منذ أن خطا الإغريق في أثينا خطواتهم الأولى نحو حكم الشعب عبر الاقتراع، مروراً بالتجربة الرومانية حيث ارتبطت السلطة بالطبقات والنفوذ، ثم التحوّل الكبير مع الثورات الأوروبية والأميركية التي جعلت من الانتخابات ركناً أساسياً في الدولة الحديثة، ظلّت العملية الانتخابية معياراً يقاس به تطور الوعي السياسي للشعوب. ومع القرن العشرين ترسّخت قاعدة الاقتراع العام، لتصبح الديمقراطية شكلاً سياسياً يُعطي الشرعية للشعوب في مواجهة الاستبداد والاحتلال.
في هذا السياق العالمي، نسج الشعب الصحراوي تجربته الخاصة، حين أسس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) كإطار يجمع بين التحرر الوطني وبناء مؤسسات ديمقراطية في ظروف المنفى. فالمؤتمرات الشعبية العامة والانتخابات الدورية للمجالس الجهوية وللمجلس الوطني، كلها كانت إشارات واضحة على أن المشروع الصحراوي ليس فقط كفاحاً مسلحاً أو معركة دبلوماسية، بل أيضاً ممارسة حقيقية لحق تقرير المصير عبر صندوق الاقتراع والإرادة الشعبية الحرة.
لكن هذه التجربة التي صمدت عقوداً لم تُستثمر كما ينبغي في العقدين الأخيرين لتقوية هياكل التنظيم السياسي. فقد غاب العقل التنظيمي القادر على ضخ دماء جديدة بمستويات عالية من الكفاءة، وعلى مواجهة القبلية والزبونية والتحالفات الضيقة التي حوّلت جل المؤسسات الديمقراطية إلى فضاءات هشة وبيئات طاردة. الأسوأ أن الفشل لم يُعالَج بالتعيين أيضاً، بل استُنسخت المحاصصة القبلية حتى في هذا الباب، فأُهدرت كفاءات كثيرة وخرجت من دائرة الفعل المباشر إلى حالة حياد سلبي لا يخدم الثورة الصحراوية ولا مشروعها الوطني.
هذا الفشل البنيوي في استثمار التجربة الديمقراطية يظهر بجلاء على ثلاثة مستويات مترابطة:
أولاً، الأمانة الوطنية للجبهة الشعبية، باعتبارها الهيئة العليا وصاحبة القرار السياسي. غير أنّها بالكاد تشهد تجديداً في بنيتها، بل تعيد تدوير نفس الكوادر المنتمية إلى الجيل الأول من الشيوخ، الذين يتناوبون على المواقع أكثر مما يجددون فيها الفكر أو يفتحون الأفق أمام الأجيال المتعاقبة. لقد تحوّلت هذه الهيئة إلى مسرح لصراعات شخصية وخلافات عقيمة، في حين أُغلقت الأبواب أمام الكفاءات الشابة عبر شروط تعجيزية تستنزف رصيدهم وتدفعهم إلى الهامش. هنا يحضرنا قول ماكس فيبر عن “الشيخوخة البيروقراطية” حين تتحول المؤسسات إلى أدوات للمحافظة على الذات، بدلاً من أن تكون فضاءات لتجديد الشرعية والفعالية.
ثانياً، البرلمان الصحراوي أو المجلس الوطني. فالمفترض فيه أن يمارس التشريع والرقابة، وهما وظيفتان أساسيتان لأي برلمان في ضوء مبدأ فصل السلطات كما وضعه مونتسكيو. غير أن طريقة اختيار النواب داخل البوليساريو اليوم لا تخدم هذا الهدف، بل تؤدي في الغالب إلى تكريس حضور شخصيات عتيقة في المشهد السياسي، تفتقر إلى العمق الفكري والمؤسساتي اللازم لبناء سلطة تشريعية حقيقية. وبدل أن يكون البرلمان فضاءً للنقاش والتجديد، صار امتداداً للعبة التوازنات القبلية والتحالفات الضيقة.
ثالثاً، المنظمات الجماهيرية: اتحاد الشبيبة، اتحاد الطلبة٬ اتحاد المرأة، واتحاد العمال. هذه الإطارات التي كان يُفترض أن تُغذي الفعل الوطني وتعبئ الطاقات الجماهيرية، ضاعت في مسارب الضعف والتيه. التنظيم أهملها وتركها فريسة للجشع القبلي ولتنظيمات موازية، فتحوّلت إلى هياكل غير جذابة، عاجزة عن إنتاج خطاب مؤثر أو برامج قادرة على احتواء الشباب والنساء والعمال. وما زاد الأمر سوءاً أن جل مسيّري هذه الاتحادات وصلوا عبر “صدف انتخابية” لا علاقة لها بالكفاءة أو التجربة. ولعل ابن خلدون كان دقيقاً حين قال إن العصبية القبلية قادرة على ابتلاع أي مشروع إذا غاب العقل التنظيمي الرشيد، لأن الولاء فيها يتجاوز الفكرة ويتغلب على المصلحة العامة.
إن ما نراه اليوم هو أن القبيلة، عندما تُترك بلا ضابط تنظيمي، تستولي على المشهد وتحوّل المؤسسات إلى قوالب فارغة. أما الديمقراطية، فبدلاً من أن تكون رافعة للتجديد والمساءلة، أصبحت واجهة لإعادة إنتاج نفس الممارسات التي قامت الجبهة أصلاً لمحاربتها.
لقد آن الأوان للاعتراف، بلا مواربة، أن جل هذه الإشكالات واقع حقيقي لا يجوز الاستمرار في إنكاره أو الالتفاف عليه. وكما يقول المثل العربي القديم: “آخر الدواء الكي”، فإن الإصلاح اليوم لم يعد ترفاً ولا خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية قصوى. المطلوب هو التعامل مع هذه التحديات بروح وطنية عالية، وبمسؤولية أخلاقية وسياسية يتحملها رجالات الدولة ومناضلو الحركة على حد سواء. إن إصلاح الهيئات السياسية والتنظيمية يجب أن يكون اختياراً واعياً، لا مجرّد شعارات، ويُنجز بطرق رصينة تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
يمكن التفكير في جملة من الإجراءات العاجلة: أولها فتح المجال أمام تجديد النخب، عبر آليات انتخابية وتعيينية تمنح الشباب والنساء وأصحاب الكفاءة فرصة فعلية للوصول إلى مواقع القرار. وثانيها إعادة تعريف دور البرلمان ليعود إلى جوهر وظيفته: التشريع والرقابة، مع تعزيز استقلاليته عن السلطة التنفيذية. أما ثالثها فهو إعادة هيكلة المنظمات الجماهيرية على أسس مهنية، تجعلها أدوات للتعبئة والتأطير لا مسارح للزبونية. وأخيراً، لا بد من إقرار ميثاق أخلاقي داخلي يجرّم بشكل واضح توظيف القبلية في الممارسة السياسية، ويؤسس لثقافة المواطنة بدل العصبية.
هذه الخطوات ليست سهلة، لكنها ممكنة متى ما توافرت الإرادة الصادقة والإيمان بأن الثورة الصحراوية لا يمكن أن تُبنى على مؤسسات هشة، بل على مؤسسات قوية وعادلة قادرة على حمل مشروع الدولة المستقلة إلى برّ الأمان.
في النهاية، لا بد من استحضار المسجد الذي شيّدته الثورة الصحراوية من العدم في بداياتها، ليس بمعناه المادي فحسب، بل كرمز لقدرتها على تنظيم المجتمع ونقله من حال التشتت إلى حالة تقدمية ثورية. لم يكن ذلك صدفة ولا هبة عابرة، بل ثمرة عزيمة صلبة امتلكها جيل التأسيس، الذي آمن بأن بناء المؤسسات الوطنية وسط لهيب الحرب وظروف اللجوء هو جزء لا يتجزأ من معركة التحرير. تلك الروح الأولى للبوليساريو هي التي سيرت المخيمات، وبنت دولة مؤسسات حقيقية تستند إلى قيم التضحية والانضباط والإيمان الجماعي بالمصير المشترك.إن تذكير أنفسنا بهذا الإرث ليس حنيناً إلى الماضي، بل دعوة لاستعادته كطاقة قادرة على دفعنا إلى الأمام. وإذا كان جيل البدايات قد تمكّن من تحويل المستحيل إلى ممكن، فما الذي يمنعنا اليوم من إصلاح ما اعوجّ وإعادة الاعتبار لمؤسساتنا؟ سؤال التأمل والمقارنة يفرض نفسه: أين نقف الآن، وأين كنّا بالأمس القريب؟




