوليو 2022.
من تنفيذ: Li Xiangqun،( وأعتقد أن الاسم صيني).
بعثت المعلومات في صورة إلى عبد الله، الذي بدا وكأنه كان ينتظر رسالتي. عرفت منه أن التمثال يخلّد فيلقًا عسكريًا نسويًا عُرف باسم الأمازونيات، وتعود قصتهن إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين عُرفت في مملكة داهومي القديمة-التي تقع ضمن أراضي بنين الحالية- قوة عسكرية نسائية باسم (الأجودجي). ضمّت هذه القوة نساءً تدربن على القتال وشاركن في الحروب دفاعًا عن المملكة، حتى أصبحن ظاهرة استثنائية في التاريخ العسكري للمنطقة.
بعدما كان حضور النساء في كثير من الروايات التاريخية مقتصرًا على علاقتهن بالملوك، أو ما نُسب إليهن من دسائس وتأثير في دوائر الحكم، تحيل حكاية الأمازونيات إلى وجه مختلف؛ فهن لم يكنّ مجرد أسماء عابرة في سير الملوك والحروب، بل كنّ جزءًا من بنية السلطة والمجتمع، وحملن السلاح في زمن كانت فيه الحرب إحدى وسائل تثبيت النفوذ وتوسيع حدود الدول.
إن استحضارهن اليوم لا يتعلق بالشجاعة وحدها، إنما بتاريخ معقّد تتداخل فيه البطولة مع السلطة، والمقاومة مع الحروب، والذاكرة مع الطريقة التي تختار بها الأمم رواية ماضيها.
وأمام هذا التمثال المصنوع من معدن صلب، وجدتني أتأمل المفارقة بين المادة التي صيغ منها جسده والقصة الإنسانية التي يحملها. فالمعدن هنا يستعيد نساءً حقيقيات استطعن إثبات أنفسهن في مجتمع لم يكن يمنح المرأة دائمًا المساحة نفسها التي يمنحها للرجل، وكان يحصر دورها وتأثيرها، -في الغالب- داخل أطر اجتماعية محددة.
واليوم، تقف الأمازونية في ساحة مفتوحة بين البحر والقصر الجمهوري، في قلب المدينة وعلى مرأى من الجميع؛ لا بوصفها أثرًا من الماضي فحسب، لكن بصفتها سؤالًا مفتوحًا عن حضور المرأة في التاريخ، وعن الأسماء التي بقيت في الظل، بينما احتكرت أسماء الملوك والقادة معظم صفحات الرواية التاريخية.
ولعل اختيار الساحة العامة لإقامة التمثال يمنحه دلالة أخرى. فهو لا يقف خلف أبواب متحف مغلق، ولا ينتظر مناسبة رسمية كي يستعيد حضوره، بل ينتمي إلى الناس وإلى حياتهم اليومية. يمرون به، ويتوقفون أمامه، ويحيطون به من كل جانب، كأنهم يعيدون إليه الحياة من خلال نظراتهم وصورهم ولمسات أيديهم.
كان الزوار من أعمار وأعراق وخلفيات مختلفة يتوافدون على المكان، حريصين على التقاط الصور مع التمثال من زواياه المتعددة. وكان بعضهم يقترب منه ويلامس قاعدته و يحاول عناقه، بينما يرفع آخرون رؤوسهم إلى أعلى محاولين استيعاب ضخامة هذا الجسد البرونزي.
لم يكن المشهد عاديًا؛ ذكّرني ذلك الالتفاف حول التمثال بالتجمعات التي تحيط بالمشاهير الأحياء. للحظة اعتقدت أن الأمازونية ستغادر مكانها بعد هنيهة، أو أن شيئًا ما سيحدث لها وسط هذا الحشد الذي لم يكتفِ بالنظر إليها من بعيد.
كان لافتًا أن كثيرًا من الزوار يرتدون أزياء محلية تقليدية، وكأن زيارة هذا المكان تتجاوز التنزه العابر لتصبح طقسًا له رمزيته الخاصة. ورأيت بعضهم يستعين بهاتفه ومحركات البحث للحصول على معلومات عن التمثال وتاريخه، في مشهد يجمع بين الذاكرة القديمة ووسائل المعرفة الحديثة.
أفكر الآن في قيمة التاريخ حين يخرج من الكتب والمتاحف ليصبح جزءًا من الفضاء العام. فالتاريخ لا ينبغي أن يظل طقسًا سنويًا تحضره الأجيال في مناسبة محددة، ثم تنصرف عنه بقية العام. حين يكون التمثال في قلب المدينة، يصبح السؤال عن قصته احتمالًا يوميًا، وتصبح المعرفة أقرب إلى الناس، فلا تحتاج إلى موعد مسبق أو بوابة عبور.
سيكبر الأطفال الذين يقفون أمام الأمازونية وهم يحملون أسئلة عن قصتها. وسيجد الآباء، ربما، في تلك الأسئلة فرصة للخروج قليلًا من مشاغل الحياة المتراكمة، ومن الوقت الذي تستهلكه الشاشات والإنترنت، ليحكوا لأبنائهم عن امرأة حملت السلاح، وعن مملكة قديمة، وعن فصل من تاريخ بلادهم.
في طريقي إلى منطقة التمثال، صادفت مجموعة من الأطفال يرتدون زيًا موحدًا باللون الأسود تتخلله خطوط حمراء داكنة، وينشدون أغاني محلية. كانت الصورة لافتة، لكن مشهد الأمازونية سرق انتباهي منهم. سألت عبد الله، فأخبرني أن الدولة وبعض جمعيات الأطفال تنظم رحلات تعليمية إلى هذه الساحة.
حاولت أن ألتفت إلى الأنشطة الأخرى التي تحتضنها المساحة الواسعة. كان فريق موسيقي يستعد لإقامة حفل على منصة مخصصة للعروض، غير أن التمثال بدا وكأنه استحوذ على الجزء الأكبر من اهتمام الزوار. بدت المنافسة بين الموسيقى والأمازونيات محسومة سلفًا؛ فحتى الحفل الحي لن يستطع أن ينتزع الأنظار من ذلك الجسد البرونزي الصامت.
على المساحات الخضراء المحيطة بالتمثال، توزعت العائلات، لكل منها طقوسها الخاصة، لكنها جميعًا كانت تتجه بأنظارها نحو نقطة واحدة. وعلى مسافة ليست بعيدة، كان شاطئ مكتظًا بالناس، تصل أصوات رواده إلى الساحة، فيما يتواصل تدفق الزوار بين البحر والتمثال.
التقطنا ما تيسر لنا من الصور، وبفضل إحدى عضوات الوفد التي تتقن الفرنسية، أجرينا بعض المحادثات غير الرسمية مع الزوار. غلب على تلك الأحاديث الفضول والرغبة في التعارف أكثر من المعرفة التاريخية، لكنها كانت لمعرفة تلك العلاقة الوطيدة بين الإنسان و التاريخ.
وقتها استحضرت فكرة أن الثورة ينبغي أن تُلقى إلى الشارع، وأن ما ينتمي إلى الناس يجب ألا يبقى بعيدًا عنهم. لم يكن التمثال ثورة بالمعنى السياسي المباشر، لكن وجوده في فضاء مفتوح، حيث يستطيع الجميع الاقتراب منه وتأمله والتفاعل معه، منحني معنى آخر: أن الذاكرة، مثلما أن الثورة من الشعب وإلى الشعب، تفقد بعضًا من روحها حين تُعزل عن أصحابها.
الجدار الذي يكتب تاريخ إفريقيا بالألوان
غادرنا منطقة الأمازونيات، وعلى مسافة قريبة من الساحة، وجدنا أنفسنا أمام محطة أخرى من محطات تاريخ بنين وثقافتها: جدار طويل مزين بالغرافيتي، يمتد على مسافة تزيد على كيلومتر، ويبدو كأنه صفحات مفتوحة من كتاب تاريخي لا يستخدم الحروف، بل الصور والألوان.
سيخبرني عبد الله لاحقًا -في المساء-أن هذا الجدار أُنشئ بمبادرة من مجموعة من الفنانين البنينيين على هامش أحد المهرجانات الفنية، ثم ترك فنانون آخرون من إفريقيا ومناطق مختلفة من العالم بصماتهم عليه. وهكذا، لم يعد مجرد جدار على جانب الطريق، بل مساحة تتجاور فيها رؤى فنية متعددة، لتصنع حكاية تتجاوز حدود المكان الذي يحتضنها.
بحسب ما فهمت من الشروح التي تلقيتها عند الجدار، تتدرج موضوعات الجدار من بنين إلى إفريقيا، ثم إلى العالم الأوسع. لكل لوحة حكايتها، ولكل رسم موضوع يستدعي تاريخًا أو قضية أو تجربة إنسانية. وبين الوجوه والأجساد والرموز، تتشكل أمامك ذاكرة بصرية لا تحتاج إلى أن تقرأ عنها طويلًا حتى تدرك أنك أمام مساحة تحاول أن تقول شيئًا عن الإنسان والمجتمع والعالم.
وأنت تتأمل هذا الجدار، تشعر بأنك أمام كتاب مفتوح، لكن صفحاته ليست من ورق، وحروفه ليست كلمات. إنها وجوه وأجساد ورموز وألوان تتجاور لتصنع حكاية بلد يعتز بذاكرته، ويبحث عن مكانه في عالم يتغير باستمرار.
هنا، لا تبدو الألوان مجرد اختيار جمالي، إنما وسيلة للتعبير عن الهوية. يستلهم الفنانون أعمالهم من التاريخ والثقافة والرموز المحلية، ويمنحون الجدار حياة تتجاوز وظيفته الأصلية. وبين صورة وأخرى، تتداخل الذاكرة القديمة مع الرؤية المعاصرة، ويصبح الفن وسيلة لاستعادة الماضي، لا بوصفه زمنًا انقضى، بل باعتباره جزءًا من الحاضر ومصدرًا لبناء المستقبل.
ولعل ما يمنح هذا المكان أهميته ليس طوله وحده، ولا عدد اللوحات التي تزينه، و لكن الفكرة التي يقوم عليها: أن الثقافة ليست حكرًا على النخب، وأن الفن لا ينبغي أن يبقى أسير المتاحف وصالات العرض. يمكن للوحة أن تعيش في الشارع، وأن تخاطب العامل والمارّ والطفل والمسافر، وأن تمنح الحياة اليومية شيئًا من الدهشة والجمال.
فالجدار يقع بمحاذاة الطريق العام، حيث تتحرك المدينة في مشهدها المعتاد. لا يحتاج المارّ إلى تخصيص يوم لزيارته، ولا إلى اقتطاع ساعات من برنامجه، ولا إلى شراء تذكرة دخول مبالغ في ثمنها. يكفي أن يمر من هناك حتى يجد نفسه أمام عمل فني يدعوه إلى التوقف والتأمل، ولو للحظات.
إنه معرض مفتوح في قلب الحياة اليومية، لا يفصل الفن عن الناس، و لكن يضعه في طريقهم، ويترك لكل عابر حرية النظر والتفسير. و في نظري هذه إحدى أهم مزاياه؛ فالفن هنا ليس حدثًا استثنائيًا ينتظر الجمهور، بل جزء من المشهد الذي يعيشه الناس كل يوم.
ومن بين الأعمال التي لفتت انتباهي لوحة عن التعايش، عرفت لاحقًا أنها لفنان برازيلي غاب عن ذاكرة عبدالله اسمه، وقد رُسمت اللوحة سنة 2023، وفقًا للتوقيع المرفق بها.
تلفت اللوحة النظر إلى أهمية التسامح بين الأديان، وإلى ضرورة التعايش في عالم تتعدد فيه المعتقدات والهويات.
توقفت عند الفكرة أكثر من توقفي عند الألوان. فالقضايا التي يطرحها العمل لا تخص بنين وحدها، ولا تنحصر في حدود جغرافية بعينها؛ إنها قضايا إنسانية تتجاوز المكان، وتمس حياة المجتمعات في مختلف أنحاء العالم.
هنا، لم يعد الجدار محليًا بالمعنى الحرفي، تحول إلى مساحة تتقاطع فيها التجارب والثقافات، وتجد فيها القضايا المشتركة طريقها إلى التعبير. قد لا نتحدث اللغة نفسها، ولا ننتمي إلى التاريخ ذاته، لكننا نستطيع أن نلتقي أمام لوحة تطرح سؤالًا عن التسامح أو السلام أو العلاقة بالآخر.
وكلما تقدمنا على امتداد هذا الجدار، تعرفنا على قصص مختلفة عن إفريقيا، تعيد تشكيل الصورة التي اختار الآخرون تشكيلها عنها.
فبعيدًا عن الصور الجاهزة التي تختزل القارة في الفقر والصراعات والأزمات، توجد مجتمعات تمتلك ذاكرة غنية، وفنانون يبتكرون، وشباب يبحثون عن لغتهم الخاصة في التعبير عن العالم. إفريقيا التي يكشف عنها هذا الجدار ليست مجرد موضوع تنظر إليه العيون من الخارج، هو ذات تتحدث عن نفسها، وتختار صورها وألوانها، وتروي حكاياتها بطريقتها.
إنه جدار يذكرنا بأن الشعوب لا تحفظ تاريخها بالنصب التذكارية وحدها، ولا بالوثائق المكتوبة فقط، و إنما تحفظه أيضًا في الأغاني والرقصات والوجوه والحكايات، وفي كل محاولة فنية لاستعادة ما كان والتعبير عما هو كائن.
لهذا السبب، ربما، لا يغادر الزائر هذا المكان بالصور التي التقطها فحسب، ولكن أيضا بشيء من الأسئلة والفضول : كم من الحكايات تختبئ خلف جدران المدن التي نعبرها دون أن نلتفت إليها؟ وكم من الذاكرة تستطيع الألوان أن تنقذ من النسيان؟
في كوتونو، بدا الجدار كأنه يقول إن الحكاية لا تنتهي عند حدود الماضي، وإن الهوية ليست شيئًا محفوظًا في صندوق، إنه كائن حي يتغير ويتجدد ويبحث عن أشكال جديدة للتعبير عن نفسه. لذلك، ما زالت هناك مساحات فارغة تنتظر حكايات أخرى وموضوعات جديدة.
كانت المحطة الموالية هي سوق الفواكه الموسمية، لكن بوابته كانت قد أُغلقت. في مدينة لم أكن أعرف أن للحياة والعمل فيها تاريخ صلاحية، بدا ذلك استثناءً من القاعدة. وقد أتاح لنا اضطرارنا إلى العودة على أدراجنا فرصة مشاهدة الجدار من طرفه الآخر.
كانت تجربة مختلفة؛ فالمساحات البيضاء التي لم تصل إليها الألوان بعد بدت كأنها مقدمات لحكايات لم تُكتب، أو صفحات عجزت كلماتها عن الظهور، تاركة للقارئ حرية ملئها بما يشاء.
ثم أخذت اللوحات تظهر من زاوية مختلفة، وكأن الجدار يروي حكاية أخرى. لم تعد الصورة هي نفسها، رغم أن المكان لم يتغير؛ الذي تغير هو موقع النظر.
توقفت عند تلك المساحات البيضاء، وفكرت في أنها ليست بالضرورة فراغًا أو نقصًا في العمل، بل مساحة مفتوحة لما سيأتي. فالتاريخ لم ينتهِ، والحياة لا تزال تكتب فصولها، وما لم يجد مكانه على الجدار اليوم قد يجد طريقه إليه غدًا.
هناك أدركت أن الجدران ليست دائمًا أدوات للعزل والفصل، ولا حدودًا تُرسم لمنع العبور، قد يمكنها أن تصبح جسورًا للتواصل، ومساحات يلتقي فيها الناس والأفكار والثقافات. المسألة لا تتعلق بالجدار في حد ذاته، إنما بالفكرة التي أُقيم من أجلها، وبما نختار أن نضع عليه: ما يفصلنا أم ما يجمعنا.
سوق الحرف التقليدية… ذاكرة قارة على رفوف بسيطة
تُعرف العواصم عادة بأسواقها الكبيرة وشوارعها ومبانيها، لكن ثمة أماكن صغيرة تستطيع أن تكشف عن روح المدينة بطريقة مختلفة.
وسوق الفنون والحرف التقليدية في كوتونو واحد من هذه الأماكن. فهو لا يقدم صورة كاملة عن بنين، لكنه يفتح نافذة على بعض ملامحها الثقافية، من خلال التماثيل والأقنعة والأقمشة والحلي التي يصنعها الحرفيون.
السوق عبارة عن صف طويل من المحلات الصغيرة المتلاصقة، لا تتجاوز مساحة الواحد منها نحو مترين في مترين، وأمام كل محل مساحة مفتوحة مخصصة لعرض المنتجات واستقبال الزوار. لا توجد هنا واجهات ضخمة أو لوحات إعلانية فخمة ومبهرة؛ إنها محلات بسيطة، لكنها تحوي عالمًا غنيًا بالتفاصيل.
عالم من الخشب والمعدن والطين والخرز والجلد والأقمشة، تتوزع فيه التماثيل على الرفوف، وتتدلى بعض المنتجات الجلدية من السقف، بينما تتجاور الأقنعة الإفريقية والمنحوتات والأواني والسلال والمشغولات اليدوية.
للوهلة الأولى، قد يبدو السوق مكانًا لبيع التحف والهدايا، لكنه في الحقيقة أوسع من التجارة، وأغنى من مجرد مجموعة من الأشياء المعروضة للبيع. إنه حكاية الإنسان وعلاقته بالطبيعة، وحكاية قدرته على تحويل المواد الأولية البسيطة إلى قطع فنية تحمل شيئًا من ثقافته وذاكرته.
السلع متشابهة تقريبًا في المحلات كلها: تماثيل خشبية ومعدنية، وأخرى من الطين، تجسد شخصيات تاريخية معروفة وأخرى سقطت سهوًا من ذاكرة التاريخ العام، ووجوه لمحاربين ومزارعين وشخصيات تنتمي إلى عوالم اجتماعية مختلفة، كأن الحرفيين كلفوا أنفسهم مسؤولية إنصاف كل فئة في سجل الذاكرة المصنوعة باليد.
لم يكن الاختلاف بين القطع مجرد اختلاف في المادة أو الحجم؛ فلكل شكل ملامحه الخاصة، ولكل وجه منحوت تعبيره المميز. كل فنان حريص على ترك أثر من عالمه داخل قطعة جامدة، يمنحها خصوصيتها ويحررها من التشابه مع غيرها.
الطبيعة بدورها حاضرة. حيوانات وأشجار ونخيل مجسدة في أشكال فنية مختلفة الأحجام والألوان، صُنعت من الخشب أو المعدن أو مواد أخرى. رأيت هناك أشكالًا لحيوانات كنت أبحث عنها منذ أيام في المدينة، وفي نصف دقيقة كانت كلها أمامي في أشكال فنية.
أعتقد أن الحرفيين هنا لا ينسخون الطبيعة فحسب، بل يعيدون تقديمها وفق مخيلتهم، ويمنحونها أشكالًا وألوانًا تجعلها جزءًا من عالم فني خاص.
للأقنعة الإفريقية مكانة بارزة بين المعروضات، إلى جانب التماثيل الحيوانية والبشرية. فهي ليست مجرد أشكال غريبة أو قطع للزينة، إنها جزء من تقاليد فنية وثقافية متجذرة في مجتمعات القارة، وتكشف عن تنوع طرق التعبير عن الإنسان وعلاقته بمحيطه.
يضم السوق أيضًا أعدادًا كبيرة ومتنوعة من المشغولات البرونزية والنحاسية، التي تستلهم تقنيات الصب التقليدية، إلى جانب المنحوتات الخشبية التي تتفاوت أشكالها وأحجامها بحسب موضوع العمل ومهارة صانعيه.
كان المكان أشبه بمغارة صغيرة أبوابها مفتوحة للجميع؛ يكفي أن تتقدم خطوة حتى تجد نفسك أمام تفاصيل جديدة، وأن تنقل نظرك من رف إلى آخر حتى تكتشف شكلًا لم تلحظه من قبل.
كانت الحلي التقليدية والقلائد الملونة والأساور والحقائب الجلدية والأقمشة المزخرفة والسلال والأواني المنحوتة يدويًا حاضرة بقوة أيضًا، إلى جانب المواد الخام المتمثلة في أحجار كريمة متنوعة الألوان ومختلفة الأنواع.
تفحصت مجموعة من قلائد الخرز بألوانها المتداخلة، وتكويناتها التي تجمع بين الألوان الزاهية والأشكال الهندسية المتناسقة. كان لبعضها حضور بصري قوي، فيما بدا بعضها الآخر أكثر بساطة، لكن لكل قطعة طريقتها في الجمع بين الألوان وترتيبها.
وبالقرب منها، عُلقت الملابس والأقمشة التقليدية، تحمل نقوشًا وألوانًا تعكس جانبًا من الذوق المحلي. لم تكن هذه المنتجات مجرد قطع للزينة أو تذكارات سياحية، بل شواهد على استمرار الحرف اليدوية في الحياة اليومية، وعلى قدرة الصناع المحليين على الجمع بين الجمال والمنفعة.
فجأة، يتحول البائع إلى راوٍ هاوٍ، يسرد عليك سيرة القطعة التي بين يديك، فتغدو صلتك بها أكثر حميمية. ولعل هذه القدرة على استدراجك إلى عالم القطعة جزء من مهارة أوسع في التواصل؛ فهولاء الباعة محترفين في قراءة وجوه الزبائن، ما إن تضع اهتمامك على رف معين حتى يشرعوا في الحديث عن جميع محتوياته، وكأنهم يقرأون ما يدور في ذهنك، ويضعون بين يديك كل ما تريد معرفته عنها بتفاصيله. وقد لفتني في هذا السياق أن أغلبهم يتقن لغتين على الأقل، فيما أظهر بعضهم إلمامًا واسعًا باللغة والثقافة العربيتين، بل وتقديرًا لافتًا لهما.
سيخبرني عبد الله، بعد أسبوع من عودتي، عن قصة قرأها عن هذا السوق.
فبحسب ما رواه لي، بدأ المكان بمجموعة من الأكشاك التي أقامها حرفيون فقدوا مواقعهم في أحد مراكز ترقية الصناعات التقليدية بسبب أعمال تحديث وتغييرات طرأت على المكان. ثم جرى توطينهم في هذه المساحة ، ليبدأوا من جديد، متمسكين بمهنهم، ومصرين على مواصلة العمل والحفاظ على مصدر رزقهم.
وهكذا، لم يكن انتقال السوق مجرد تغيير في العنوان، بل اختبارًا لقدرة الحرفيين على الحفاظ على حضورهم في مدينة تتغير ملامحها باستمرار.
فالحرفة التقليدية تحتاج إلى أكثر من مهارة اليد؛ إنها تحتاج إلى مكان يستطيع فيه الفنان عرض أعماله، والتواصل مع الزبائن، والتعريف بما يصنعه، ونقل خبرته إلى الأجيال الجديدة. وحين يفقد الحرفي المكان الذي اعتاد العمل فيه، لا يخسر مساحة مادية فحسب، قد يفقد أيضًا جزءًا من شبكة العلاقات التي تضمن له الاستمرار.
من هنا، تصبح المحافظة على الحرف التقليدية مسؤولية تتجاوز أصحابها لتشمل المجتمع الذي ينتمي إليه هذا التراث. فهذه الحرف ليست مهنًا ثانوية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، إنها أشكال من المعرفة والخبرة والذاكرة، تتوارثها الأيدي، وتمنح كل جيل فرصة لإضافة شيء جديد إلى ما ورثه عن السابقين.
لم يستسلم هؤلاء الحرفيون لفقدان مكانهم الأول، ولم يسمحوا للتغيير بأن ينهي علاقتهم بالمهنة. لقد أعادوا ترتيب ظروفهم، وفتحوا أكشاكهم، وواصلوا عرض أعمالهم. وفي هذا الإصرار معنى يتجاوز حدود التجارة؛ إنه دفاع عن حق الحرفة في أن تبقى حاضرة، وعن حق الإنسان في أن يواصل ممارسة ما يتقنه، حتى حين تتغير الأمكنة من حوله.
لم أذهب إلى السوق لاقتناء شيء، كنت فقط أبحث عن فرصة للاقتراب من جانب من الثقافة المحلية لم أستطع اكتشافه كما ينبغي في الشارع أو داخل الجامعة.
فالتماثيل موجودة في أماكن كثيرة، والخرز يتدلى من أعناق النساء ويظهر في المحلات، لكن رؤية هذه الأشياء في فضائها الذي تُصنع فيه وتُعرض، والاقتراب من الأشخاص الذين يقفون وراءها، تجربة مختلفة تمامًا.
أردت أن أرى أثر المهارة الإنسانية؛ أن أتخيل اليد التي تنحت الخشب، أو تصب المعدن، أو تحول قطعة من الطين إلى وجه له ملامحه وتعبيره. كنت أريد أن أقترب من الحرفي الذي يقف خلف العمل، لا من القطعة المكتملة وحدها، وأن أكتشف شيئًا من تاريخ الحرف اليدوية في قارتنا.
فخلف كل قطعة معروضة وقت وعمل وخبرة، وربما أسرة تعتمد على هذه الحرفة في معيشتها. وقد تحمل القطعة الصغيرة تاريخًا من التجربة والتعلم، لا يظهر للمشتري من النظرة الأولى، لكنه حاضر في تفاصيلها وطريقة صنعها.
خلاصة القول إن دعم هذه الفضاءات لا يحقق المنفعة للبائع والمنتج فحسب، سواء من خلال شراء منتجاتهم أو التعرف إلى تقنياتهم وإبراز أعمالهم، إنما يساهم أيضًا في إبقاء هذه المهارات حية، ويمنح الصناعات التقليدية فرصة للاستمرار في عالم تتوسع فيه المنتجات الصناعية المتشابهة، التي قد تكون أسرع إنتاجًا وأقل كلفة، لكنها لا تحمل بالضرورة الأثر الإنساني نفسه.
إن قيمة القطعة اليدوية لا تكمن في مادتها وحدها، ولكن في اختلافها أيضا، وفي الوقت الذي استغرقته، وفي الخبرة التي استدعتها. فالقطعة المصنوعة يدويًا لا تخرج دائمًا متطابقة مع غيرها، وهذه الخصوصية جزء من جمالها؛ إذ تترك مساحة لأثر الإنسان، وللفروق الصغيرة التي تجعل كل عمل مميزًا.
غادرنا المكان ونحن نحمل قطعًا صغيرة، لكنها في الوقت نفسه حوامل متينة للثقافة والتاريخ، تجمع بين الجمال والعمل، وبين الماضي والحاضر.
لم تكن جولتنا في كوتونو مجرد مرور على معالم سياحية متفرقة؛ بدأت بامرأة من البرونز تستعيد حضور النساء في التاريخ، ثم امتدت إلى جدار يروي بالألوان حكايات بنين وإفريقيا والعالم، وانتهت في سوق صغير يحفظ الحرف والمهارات من النسيان. إنها ثلاث محطات تصل إلى نقطة واحدة.
لافتةٌ أعلاها مكتوب عليه: إن ذاكرة الشعوب لا تسكن الكتب والنصب التذكارية وحدها، لكن ايضا تعيش في الفضاءات العامة، وعلى الجدران، وفي الأشياء التي تصنعها الأيدي وتتناقلها الأجيال.
إنها كوتونو، حيث لا تزال للحكاية تفاصيل لم تُروَى بعد




